روايات وقصص

قلب لا يُقدّر بثمن ج1

نزلت من الطيارة طوالي على لندن، وخدت طيارة تانية لأفاجئ أمي في عيد ميلادها السبعين، وفجأة لقيت نفسي لابس في نص فرح شغال في جنينة الفيلا بتاعتنا في المعادي!

العريس؟ أخويا الصغير وعمره ٢٦ سنة، وعنده متلازمة داون.

والعروسة؟ عندها إكسلانس، أقصد إكسلانس في إيه.. دي عندها ٤١ سنة، ولسه متعرفة عليه من ٦ أسابيع بس!

أمي استقبلتني وهي بتقول بكل براءة: “مش حاجة تحفة يا ابني؟”.

ده أبويا الله يرحمه كان ساسه بمليارات، وسايب له محفظة وميراث يعدي الملايين في صندوق ائتماني.

أنا اسمي كريم ريد، عندي ٣٤ سنة، وشغال محامي، وقاعد في لندن بقالي خمس سنين.

أخويا الصغير، بيتي، هو أطيب وأجدع بني آدم عرفته في حياتي.

عنده متلازمة داون، وبيقرأ على قد طالب في تانية ابتدائي كده. شغال تلات أيام في الأسبوع في سوبر ماركت كبير، وحافظ أسامي الزباين واحد واحد. بيموت في أغاني المهرجانات، وبيكلمني كل يوم حد بالساعة.. الساعة أربعة العصر بتوقيت لندن بالظبط.

يوم ما أبويا مات من تلات سنين، ساب لبيتي قرشين حلوين كويسين يكفوه ويعيشوه ملك لحد آخر عمره.

أنا الوصي القانوني على الفلوس، وأنا وأمي وصاياه قدام المحكمة.

قبل عيد ميلاد أمي بست أسابيع، مكالمات بيتي يوم الحد بقت تتخطف خطف:

“أنا مشغول يا كال، ريهام قاعدة معايا.”

“مين ريهام دي؟”

“خطيبتي يا عم!” وتلاقيها خطفت التفاصيل وقفلت في وشي.

حجزت طيارة على القاهرة فوراً عشان أعرف إيه الحوار.

أول ما التاكسي وقف قدام باب الفيلا، لقيت بلالين بيضاء على الباب، ودي جي شغال، وكراسي فرح مفرودة على النجيلة.

وفيه يافطة معلقة على البوابة: “الأستاذ بيتر والمدام ريهام”.

دخلت لجوة لحد الحديقة الخلفية.

كان بيتي لابس بدلة أوسع منه بمقاسين، ومبسوط لدرجة إن الضحكة واصلة لودانه.

جنبه واقفة ست في الأربعينات، سمرا، وحاطة روج أحمر صارخ، وماسكة دراعه بأطراف صوابعها كأنها ماسكة صفيحة دهب.

صرخ بيتي بصوته كله: “كريم! جيت فرحي يا ابني!”

جري عليّ وحضنني لدرجة إن ضلعي طق.

جات أمي بتجري وهي مهللة:

“يا كريم! مش حاجة تفرح؟ كتبنا الكتاب من ساعة بالكتير! أخو ريهام بقى مأذون، مأذون إلكتروني عبر النت وكده، بس شغال برضه!”

بصيت لها بهدوء وقلت: “يا ماما، هو عرفها من امتى أصلاً؟”

“من ستة أسابيع يا حبيبي، بس بيموتوا في بعض.”

العروسة قربت مني ومن غير حتى ما تمد إيدها تسلم قالت بحدة:

“أنت غالباً الأخ اللي حابس فلوسه وماسكها عليه؟”

“أنا الأخ اللي بيحافظ عليه وبيحميه من النصابين.”

قالت لي بتكبر وهي مترفعة: “يا حبيبي ده راجل بالبوست والبطاقة، ومن حقه يتجوز اللي تعجبه!”

الجيران وزملاء بيتي من السوبر ماركت بدأوا يلموا ويبرقوا فينا.

قلت وأنا باصص في عينها: “يا ريهام، بيتي أصلاً فاهم يعني إيه قسيمة جوار وكتب كتاب؟”

ابتسامتها الصفرا نشفت على وشها:

“أنت طامع في فلوسه وعايز تاخدها لوحدك، والبلد كلها عارفة.. يلا بره فرحنا من هنا!”

وقربت مني وقالتلي في ودني بصوت سم:

“أول ما نرجع من شهر العسل، أنا اللي هبقى ماسكة فلوس بيتر وكل شركاته، وأنت ترجع انجلترا وماتشوفش وشنا تاني.”

أخوها “المأذون” واقف وراها وحاطط إيد على إيد، وعامل فيها البلطجي.

وبيتي واقف في النص، عمال يبصلي ويبصلها ومش فاهم حاجة، والضحكة بدأت تطير من على وشه.

أنا لا زعقت ولا عليّت صوتي.

ما أنا محامٍ يا باشا، وعارف كويس إن أوسخ وأخطر واحد في القعدة هو اللي فاكر إنه كسب اللعبة من أولها.

مسكت إيد بيتي وقلت له بحنية: “يا بطل، فين قسيمة الجواز دي؟ وريها لي عشان أخدها وأعملها لك أحلى برواز.”

قال وهو نافخ صدره بفخر طفولي: “ريهام عيناها في الشنطة.. أنا مضيت على ورق ياما قوي، قالت لي دي هي دي الحركة اللي بتخلي الجواز تمام وقيقي.”

“ورق ياما؟”

“آه، يجي عشر ورقات كده.”

ساعتها حسيت إن معدتي اتقلبطت وتلجت في مكاني.

عشان ريهام ما تعرفش اللي فيها..

بحكم إن بيتي تحت وصاية قضائية رسمية من المحكمة، ممنوع قانوناً يمضي على أي عقد، سواء بيع، أو شرا، أو حتى جواز، من غير موافقة أولياء أمره في المحكمة. وفي القانون المصري، الجواز اللي يتم من غير أهلية قانونية كاملة للرضا، باطل ويتحكم بفسخه عادي جداً.

ده غير إن الصندوق والتركة اللي سابها أبويا فيها شرط أسود وأبيض لا رجعة فيه: ولا مليم واحد.. ولا مليم.. يروح لزوج أو زوجة؛ لا في الجواز، ولا في الطلاق، ولا حتى بعد العمر الطويل.

طلعت تليفوني بهدوء وبعت رسالة واتساب سرية لمحامي العائلة في القاهرة.

وبعدين بصيت لبيتي بحب:

“على فين بقى شهر العسل يا عريس؟”

قال بصوت كله فرحة طفولية: “المكسيك! بكرة! أنا أول مرة في حياتي هركب طيارة!”

“يا جامد.. طيب وريني التذكرة كده أشوفها معاك؟”

طلع ورقة متطبقة من جيب البدلة وناولها لي.

اسمين على تذكرة الذهاب.. من القاهرة لكانكون بكرة الصبح.

قلبت الصفحة على رحلة العودة بعد عشرة أيام.

مالقيتش غير اسم واحد بس مكتوب عليها.

اسم ريهام.. لوحدها.

#حكايات_شروق_خالد
#حصري

رفعت عيني من التذكرة وبصيت لها. ريهام كانت واقفة بتضحك بثقة، مدياني ظهرها وبتسلم على الجيران، كأنها خلاص ضمنت الصيدة وقبضت التمن. أخوها “المأذون” كان واقف جنبها بيبصلي بصه كلها تحدي.

لكنها ماكانتش تعرف إن المحامي بتاعي في القاهرة كان مستني إشارة مني من زمان.

حطيت التذكرة في جيب بيتي بهدوء، وطبطبت على كتفه:

“تسافر وتنبسط يا عريس، وتجيب لي معاك هدية حلوة من المكسيك.”

بيتي ضحك وقال بفرحة: “من عيوني يا كال!”

بعدها مشيت خطوتين لحد ما بقيت واقف في نص الجنينة وسط الناس، وطلعت تليفوني واتكلمت بصوت عالي ومسموع للكل، من غير عصبية، وبطريقة المحامي اللي بيلقن الخصم القاضية:

“يا جماعة، الفرح ده من الناحية القانونية ولا كأنه حصل، وقسيمة الجواز دي أصلها أبيض وماتساويش قرش قدام القانون، لأن أي جواز لواحد تحت الوصاية من غير إذن المحكمة بيكون باطل.. ده غير إن ولا مليم من فلوس بيتي هيشمّ ريحته زوج ولا زوجة، وصندوق التركة فيه بند بيلغي أي حق مالي لأي حد يدخل حياته بالطريقة دي.”

الضحكات وقفت فجأة في الجنينة، والصمت قطع صوات الديلي جي.

وش ريهام اتقلب من اللون الأبيض للون الأصفر، والدم جري في وشها لما لفت ولقيت الجيران بيبصولها بنظرات شك وغمز ونجز. أخوها جه جاري عليها وهو بيزعق:

“أنت بتقول إيه يا بني آدم أنت؟ إحنا ناس محترمين وجايبين ورق رسمي!”

“ورق رسمي؟” ضحكت بسخرية وأنا بطلع إيصال إرسال المحضر من تليفوني: “ورقكم ده هيدخل أختك في سجن استغلال ذوي الاحتياجات الخاصة والنصب، والمحاضر اتفتحت أصلاً وأمن المطار بيستعلم عن تذاكر السفر دلوقتي.”

ريهام جرايتها على الشنطة عشان تطلع الورق، بس شافتني باصص لها بنظرة ثابتة، فوقفت مكانها والشنطة وقعت من إيدها على الأرض.

أمي جريت عليّ وهي مرعوبة: “يا ابني.. فرح أخوك! إيه اللي بتعمله ده؟”

مسكت إيد أمي بحب وقلت لها: “يا ماما.. أنا بحميه من اللي عاوز يسرق عمره وفلوسه عشان تترمى في الشارع بعد شهر العسل.. ريهام حجزت تذكرة رجوع لنفسها لوحدها وسابت بيتي هناك لوحده.”

الناس حوالينا بدأت تفهم اللعبة، والستات اللي كانوا بيزغردوا بقوا يبصوا لريهام بنظرات مقرفة، والكلمات بقت تطلع من كل حتة: “يا نهار أسود.. دي كانت ضحكة عليه عشان الفلوس!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى