
الناظرة وقفت ابني أبو عشر سنين وعملت له إيقاف يومين عشان أخذ سبع وعشرين باكتة بسكوت ووجبات خفيفة من الكانتين. دخلت مكتبها وأنا واخدة في إيدي نية إن العيل ده هيدفع تمن كل باكتة باكتة.. لحد ما مسؤولة الكانتين قلبت كارت الغداء بتاعه ووراتني اثني عشر اسماً، وجنب كل اسم علامة صح صغيرة.
ساعتها ابني مسك معصمي وهمس بصوت واطي: “يا ماما، والنبي ما تقولي لأهاليهم.”
بصيت لزياد.
كان قاعد على كرسي واسع عليه، ورجليه بالكاد طايلين الأرض، وشنطته محشور بين رجليه وقاعد يلعب في حزامها ويشده بإيده.
“أهالي مين دول؟” سألته.
هز راسه بلا.
من ناحية تانية من المكتب، الناظرة أمل شبكت إيديها ببعض وقالت:
“يا مدام هدى، أنا مقدرة إن الموقف صعب ومزعج، بس لازم نضع حد للي زياد بيعمله.”
التفت لها.
“يبقَى تفهميني بالظبط هو عمل إيه.”
زقت قدامي تقرير مطبوع على ورقة.
بصارحة، بقى لهم تلات أسابيع البسكوتات والحاجات دي بتختفي من العربية اللي برة الكانتين. في الأول قالوا يمكن الحسابات ملخبطة.
بس النقص كمل.
يوم الخميس، واحد من بتوع الكانتين لمح زياد وهو بياخد كيسين وبيحطهم جوه الشنطة.
وهو اعترف باللي عمله.
ولما سألوه، قال إنه شغال على الموضوع ده من أسابيع.
قالت الناظرة أمل: “سبع وعشرين باكتة. ده الرقم المؤكد اللي قدرنا نجمعه.”
بصيت لابني.
“يا زياد، الكلام ده حقيقي؟”
هز راسه بالموافقة.
“حد قالك خد الحاجات دي؟”
“لا يا هانم.”
حسيت قلبي نزل في رجليّة.
أنا بتربي زياد لوحدي من يوم ما أبوه غاب، وعلى قد حالنا تماماً بس عمري ما حرمته من لقمة ولا مصاريف ولا كشكول، وكنت دايماً واقفة على أمره عشان ما ينقصوش حاجة.
ومستحيل أكون ربيته على أخذ حقوق الناس.
“إيه اللي حدك على كده؟” سألته.
فضل مبلم وباصص في إيديه.
“يا زياد. بص لي هنا.”
رفع عينه.
كانت حمرا خالص، بس من غير ولا دمعة.
“كنت محتاجهم.”
“محتاجهم في إيه يا خويا؟”
قفل بوقه ومردش.
تنحنحت الناظرة أمل وقالت:
“هو رافض يوضح النقطة دي بالذات. وعشان دي أخذ متكرر، إحنا قررنا نوقفه يومين، ولازم تدفعي تمن الأكل اللي اتاخد.”
قلت فوراً: “عيب تقولوا كده، ده حقكم وهدفعه.”
زياد انكمش في نفسه من الخوف.
طبعاً صعب عليّا أشوفه كده، بس مكنش ينفع أعديها وأعلمه إن كلمتين معسلين يمسحوا تلات أسابيع أخذ عيني عينك.
“كام بقى الفلوس؟” سألت.
“إحنا بنحسب تكلفتهم بالظبط.”
“ابعتوا لي الحساب وأنا هلخصه وأدفعه.”
الباب اتفتح وفجأة.
دخلت واحدة لابسة لبس الكانتين وماسكة كارت الغداء بتاع زياد في إيدها.
وقالت: “الكارت ده كان مع حاجاته يا فندم.”
عرفتني الناظرة إن دي أم أحمد، مسؤولة الكانتين.
مدت إيدها بالكارت وقالت:
“فيه حكاية على ضهره حسيت إن لازم سيادتك تشوفيها.”
قلبت الكارت ورا.
لقيت اثني عشر اسماً مكتوبين بخط إيد زياد الصغير اللي مش مظبوط قوي.
أسامي عيال أعرفها من المدرسة.
وأسامي تانية معرفهاش.
وجنب كل اسم منهم علامة صح صغيرة.
قريت أول تلات أسامي بصوت عالي:
“يوسف.. مريم.. كريم..”
زياد نط ومد إيده عشان يخطف الكارت.
“يا ماما، أرجوكي.”
بعدت الكارت عنه.
“إيه ده فهمني؟”
صوته نزل بقى همس:
“حاجة تخصني أنا.”
“سبع وعشرين وجبة متاخدة من المدرسة وابني موقوف، دي بقت تخصني أنا والنبي!”
زياد رمى نظرة سريعة على أم أحمد.
وبعدين بص للناظرة.
“هو إحنا ممكن نروح البيت بقى؟”
كنت ميتة وعاوزه أقول لأ.
بدل كده، سألت سؤال قاطع:
“هما دول العيال اللي كنت بتديهم الأكل اللي بتاخده؟”
وشه جاب ألوان الطيف واتسحب منه الدم.
السكوت كان علامة رضا.
مالت الناظرة أمل لقدام وقالت بجدية:
“يا زياد، لو كنت بتوزع أكل على زمايلك المحتاجين، كان لازم تقول لأي مدرس أو مسؤول هنا.”
“هما مكنوش راضيين.”
“برضه مش معناه تاخد بمزاجك عشان توزع.”
“أنا عارف.”
“ومقلتش لحد كبير ليه؟”
زياد شد كم قميصه وغطى بيه إيديه الإتنين.
قعدت ثانية حسيت إنه هيفضل ساكت للصبح.
وبعدين همس وقال بحزن: “عشان واحدة منهم قالت لي إن مامتها هتبكي لو عرفت إن بنتها كانت بتطلب أكل من الناس عشان جعانة.”
محدش في الأوضة نطق بحرف واحد.
رجعت أبص على الاثني عشر اسماً اللي مكتوبين ورا الكارت.
ابني أخذ سبع وعشرين وجبة.
النقطة دي منتهية، وهو غلطان.
بس فجأة حسيت برعشة وسؤال أرعب بكتير نقّ في دماغي:
يا ترى كام عيل تاني جوه مدرسة النهضة بيرجع بيته جعان من غير ما حد يحس بوجعه؟
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
لما حسيت بالصمت الطويل جوه المكتب، بلعت ريقي وبصيت للناظرة أمل، ولقيتها هي كمان مبلمة وباصصة في الورق اللي قدامها وكأن الكلام خبطها في نص راسها.
أم أحمد مسؤولة الكانتين نزلت عينيها في الأرض وفضلت تفرك في إيديها، وشكلها كان مبين إنها بدأت تربط الخيوط ببعضها وتفهم ليه أحياناً عيال كانت بتيجي تسأل على أكل أو تقف بعيد وهي باصة على الكانتين بحسرة.
“يا فندم…” بدأت أم أحمد تتكلم بصوت واطي ومهزوز: “أنا… أنا الصراحة كنت ساعات ألاحظ إن فيه عيال بتيجي تطلب سندويتش وتقول نسيت فلوسها، وكنت بديله ساعات من عندي، بس ما كنتش أعرف إن الموضوع بالسوء ده، وإن فيه ناس بتبيّت جعانة بجد!”
الناظرة أمل عدلت قعدتها على الكرسي وراحت باصة لزياد اللي كان منزل راسه في الأرض ومش عايز يبص في وش حد فينا.
قالت بصوت أهدا كتير من الأول: “يا زياد… بابا وماما ميعرفوش حاجة عن الكلام ده؟”
زياد هز راسه بالنفي من غير ما ينطق.
“يعني إنت كنت بتنقي العيال اللي في الفصل واللي في المدارس… قصدي اللي في السكاشن التانية، وتديهم البسكوت والعصير من ورا الكل؟”
“أنا كنت بشوفهم بيبصوا للأكل وساكتين، وواحدة زي مريم مثلاً، كنت بشوفها في الفسحة قاعدة لوحدها ومنزلة راسها وما بتفتحش شنطتها خالص، فلما سألتها قالت لي إنها مش جعانة… بس أنا عرفت إنها كدابة.”
قلبي وجعني أوي وأنا سامعة كلام ابني. حسيت إن روحي بتتسحب مني. ابني اللي ربيته على العفة والرضا، طلع أنضف وأرأف بكتير مننا كلنا، بس للأسف اختار الطريق الغلط عشان يعمل الخير.
بصيت للناظرة أمل وقلت بصوت حازم بس مكسور: “يا فندم… أنا هدفع تمن السبع وعشرين باكتة فوراً، ومش هقبل إن ابني يغلط من غير عقاب، الإيقاف يومين ده في محله عشان يتعلم إن أخذ حقوق الناس غلط مهما كانت الأسباب، بس…” وقفت ثانية وأخدت نفس طويل: “بس محتاجة أعرف أسامي العيال دي إيه بضبط، وأهاليهم مين؟ مش عشان أشتكيهم، العياذ بالله! بس عشان أعمل الواجب.”



