
كان بيمشي بثقة تخلي الشارع كله يوسع له، وبدلاته الغامقة منورة وسط زحمة وسط البلد. ما لفش شمال ولا يمين، خطواواته كانت مرسومة لحد ما وقف قدام البسطة بتاعتي بالظبط، وظلّ عريض مخلي النور يختفي وراه.
“صباح الخير يا فرح،” قالها بصوت هادي وعميق هزّني من جوه.
بلعت ريقي وأنا بحاول أظهر شجاعة مش عندي. “أنا لسه ما فتحتش، ولو جاي عشان قراءة تانية، فأنا قلت امبارح إن…”
قاطعني وهو بيقعد على الكرسي من غير ما يستأذن، وابتسامة خفيفة على شفايفه أكدت لي إنه مش جاي عشان ورق التاروت خالص.
“أنا مش جاي عشان الورق يا فرح… الورق قال لكي امبارح إن في حب جاي الليلة دي، وأنا شخص ما بيسبش مستقبله للصدفة،” قالها وهو بيطلع كرت أبيض صغير من جيبه ويحطه على الترابيزة بالراحة. “ولا بيسيب الحاجة الوحيدة اللي قلبه ارتاح لها.”
بصيت على الكرت، كان مكتوب عليه رقم هاتف شخصي وعنوان في إحدى عمارات الزمالك الفخمة، ومن تحتها بخط يد أنيق: (في انتظارك عشان نكمل الكلام اللي بدأناه).
“حمزة، أنا وحدة في حالي، وعالمكم ده…” جيت أدافع عن نفسي، بس قطع كلامي وهو بيقوم وبيمد إيده يلمس طرف الطاولة.
“عالمي أنا أنضف بكتير من اللي تتخيليه، بس الأهم… إنك من اللحظة دي بقيتي في دائرة الضوء بتاعتي، ومحدش يقدر يلمسك طول ما أنا موجود.”
دار وظهر لرجاله، وركب العربية وهي بتتحرك بنعومة وسط الزحمة، وسابني واقفة وحدي، ماسكة الكرت في إيدي، وعارفة كويس إن قراءة امبارح ما كانتش مجرد صدفة… دي كانت بداية لقصة هتولع الدنيا حواليا، ولعبة جديدة القدر والحب فيها هما اللاعبين الأساسيين.
#حكايات_شروق_خالد
يوم الثلاثاء بالليل، قفلت الكشك بدري. كنت حاسة إن عيون الدنيا كلها بتراقبني، وكل عربية سوداء بتعدي في الشارع كانت بتهز قلبي. رجعت شقتي في الدقي، قفلت الباب بالمفتاح والترباس، وسندت ظهري عليه وأنا باخد نفس طويل كأنني كنت غرقانة وطلعت على وش الميه.
طلعت الكرت اللي سابه لي حمزة من شنطتي، وفضلت مقلوب بين إيديّ. الرقم المكتوب عليه كأنه كان بيناديني. قلت لنفسي ألف مرة إني لازم أقطع الكرت وأرميه في الزبالة وأنسى الليلة دي كلها، بس صورة عيونه السوّد وثباته وهو قاعد قدامي كانت لازقة في دماغي.
الساعة بقت اتناشر بالليل، والفضول كان بياكل عقلي، مع خوف بيلف حوالين روحي زي الثعبان. مسكت الموبايل، وكتبت الرقم على الشاشة، وقبل ما أرجع في كلامي، دوست اتصال.
دقتين رنين بس، ورد الصوت العميق اللي حفظته من أول مرة: “كنت متأكد إنك هتتصلي يا فرح.”
جسمي شعر برعشة، وصوتي طلع مهزوز بس حاولت أكون صلبة: “أنا مش جايز للعب بتاعتك دي يا حمزة.. وعايز أقولك إن الكرت ده ممكن أرميه دلوقتي…”
“تقدري تعملي كده فعلا،” قاطعني بصوته الهادي اللي فيه بحة غريبة، “بس لو عملتي كده، هتيجي بنفسك تدوري عليا بكرة.. لأن اللي بدأناه امبارح ما ينفعش يخلص بمكالمة تليفون. العربية قدام البيت عندك، انزلي وهاتِي معاكي ورق التاروت بتاعك.. عايز أشوف بنفسي إزاي ورقة واحدة ممكن تقلب حياة راجل زيي.”
“أنا مش هانزل في حتة!” قلتها بعصبية.
“أنا مستنيكِ تحت يا فرح.. وخلي في بالك، أنا صبور، بس ما بحبش الانتظار كتير.” وقبل ما أرد، قفل السكة.
وقفت قدام الشباك بصيت لتحت، لقيت عربية سوداء فخمة واقفة قدام العمارة بالضبط، والباب الخلفي مفتوح شوية كأنها بتستناني. قلبي كان بيدق بجنون. لقيت إيدي لوحدها بتمد وتلمس شنطة التاروت اللي سابتها جميلة.
فتحت الباب ونزلت على السلم أجري، كأن قوة خفية بتسحبني ناحية المجهول، وعارفة كويس إن الركبة دي مش رجوع فيها، وإن المتاهة اللي دخلتها مع صاحب النفوذ ده… لسه في أولها.
ركبت العربية ورجلي بتترعش تحت العباية، والباب اتقفل بهدوء ورايا كأنه بيقفل على عالمي القديم كله. السواق اتحرك من غير ما ينطق بكلمة واحدة، والعربية كانت هادية جداً لدرجة إني كنت سامعة صوت دقات قلبي اللي كان عامل زي الطبول.
بعد مشوار مش طويل، لقينا نفسنا قدام عمارة فخمة في الزمالك مطلة على النيل. الأنوار كانت هادية، وأول ما وقفنا، الباب اتفتح لوحده ولقيت حمزة واقف بيستناني. كان لابس قميص أسود من غير جاكت، ومشمّر الكمين لحد دراعه، وشكله كان أهدى بكتير بس فيه هيبة تخلي الواحد يخاف منه أكتر.
مد إيده وساعدني أنزل من العربية، ولمسة إيده كانت دافية زي ما افتكرتها امبارح. “نورتي يا فرح،” قالها بصوت هادي وهو بيمشي جنبي لحد ما دخلنا الأسانسير الفخم اللي طلع بينا لدور علوي كامل.
أول ما باب الأسانسير فتح، لقيت شقة واسعة جداً، ديكورها فخم وفيه غرابة تناسب شخصيته؛ ألوان غامقة، إضاءة خافتة، وريحة عود وبخور مالية المكان. قعدت على صالون واسع، وطلعت شنطة الحرير اللي فيها ورق التاروت من إيدي وحطيتها على الترابيزة قدامي وأنا باصة له بتحدي.
“أنت طلبتني عشان تشوف الورق بنفسك يا حمزة.. أهو الورق قدامك،” قلتها بصوت حاول يكون ثابت. “قُلّي بقى.. ناوي على إيه؟ وليه أنا بالذات؟”
قعد على الكرسي قصادي، وسند دقنه على إيديه وهو بيبص لي بنظرة عميقة خلتني أحس إن عيونه بتقرأ أفكاري أكتر ما أنا بقرا الورق. “مشكلتك يا فرح إنك فاكرة إنك قريتِ مستقبلي إمبارح.. بس الحقيقة إنتي كتبتیه بإيديكي من غير ما تحسي.”
“أنا قريت اللي الورق قاله!” ردّيت بسرعة.
“الورق قال إن فيه حب جاي.. وإن في صراع في حياتي.. وإنتي طلعتِ في النص.” مد إيده وفتح شنطة الحرير ببطء، وطلع الورق من غير ما يلمسه بغشامة، وكأنه بيتعامل مع حاجة مقدسة. “أنا راجل طول عمري عايش في وسط الألم والصعاب، والناس اللي حواليا إما خصوم بخاف منهم، أو أتباع بيخافوا مني. مفيش حد دخل حياتي وقعد قدامي بجرأة وقال لي إني عالق في دايرة سيطرة.. غيرك.”
“لأن دي الحقيقة،” قلت بصوت أوطى وأنا حاسة بضربات قلبي بتهدّي شوية من قربه. “أنت مفكر نفسك ماسك كل الخيوط، بس الخيوط دي هي اللي هتحرقك في الآخر.”



