روايات وقصص

سيدة الورق وزعيم الظل حكايات شروق خالد

ابتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة أول مرة أشوفها، كان فيها نوع من السلام اللي مش لايق على صاحب نفوذ أبداً. “عشان كده أنا محتاجك يا فرح.. مش عشان تقولي لي طالعي ولا إيه اللي هيحصل بكره.. أنا محتاجك عشان إنتي الوحيدة اللي بتشوفيني أنا.. من غير البدلة، ومن غير الحراسة، ومن غير الخوف اللي في عيون الكل.”

قرب مني أكتر، لحد ما بقيت حاسة بسخونة نفس، وبص في عيوني مباشرة. “الورق قال إن آس الكؤوس هو النهاية.. وإني هأقع في الحب. وأنا وقعت فعلاً.. من اللحظة اللي دخلتِ فيها تحت البسطة بتاعتي والشتات كان مالي الشارع.”

سكت الكلام جوه زروقي، ولقيت نفسي مش قادرة أبعد عيني عن عيونه. العالم كله اختفى، ومبقاش فيه غير صوت النهر برة، وصوت الهوا، وقربه اللي كان بيحاصرني بكل أمان الدنيا وخطرها في نفس الوقت.

“هتعمل إيه دلوقتي؟” سألته بصوت يا دوب طالع.

مد إيده ولمس شعري برفق شديد، وقال بيقين: “هواجه الدنيا كلها لو لزم الأمر.. بس الكارت اللي كتبتيه امبارح، هعيشه معاكي للنهاية.”

#حكايات_شروق_خالد

قرب أكتر، لحد ما حسيت بأنفاسه الدافية بتلمس وشي، وكأن الدنيا كلها بقت واقفة تتفرج علينا. إيده اللي كانت على شعري نزلت ببطء لحد ما لمست خدي، ولمسته كانت ناعمة بطريقة غريبة على راجل المفروض إنه قاسي وبيقود عالم من الألم والصعاب.

“الناس بتفتكر إن القوة هي إنك تسيطر على الكل يا فرح،” قال بصوت واطي وهمس مالي الأوضة، “بس الحقيقة الحقيقية… إن القوة الحقيقية هي إنك تلاقي حد، ولأول مرة في حياتك، تحب تشوف نفسك في عيونه من غير خوف.”

بلعت ريقي وأنا حاسة بقلبي هيطلع من مكانه، وبدأت أرضى بالورطة اللي دخلت فيها برجليا. “بس عيوني بتقول لك إن الطريق مش سهل يا حمزة.. الصراع اللي في طالعك لسه مخلصتش.”

ابتسم ابتسامة جانبية فيها تحدي وثقة تعمي العين. “أنا طول عمري عايش في الصراع، وجاهز أواجه الدنيا كلها عشان اللي اخترته… وعشاني أنا وإنتي.”

وفجأة، وقبل ما ألحق أفكر في أي كلمة ثانية، مالت شفافه واطربت شفايفي بقبلة كانت هادية جداً في الأول، بس كانت مليانة بكل الشوق والتوتر والخوف اللي كبتناه طول الليالي اللي فاتت. قفلت عيني وغرقت في اللحظة دي، وإيدي اتسحبت لوحدها لحد ما مسكت في قميصه كأنها بتتمسك بطوق نجاة وسط بحر هائج.

لمستنا دي مكنتش مجرد صدفة ولا قراءة ورق عادية… دي كانت البداية الحقيقية لكل حاجة. كأننا كتبنا عقدنا مع بعض بصدق قلبنا، في نص القاهرة، وفي قلب عاصفة ما حدش فينا كان عارف هتنتهي على إيه.

لما بعد عني شوية وبص في عيوني، لسه الابتسامة على شفايفه، قال بصوت هادي: “دلوقتي بس، حسيت إن طالع امبارح كان صح مية في المية.”

فتحت عيني وبصيت له، ولقيت نفسي ببتسم معاه لأول مرة وأنا مطمنة… وعارفة إن المتاهة دي، بكل خطرها، بقت بيتي الجديد.

قعدت جنبه على الكنبة الواسعة، وإيدي لسه متعلقة بطرف قميصه كأني لسه مش مصدقة اللي بيحصل. النور الخافت في الشقة كان مدّي جو هادي ودافئ، والفرق بين عالمي البسيط اللي فيه ريحة اللافندر وبسطة وسط البلد، وبين عالم حمزة المليان بالقوة والغموض، بقا كأنه مابقاش موجود أصلاً.

“بتفكري في إيه؟” سألني وهو بيمرر صوابعه على كفي بهدوء، كأنه بيطمن إيدي اللي كانت بترجف من شوية.

“بفكر في إيه اللي جابني هنا يا حمزة،” قلتها وأنا ببتسم وببص في عيونه اللي مليانة ثقة. “لو حد قال لي من يومين بس إن قارئة تاروت قاعدة في بسطة متر في متر هتقعد في شقة في الزمالك مع صاحب نفوذ وبتتكلم في الحب، كنت ضحكت عليه.”

ضحك ضحكة خفيفة هزت صدره، صوتها كان دافي وحقيقي. “الحياة دايماً بتفاجئنا باللي مش على البال يا فرح.. وأحسن المفاجآت هي اللي بتيجي من غير إذن، زي ما دخلتِ كشكي بالظبط.”

“بس العالم بتاعك مش سهل يا حمزة،” رجعت القلق يلمس قلبي، “الناس اللي حواليك.. خصومك.. لو عرفوا إن فيه حد قريب منك بالشكل ده، مش هيسكتوا.”

وشه اتغير شوية، والنظرة الحادة رجعت لمعت في عيونه، بس مش عشان يخوفني، بل عشان يطمني. “خليهم يعرفوا.. اللي يفكر يقرب منك، أو حتى يبص لك نظرة وحشة، هعرف إزاي أخليه يندم إنه اتولد أصلاً. أنا مش بس بعرف أحمي نفسي يا فرح، أنا بعرف أحمي ملكي.. وإنتي من اللحظة دي بقيتِ أثمن حاجة عندي.”

كلامه كان مرعب وفي نفس الوقت بيدّي أمان يملى الكون. حسيت بإيده بتشد على إيدي أكتر، وكأنه بيقسم على كده.

“طيب.. والورق؟” شورت بعيني على شنطة الحرير اللي على الترابيزة. “مش هنسحب كارت تاني نطمن بيه على بكرة؟”

هز راسه وهو بيبتسم، وقرب مني أكتر لحد ما حسيت بأنفاسه. “لا يا فرح.. مش محتاجين ورق تاني. أنا وإنتي كتبنا بكرة بتاعنا بإيدينا.. والباقي كله تفاصيل.”

قرب مني وجمّعنا الصمت من تاني، صمت مفيش فيه أي خوف، بس فيه وعد بإن اللي جاي مهما كان صعب ومخيف، هنواجهه مع بعض. من اللحظة دي، مابقيتش مجرد بنت بتقرا طالع الناس.. بقيت جزء من قصة حمزة، البطلة اللي كتبت مصيرها بإيديها على ترابيزة خشبية تحت مطر القاهرة.

#حكايات_شروق_خالد

مرت الشهور وكأنها برق، وبدل ما كانت المواجهة اللي في الطالع تهددنا، بقت هي الدرع اللي بيحمينا. خصوم حمزة حاولوا كتير يلعبوا في الضلمة، بس عيون “فرح” وقراءة الورق قبل ما الخطوة تتخطى، بقت العامل السري اللي بيسبقهم بخطوة.

سيبت البسطة القديمة، بس سيبت فيها روح جميلة وريحة اللافندر اللي فتحت باب الحكاية من أولها. شقة الزمالك مبقاش فيها رئة الخوف، بل بقت بيت حقيقي يجمعنا، ونيل القاهرة من البلكونة كان شاهد على ليالي هادية مفيهاش صوت توتر، بس فيها ضحك حمزة الحقيقي اللي مكنش حد غيري يعرفه.

في ليلة خريفية جديدة، بعد ثلاث سنين بالتمام والكمال من اليوم اللي وقف فيه قدام بسطتي، كنت قاعدة على الكنبة وفي إيدي كروت التاروت. حمزة دخل من بره، ببدلته الأنيقة اللي ما بتغيّرش هيبتها، بس عيونه كانت مليانة دفء البيت. قعد قصادي على الأرض، وطلع من جيبه ورقة مطوية بخط إيده هو.

“بتعملي إيه؟” سألني وهو بيبتسم.

“بختبر الورق،” قلت له بخبث وأنا بفرش كروت “المحبان” و”آس الكؤوس”. “عايزة أشوف الورق هيقول إيه على سنيننا الجاية.”

مد إيده بحنان، وشد الكروت من قدامي ورماها على الترابيزة بهدوء، وحط ورقته مكانها. “سيبي الورق يستريح يا فرح.. أنا ما بقتش أؤمن بتاروت ولا بحظ، أنا بؤمن بس باللي كتبته إنتي بعيونك أول ما تقابلنا.”

فتح الورقة، وكان مكتوب عليها بخط إيد أنيق: (النهاية.. هي البداية اللي ما بتخلصش).

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى