منوعات

أسرار تحت المطر.. حكايات شروق خالد

حكايات شروق خالد

بلعت ريقي وأنا ببلل شفايفي الناشفة، وبصيت له بعينين مليانة غضب وخوف ممتزجين: “عرض إيه؟ أنا واحدة غلبانة يا باشمهندس، ماليش لا في شغلكم ولا في ألاعيبكم، وسيبني في حالي أنا وأخويا!”
ضحك ضحكة خفيفة هادية، ضحكة زادت قلبي دق بسرعة جنونية، وقرّب لقدام وهو بيشبك أصابعه قدامه على الترابيزة: “غلبانة؟ ممكن.. بس أنتي لفتّي نظري يا كلارا، واللي يلفت نظر يونس مبيسيبوش بالساهل. عموماً، أنا مش جاي أأذيكي.. العرض ببساطة إن أخوكِ سليم هيسافر أفضل مستشفى في سوويسرا، وعلاجه وعمليته الجراحية وكل مصاريفه هتكون متغطية بالكامل.. وأنتي كمان هترتاحي من الهم اللي على كتافك ده كله للأبد.”
سكتّ لحظة، وكلمات العرض كانت عاملة زي سحر أسود.. كل دواء ناقص، وكل فاتورة مستشفى متأخرة، وكل كحة كانت بتهدّ حيل سليم ظهرت قدام عيني.. بس في نفس الوقت، عقلي كان بيصرخ: الحاجة اللي ببلاش دي تمنها غالي قوي.
سألته بصوت مهزوز بس فيه إصرار: “وأنت في المقابل عايز إيه؟ مستحيل تقدم كل ده لله في سبيل الله!”
مال لورا بظهر الكرسي، ونظراته الحادة اخترقتني: “ذكية.. المقابل مش فلوس يا كلارا. المقابل إنك هتشتغلي معايا لمدّة ست شهور. هتبقي السكرتيرة الخاصة بتاعتي، الظل بتاعي في كل الاجتماعات المهمة، والعين اللي بتشوف اللي غيرك ما يشوفوش.. شروط بسيطة، بس التنفيذ لازم يكون بحذافيره، ومن غير ولا غلطة.”
بصيت له وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. أشتغل مع زعيم مافیا ورجل أعمال خطير بيحرك البلد بصباعه؟ دي مش مجرد مغامرة، دي انتحار بكامل الأهلية والإدراك! بس لما تذكرت سليم ونفسه الضعيف.. حسيت إن مافيش قدامي أي اختيار تاني.
رفعت عيني في عينه بتحدي وقسوة خفيفة: “موافق.. بس لو سليم حصله أي مكروه، أو شعرة واحدة مسته.. صدقني يا باشمهندس ما هكون فارقة معايا أي حاجة تانية وهقضي عليك.”
ابتسم يونس ببرود وغرور وهو بيرفع كاسه: “تعجبني الجرأة دي يا كلارا.. من بكره الساعة تسعة الصبح، العربية هكون مستنياكي قدام البيت.”

حكايات شروق خالد

تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كانت العربية السوداء الفخمة واقفة تحت البيت في وسط البلد.
نزلت من العمارة وأنا بحاول أداري ارتباكي، كنت لابسة أبسط حاجة عندي بس مظهرها مرتب. أول ما قربت، السواق نزل بسرعة وفتحلي الباب بكل احترام. ركبت وقلبي بيلعب ضغاطي من كتر التوتر.
العربية تحركت بينا لحد ما وصلنا لبرج استثماري ضخم في قلب القاهرة، المبنى كله زجاج وشكله يرعب من الفخامة. طلعت بالأسانسير للدور الأخير، وأول ما الباب اتفتح، لقيت الدور كله فاضي ومفيش غير مكتب واحد واجهته زجاجية بتطل على النيل والقاهرة كلها.
يونس كان واقف عند الشباك، مدي دهره للباب ومسك كوباية القهوة في إيده. كان لابس بدلة سوداء كاستور غاية في الشيكة، وشعره متصفف بالمسطرة.
“وصلتِ في معادك يا كلارا.. مظبوطة.” قالها من غير ما يلتفت.
قربت خطوات بخوف مكتوم وقلت: “أنا ملتزمة بكلمتي.. بس عايزة أطمن على سليم الأول.”
التفت لي بهدوء، ورما لي ملف أسود على المكتب: “سليم دلوقتي في الطيارة الخاصة المتجهة لـ جنيف، ومعاه أكبر طاقم طبي متخصص في جراحة القلب. الملف ده فيه التقرير الطبي ومتابعة حالته أول بأول، وهتكلميه بنفسك أول ما يوصل المستشفى.”
سحبت الملف وأنا مش مصدقة، فتحته ولقيت كل التفاصيل صور وأوراق رسمية بختم المستشفى هناك. دموعي كانت هتخونني من الفرحة، بس مسكت نفسي بالعافية ورفعت عيني له: “شكراً.. أنا جاهزة لشغلي، المطلوب مني إيه بالظبط؟”
قرب مني بخطوات هادية، لحد ما بقى واقف قدامي مباشرة، ورائحة برفانه القوية ملأت المكان. بص في عيني بنظرة نافذة وقال بصوت خافت:
“من النهاردة، أنتي مش مجرد سكرتيرة.. أنتي الوحيدة اللي هتكون معاها مفاتيح خزنتي، والوحيدة اللي هتسمع أسرار الشغل ده. فيه صفقة كبيرة هتتم كمان أسبوعين، وفيه حد جوة الشركة بيسرب معلومات للمنافسين.. وظيفتك معايا إننا نعرف الخاين ده مين، ومن غير ما يدري إنك شغال لحسابي.”
قبل ما ألحق أرد أو أستوعب اللي قاله، الباب اتفتح وفجأة دخل راجل عريض المنكبين ملامحه حادة جداً ومبين عليه الخطر، وبص ليونس وقال بسرعة: “باشمهندس.. الرجال اللي تبع (العقاد) وصلوا تحت ومستنيين الإشارة!”
يونس ما اهتزش، بص لي وقال ببرود مرعب: “أهلاً بيكي في عالمي يا كلارا.. جهزي نفسك، اللعب الحقيقي بدأ دلوقتي.”

حكايات شروق خالد

قلبي نزل لبطني وأنا بسمع سيرة “العقاد”.. الاسم لوحده كان بيتردد في السوق والشوارع كأنه كابوس ما بينتهيش؛ أكبر منافس ليونس وأشرس زعيم عصابة في مصر، واللي العداوة بينه وبين يونس ممكن تولع البلد في ثانية.
بصيت ليونس اللي ملامحه اتحولت في ثانية لجمود تام كأنه تمثال من رخام. ما ظهرش عليه أي خوف أو تردد، وبص للراجل الضخم اللي واقف على الباب وقاله بصوت هادئ ومخيف: “دخلهم.. وعايز الحراسة تكون في كل ركن من الدور، مش عايز عصفورة تعدي من غير ما أشوفها.”
ثم التفت لي، وبص في عيني بنظرة كلها ثقة وأمر: “كلارا.. اقعدي على المكتب ده. افتحي ملفات العقود الأخيرة.. وعايزك تسجلي كل كلمة هتقال في الاجتماع ده بالحرف الواحد، من غير ما تنطقي بحرف واحد أو تظهري أي توتر. فاهمة؟”
هزيت رأسي ببطء وأنا بلبل شفايفي الناشفة، ورحت قعدت على كرسي المكتب الجلدي الكبير. إيدي كانت بترجف على الكيبورد، بس مع أول خبطة على الباب ودخول رجال العقاد، حسيت بإدرينالين غريب بينتشر في عروقي. الخوف اتحول لشعور حاد بالتحدي.
دخلت مجموعة رجالة أضخم حجماً، وفي وسطهم شاب أنيق بملامح شريرة وابتسامة سمجة، وهو بيبص حواليه باستهزاء. وقف قدام مكتب يونس من غير ما يستنى إذن بالجلوس، وقال بصوت عالي: “أهلاً يا باشمهندس يونس.. يبدو إنك مش حاسبها صح الفترة دي، وشحنة المواني الأخيرة كان مفروض تكون من نصيبنا.”
يونس فضل قاعد مكانه بكل هدوء، شبك إيديه قدامه، وبص له ببرود قاتل خلى الأجواء في الغرفة تتجمد تماماً: “اللي يخص يونس مابيروحش لغيره يا عصام.. وتدخلكم في أراضينا المرة دي معناه إن الحساب تمنه هيكون غالي قوي، ومش بفلوس.. بدم.”
عصام ضحك بسخرية، بس عينيه كانت بترتجف من نظرة يونس الثابتة. وفي اللحظة دي، وأنا بكتب كل كلمة على اللابتوب بسرعة، لاحظت حاجة غريبة جداً.. عينين واحد من رجالة العقاد الواقفين في الخلف كانت بتراقب كاميرات المراقبة وتتحرك بإشارة سرية تجاه جيب معطفه!
قلبي دق بجنون. الخاين مش برة.. الخاين جوة الأوضة دي دلوقتي!
رفعت عيني بسرعة وبصيت ليونس، وكتبت سطر سريع على ورقة قدامي ودفعتها بهدوء ناحيته: “الراجل اللي واقف على اليمين معاه مسدس صغير بيحاول يطلعه دلوقتي.”

حكايات شروق خالد

يونس لمح الورقة بطرف عينه، ومن غير ما يغير تعبير وجهه الهادئ ولا يتحرك سنتيمتر واحد، ضغط برجله على زر سري تحت المكتب.
في نفس الثانية، انففتح الباب الجانبي ودخل أربعة من حراس يونس الأشداء، ورفعوا أسلحتهم في وجه رجال العقاد قبل ما الخاين يلحق يطلع المسدس من معطفه.
عصام اتفاجأ ووشه أصفر من الرعب، وبص ليونس اللي وقف بكل طوله وبص له بنظرة قاتلة وقال بصوت خشن: “زي ما قلت لك يا عصام.. أراضينا خط أحمر. اعتبر نفسك ومن معاك في خبر كان لو فكرت تخطو خطوة واحدة هنا تاني.”
خرجوا مطرودين بخزي وعار، والأجواء في الغرفة هديت. يونس التفت لي، وكانت أول مرة أشیم في عينيه نظرة إعجاب حقيقية مش مجرد برود زعيم مافیا. قال بصوت هادئ: “أنقذتي الموقف بذكاء يا كلارا.. اختيارك كان صح.”
وبعدها بيومين، وصلني اتصال من جزيوا.. صوت سليم كان فرحان ومليان طاقة وهو بيقولي إن العملية نجحت وإنه بقى بخير تماماً.
مرت الست شهور بسرعة، قدرت خلالها أثبت نفسي وكسبت ثقة يونس الكاملة، لحد ما لقيت نفسي مش مجرد سكرتيرة عنده، بل شريكته اللي بيعتمد عليها في كل خطوة. ومابين عالم المافيا والخطر، لقيت نفسي وقعت في حب الراجل اللي كان كابوس حياتي.. وبقى هو أماني الوحيد.

حكايات شروق خالد

أسرار تحت المطر..

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى