
قلت له: «عايزة أعرف أنا متجوزة راجل يقدر يتحمل مسؤولية بيته ولا شخص مش قادر ياخد موقف قدام أمه! لو أنت شايف إن بنتك ينفع الناس تتكلم عنها بالشكل ده عادي، أنا لأ! بناتي خط أحمر، واللي مايحترمهمش ويصونهم من أهلك مايلزمنيش أصلًا!»
حط الكيس من إيده على الترابيزة بعصبية وقال:
«إنتِ ناوية تخربي البيوت عشان كلمتين على واتساب؟! أمال لو حاجة أكبر حصلت هتعملي إيه؟!»
قلت له: «المشكلة الكبيرة حصلت خلاص يا طارق.. وعشان أنا مش هقعد في بيت أهله بيقللوا من بنتي وبيفرقوا بين التوأم عشان دي عجبتهم والتانية لأ.. أنا هلم هدومي وهروح عند أبويا».
جه ينطق، لكنه شاف الإصرار في عيوني.. ملامح وشي كانت واضحة، ومفيهاش تراجع.
دخلت الأوضة، شلت فيدة اللي كانت نايمة بهدوء، وسيبت جنى في سريرها، وبدأت أحط هدومنا في الشنط.
كانت دموعي بتنزل على خدي من شدة الضيق، لكن قراري كان ثابت.
دخل ورايا الأوضة وقال بصوت واطي فيه قلق:
«بتعملي إيه بجد؟ هتمشي؟»
قلت: «أيوة همشي يا طارق.. ولما أهلك يفهموا إن بناتكم دول جزء منك ومني، وإن التقليل من واحدة فيهم تقليل مني أنا كمان، ابقى تعالى نتفاهم.. غير كده، خلي أمك وأختك ينفعوك!»
شلت الشنطة بإيد، وفيدة في الإيد التانية، وجنى كانت نايمة في قفّتها، وطلعت بره الأوضة.
طارق كان واقف قدام باب الشقة مذهول، كأنه مش مصدق إني بتكلم بجد.
قال: «يا ريهام عقلك في راسك.. هتروحي لأبوكي تقولي له إيه؟ إن أختي عملت منشور على فيسبوك؟ الناس كلها هتتكلم علينا!»
وقفت قدامه وبصيت في عيونه وقلت:
«الناس تتكلم علينا أهون بكتير عندي من إن بنتي تكبر وهي حاسة إن أبوها قبل إن حد يقلل منها عشان خاطر أمه وأخته. لما أهلك يتعلموا إن التوأم دول مش وسيلة للضحك والمقارنة، ابقى تعالى اتكلم معايا.. سلام يا طارق».
فتحت الباب ونزلت على السلم، وجسمي كله كان بيترعش من صعوبة الموقف، بس في نفس الوقت كنت حاسة براحة كبيرة لأني أخيرًا أخدت موقف.
ركبت العربية وكلمت أبويا..
وطبعًا كالعادة، الأب الحنين ما استناش ثواني، ولقيته بيقول لي:
«ألف حمد لله على سلامتكم أنتوا التلاتة.. تعالي يا بنتي وسطنا، والراجل اللي ميعرفش يقف في ضهر مراته وبناته ما يستاهلش إنهم يعيشوا معاه من غير احترام وتقدير».
وصلت بيت أبويا، وأمي استقبلتني وهي متأثرة من اللي حصل، ودخلوني الأوضة، ونيمت البنات في أمان.
يومين تلاتة، وتليفوني ما بطلش يرن من طارق.
في الأول كنت بتجاهل المكالمات، بس بعدين حسيت إن السكوت مش هيحل حاجة.
كان بيبعت رسايل كلها ندم، وبيقول إن أمه وأخته اعتذروا له، وإنه فهم أخيرًا إنه كان مقصر ومستهون بوجعي.
لحد ما في يوم، فتحت الباب ولقيت طارق واقف قدام بيت أبويا، وشكله مرهق وواضح عليه إنه ما ارتاحش من ساعة ما مشيت.
قال بصوت متأثر ودموعه في عينه:
«حقك عليّا يا ريهام.. أنا كنت غلطان ومش واخد بالي. أنا روحت لأمي وأختي ووقفتهم عند حدودهم بطريقة عمرهم ما اتوقعوها.. فهمتهم إن بناتي خط أحمر، وإن اللي يقلل من فيدة كأنه بيقلل مني أنا شخصيًا.. وإني لو خسرتكم، هبقى خسرت أهم حاجة في حياتي».
بصيت له بثبات وسألته:
«وعملوا إيه؟»
قال:
«أختي مسحت رسايلها وقعدت تعيط، وأمي.. فهمت كويس إن لو اتكلمت بكلمة واحدة عن البنات تاني، مش هتدخل بيتنا تاني».
سكت شوية وأنا بفكر في كلامه.
كنت عارفة إن الموضوع مش هيتنسي بسهولة، وإن طريقة تفكير عيلته مش هتتغير بين يوم وليلة، بس الأهم.. إن طارق نفسه اتغير، وفهم أخيرًا إن مسؤوليته الأولى لازم تكون تجاه بيته وبناته، مش إنه يرضي أمه وأخته على حساب كرامة مراته.
قال وهو بيمد إيده لي بحب ورجاء:
«ترجعي معايا؟»
بصيت ورايا، لقيت أبويا واقف على باب الصالة وبيبتسم لي برضا، وكأنه بيقول لي إن القرار ليا وحدي.
رجعت مع طارق.. بس بشروط واضحة وقوية.
دخلت بيتي وأنا واقفة على أرض ثابتة، وعيلته بقت عارفة تمامًا إن ريهام مش هتقبل التقليل من بناتها، وإن التوأم دول هما أغلى ما عندها.
واللي هيحاول يجرح واحدة فيهم، لازم يعرف إن أمهم مش هتسكت عن حقها.
الجزء الثالث: صاحبة الشخصية التي أضاءت البيت
بعد ما رجعنا البيت ورجعت الأمور لطبيعتها، حسيت إن فيه حاجة اتغيرت جوه عيلة طارق، بس في نفس الوقت علاقتي أنا وهو بقت أقوى.
طارق بقى شخص مختلف تمامًا؛ بقى واقف في ضهرنا، وأي كلمة فيها مقارنة بين شكل البنات أو تقليل من واحدة فيهم، كان بيوقفها بحسم ومن غير تردد.
أمه وأخته بقوا بييجوا زيارات رسمية بس، وبحضور طارق، وكانوا بيحاولوا يتعاملوا بلطف، خصوصًا إن فيدة وجنى بدأوا يكبروا، وملامحهم اتغيرت وبقوا أحلى توأم في الدنيا، وكل واحدة فيهم ليها شخصيتها المميزة اللي بتخطف القلب.
بس الحكاية مخلصتش عند حدود البيت والعيلة بس.
لما البنات كبروا وبقى عندهم سنتين، وكنت قاعدة في يوم بقلب في صورهم القديمة، وقفت عند صور يوم الولادة والمسابقة اللي عملتها بثينة زمان.
حسيت إن القصة دي رغم كل اللي سببته لي من حزن، علمتني درس عمري ما هنساه:
إن البنت مش بقيمة شكلها، ولا برأي الناس فيها، ولا بكلام أي حد عنها.. البنت بقيمتها اللي أهلها بيزرعوها فيها، وبثقتها بنفسها اللي بتكبر وسط أب وأم بيحبوها وبيساندوها بصدق.
في عيد ميلادهم التاني، عملنا حفلة صغيرة في البيت، وجبت كيكة كبيرة مكتوب عليها اسم «جنى وفيدة».
طارق كان واقف قدام البنات وبيصورهم بكل حب وفخر.
وأول ما حطوا الشموع، شلت فيدة اللي كانت بتبص للكيكة بعيونها الجدية والذكية، وبصيت لطارق وقلت له بصوت هادي:
«شايف يا طارق.. صاحبة الشخصية دي طلعت هي اللي منورة بيتنا كله».
ضحك وقرب وضمنا إحنا الاتنين وقال:
«ربنا يخليهم لينا هما الاتنين.. دول عيون أبوهم اللي بيشوف بيهم».
ومن يومها، فهمت إن الأيام الصعبة اللي بنمر بيها مش لازم تضعفنا، دي أحيانًا بتكشف لنا مين اللي يستاهل يفضل قريب مننا، ومين الأفضل نحط بيننا وبينه حدود واضحة.
عيون التوأم
حكايات شروق خالد




