روايات وقصص

قصّيت شعر راجل غلبان بجنيه واحد… حكايات شروق خالد

مديت إيدي جوه الفتحة، وطلعت علبة صاج صغيرة، عليها طبقة تراب سميكة.

قلبي كان بيدق بعنف وأنا بفتحها.

جواها كان فيه صورة قديمة لأمي وهي شابة، واقفة جنب محمود وبتضحك، وفي حضنها طفلة صغيرة.

أنا.

وكان فيه كمان ورقة مختومة، ومفتاح صغير، وتسجيل صوتي على شريط كاسيت قديم.

مسكت الصورة، وفضلت أبص فيها.

أمي كانت سعيدة، ومحمود كان حاضنها، وملامحه مختلفة تمامًا عن الراجل المكسور اللي شوفته في الصالون.

همست:

«يعني أنتم كنتوا بتحبوا بعض أوي كده؟»

محمود ابتسم بحزن.

«أكتر من أي حاجة في الدنيا.»

وبعدين أخدت الورقة المختومة وفتحتها.

كانت ورقة رسمية فيها بيانات ميراث أبو محمود، وتحتها مستندات بتوضح إن فيه تحويلات مالية حصلت من حساب محمود في يوم اختفائه، بتوقيع مشكوك فيه.

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر ورقة.

كان فيه إقرار مكتوب بخط جلال، بيقول فيه إنه استلم مبلغًا كبيرًا مقابل تنازل محمود عن نصيبه في الميراث.

محمود مسك الورقة، ووشه اصفر.

«كنت عارف إنه استحوذ على حقي… بس مكنتش أعرف إن أمك قدرت تحتفظ بالدليل ده.»

بصيتله وسألته:

«طب والتسجيل ده؟»

قبل ما يرد، سمعنا صوت عربية وقفت بره البيت.

وبعدها صوت باب العربية اتقفل.

محمود بص من الشباك، وفجأة رجع لورا وهو بيهمس:

«يا نهار أسود… جلال وصل!»

سمعنا صوت المفتاح بيلف في الباب الخارجي.

وبعدين صوت جلال وهو بيقول لحد معاه:

«فتشوا البيت كويس. العلبة لازم تكون هنا.»

حسيت إن الدم نشف في عروقي.

جلال كان عارف مكان العلبة!

إزاي؟!

محمود مسك شريط الكاسيت والمفتاح، واداني الورق والصورة، وقال بسرعة:

«خدي الحاجات دي واستخبي في الأوضة اللي فوق. مهما سمعتي، متخرجيش غير لما أنادي عليكي.»

لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت جلال من عند باب المطبخ:

«بتدوروا على إيه يا ولاد أخويا؟»

لفينا ناحيته.

كان واقف قدامنا، وابتسامة باردة على وشه.

بص للعلبة المفتوحة في إيدي، وبعدها بص لمحمود وقال:

«واضح إن سعاد ما ماتتش وسابت السر معاها زي ما كنت فاكر.»

قرب خطوة، ومد إيده ناحية شريط الكاسيت.

«هات التسجيل يا مريم. لأن لو سمعتي اللي عليه، هتعرفي إن أمك نفسها كانت مخبية عنك الحقيقة الأكبر.»

بصيتله وأنا ضامة الشريط لصدري.

«إيه الحقيقة الأكبر؟!»

جلال سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي خلت محمود ينهار على الكرسي:

«محمود مش هو الشخص الوحيد اللي اتظلم في الحكاية دي… أبوكي الحقيقي فارق الحياة في حادث، وأنا عارف مين اللي كان وراه!»

بصيت لمحمود بصدمة، وصرخت:

«يعني إيه؟! مش إنت أبويا؟!»

محمود غطى وشه بإيديه، وبدأ يعيط.

أما جلال، فضحك وقال:

«افتحي التسجيل يا مريم، واسمعي صوت أمك بنفسك… وبعدها قرري مين فينا الكداب.»

مد إيده ناحية جهاز كاسيت قديم فوق الرف، وحط الشريط جواه.

ضغط على زر التشغيل.

وبعد ثواني من التشويش، سمعت صوت أمي سعاد وهي بتتكلم وبتعيط:

«لو مريم سمعت التسجيل ده، يبقى أنا خلاص مش موجودة… ولازم تعرف إن الراجل اللي كان وراء الحادث اللي أودى بحياة أبوها الحقيقي هو…»

وفجأة، التسجيل وقف!

جلال كان فصل السلك من الجهاز.

بصلي بابتسامة شريرة وقال:

«للأسف، الباقي مش هتسمعيه أبدًا.»

لكن محمود رفع راسه فجأة، وبص لجلال بعينين مليانين غضب، وقال:

«إنت نسيت حاجة مهمة يا جلال… سعاد ما كانتش غبية. التسجيل ده مش النسخة الوحيدة!»

يتبع…

محمود أول ما قال إن التسجيل مش النسخة الوحيدة، ابتسامة جلال اختفت من على وشه، وملامحه اتبدلت في لحظة.

قرب منه بعصبية وقال:

«إنت بتخرف يا محمود! إنت فاكر نفسك لسه عندك حاجة تقدر تهددني بيها؟»

محمود سند إيده على الترابيزة وقام واقف بصعوبة، ورغم التعب اللي كان باين عليه، صوته المرة دي كان قوي.

«أنا يمكن خسرت بيتي وفلوسي وعمري كله، لكن سعاد كانت أذكى منك بكتير. هي كانت عارفة إنك في يوم من الأيام هتحاول تتخلص من أي دليل يدينك.»

جلال بصلي فجأة، وقال بعصبية:

«إنتِ يا بنت، اديني الشريط والورق اللي معاكي، وأنا هخليكي تعيشي مرتاحة طول عمرك. هديكي فلوس تكفيكي وتعيشي ملكة، بدل ما تفضلي طول عمرك واقفة في صالون بتقصي شعر الناس.»

بصيتله وأنا مش مصدقة بجاحته.

الراجل ده كان السبب في ضياع عمر أبويا، وكان ممكن يكون السبب في حرماني من أمي كمان، ولسه فاكر إن الفلوس ممكن تشتري سكوتي!

قلتله بغضب:

«أنا مش عايزة منك جنيه واحد! أنا عايزة أعرف الحقيقة، وعايزة أعرف إنت عملت إيه في أمي!»

جلال ضحك بسخرية.

«أمك فارقت الحياة من سبع سنين، ومحدش يقدر يرجعها. فكري في نفسك يا مريم.»

صرخت فيه:

«علشان كده بالظبط لازم أعرف الحقيقة! علشان أمي فارقت الحياة وهي شايلة السر ده لوحدها، وأنا مش هسمح إن حقها يضيع!»

جلال رفع إيده لواحد من الرجالة اللي معاه، لكن قبل ما الراجل يتحرك، محمود وقف قدامي وقال:

«لو هتأذيها، لازم تعدي عليا الأول.»

جلال بصله باحتقار.

«إنت لسه فاكر نفسك أبوها؟»

محمود رد من غير تردد:

«أنا اللي ربيتها في قلبي سبعة وعشرين سنة، حتى وأنا بعيد عنها. أنا اللي كل يوم كنت بدعي ربنا أشوفها قبل ما أموت. ومهما قلت، مش هتقدر تمحي الحقيقة دي.»

قلبي اتقبض وأنا ببص لأبويا.

لأول مرة، حسيت إن الراجل اللي قدامي مش مجرد غريب ظهر فجأة في حياتي، ده إنسان اتاخد منه عمر كامل، ولسه بيحاول يحميني رغم إنه مش قادر يحمي نفسه.

لكن جلال كان لسه عنده ورقة أخيرة.

ابتسم ابتسامة باردة وقال:

«طيب، بما إنكوا عايزين الحقيقة، خلوني أحكيلكوا حكاية أبوكي الحقيقي يا مريم.»

بصيتله باستغراب.

«يعني إيه أبويا الحقيقي؟!»

جلال قعد على الكرسي، وحط رجل على رجل، وبدأ يتكلم وكأنه بيحكي حكاية عادية.

«محمود كان متجوز أمك فعلًا، وكان فاكر إنك بنته. لكن قبل ما تتولدي، أمك كانت بتشتغل عند عيلة غنية في الزمالك، وكان فيه راجل اسمه فؤاد الشناوي، صاحب شركات كبيرة، بيحبها وعايز يتجوزها.»

محمود صرخ فيه:

«كفاية كدب يا جلال!»

جلال تجاهله وكمل:

«فؤاد كان متجوز، وأهله رفضوا إنه يطلق مراته ويتجوز سعاد. ولما عرف إنها حامل، حاول يساعدها، لكن حصلت مشكلة كبيرة.»

بصلي وقال:

«الراجل ده فارق الحياة في حادث عربية قبل ولادتك بشهرين، وبعدها أمك اختفت من حياتنا.»

حسيت إني مش فاهمة أي حاجة.

«إنت عايز تقول إيه؟ إن فؤاد ده هو أبويا؟»

جلال هز كتفه.

«أنا بقول إن فيه احتمال كبير. ومحمود طول السنين دي كان عايش على أمل إنه يلاقيكي، مع إنه يمكن ما يكونش أبوكي أصلًا.»

بصيت لمحمود.

كان ساكت، ووشه مليان ألم، لكن عينيه كانت بتقول إنه عارف حاجة جلال مش عايز يقولها.

قربت منه وسألته:

«يا بابا، الكلام ده حقيقي؟»

رفع عينيه ليا، وقال بصوت هادي:

«اسمعيني يا بنتي، أنا مش هكدب عليكي. سعاد حكتلي عن فؤاد قبل ما تختفي، وقالتلي إنه كان بيحاول يساعدها في شغلها، وإنه عمره ما أذاها. لكن هي عمرها ما قالتلي إنه أبوكي.»

سكت لحظة، وبعدين كمل:

«وأنا مش متمسك بيكي علشان تكوني بنتي بالدم وبس. أنا متمسك بيكي علشان إنتِ بنت سعاد، والإنسانة اللي فضلت أدور عليها طول عمري.»

الكلام ده وجعني وفرحني في نفس الوقت.

كنت محتاجة أعرف الحقيقة، لكن كنت خايفة أخسر الشخص الوحيد اللي بدأ قلبي يتعلق بيه.

مسكت إيده وقلت:

«حتى لو طلعت مش أبويا بالدم، إنت مش هتبقى غريب عني. إنت أول واحد في حياتي يحارب علشاني من غير ما يطلب مني مقابل.»

محمود انفجر في العياط، وحضني وهو بيقول:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى