
قبل ما ألحق أنطق بحرف واحد، التليفون في جيبي رن رنة قصيرة.. بصيت في الشاشة، وكان المتصل.. رئيس الأمن الشخصي بتاعي!
الساعة كانت بتدق في ودني كأنها مطارق. بصيت لشاشة التليفون.. اسم رئيس الأمن منور على الشاشة في نص الليل، والأسئلة بقت تضرب في دماغي زي الرصاص. هو عرف بمكاني منين؟ أنا ما بلغتِش حد! ده معناه إن فيه عين متابعة كل خطوة، أو إن جهاز تليفوني نفسه مكشوف.. أو الأسوأ من كده، إن الخيانة قريبة لدرجة تقبض الروح.
“ما تردش،” ندى مسكت دراعي بسرعة، وعينها مليانة رعب حقيقي. “لو فتحت معاه ودخلته في اللعبة دلوقتي، هنكون بنحط رقبتنا تحت الحبل بإيدينا. هو لو بعته، يبقى عارف إننا هنا.”
بصيت لها، وبعدين بصيت للموبايل وهو لسه بيرن. صوته المتقطع وسط سكون القسم كان مرعب. خدت نفس عميق وكنسلت المكالمة خالص، وفتحت قفلت التليفون وطلعت الخط رميته على الأرض ودست عليه برجلي لحد ما اتقسم نصين.
النقيب هشام طلع برا الممر وبص عليا بقلق: “فيه حاجة يا مراد بيه؟ العميل اللي بره ده جه ولا لسه؟”
“مفيش حاجة يا هشام،” رديت بصوت جافي وأنا بطلع علبة كروت فيها اسم محامي جنائي تاني خالص، “المحامي بتاعي في الطريق، وندى هتخرج بكفالة دلوقتي حالاً.. وأي مبلغ تطلبه القسم، أنا جاهز.”
هشام بلع ريقه و هز راسه بسرعة: “تحت أمرك يا باشا.. ثواني والأوراق تكون جاهزة.”
بصيت لندى اللي كانت بتحاول تتماسك، وقالت بصوت واطي: “الفلاشة اللي كانت مع سعيد.. قال لي بالحرف الواحد إنها مع الشخص اللي هيسلمك في البيت.. الشخص اللي أول ما هتشوفه بكرة الصبح، هتعرف إنه هو اللي باع الإمبراطورية.”
“ومين الشخص ده؟” سألت ببرود قاتل، والدم في عروقي بيغلي.
“اللي طلب يقابلك لوحدك بكرة الساعة خمسة الفجر في المخزن القديم بتاع الموانئ.. وقال لك إن فيه شحنة جديدة هتيجي من ورا ضهر البرنس.”
ساعتها بس، كل قطعتين في اللغز ركبوا مع بعض. الشحنة اللي مفيش حد كان عارف مكانها غير اتنين بس في العالم.. أنا.. ودراعي اليمين اللي مستحيل كنت أشك فيه يوم واحد: “نديم.”
“هو بعينه،” ندى نزلت راسها بحزن. “لما واجهته إمبارح بالليل في المكتب ولقيته بيحط الملفات في الشنطة، حاول يهددني.. بس أنا كنت أسرع منه.”
باب القسم اتفتح على مصراعية، ودخل المحامي بتاعي مع عسكري، وهو بيمسح العرق من جبينه: “حمد لله على السلامة يا مراد.. خلصنا الإجراءات برا.”
بصيت لندى، ومديت إيدي لها وقومت رافعها بالراحة: “يلا بينا يا ندى.. اللعبة خلصت، ووقت الحساب جه.”
طلعنا من القسم، وركبنا العربية. عماد السواق بص في المراية وقال بتوتر: “يا باشا.. واحنا واقفين، عربية سودا مش مركونة كويس كانت مراقبانا من أول الشارع، وجريت أول ما طلعنا.”
“عارف يا عماد.. وعارف رايحيين فين كويس،” قلتها وأنا بطلع سلاحي الفردي من جيب الجاكيت وبتأكد من خزنة الرصاص، “اطلع بينا على مخزن الموانئ.. دلوقتي.”
#حكايات_شروق_خالدعربية الجيب السوداء انطلقت بينا بسرعة جنونية في شوارع القاهرة اللي بدأت تروق شوية مع قرب الفجر. المطر كان هدى وبقى رذاذ خفيف بيلمع تحت نور أعمدة الإنارة المكسورة. كنت قاعد في الكنبة اللي ورا، وسلاحي محشور بين إيدي، وعقلي بيحسب كل خطوة. نديم.. دراعي اليمين وصاحب عمري اللي بنيت معاه الإمبراطورية دي حجر بحجر، يطلع هو الخائن اللي بيبيعنا للبرنس؟ الكلمة كانت مريرة زي السم في بقي.
“مراد بيه…” عماد بصلي من مراية العربية بنبرة صوت مرتبكة وخايفة، “هو إحنا بجد رايحين مخزن الموانئ في الوقت ده؟ ده المكان ظالم ومقطوع، ورئيس الأمن كلمني من شوية من تليفون تاني وبيسأل إحنا فين بالضبط.”
رفعت راسي بسرعة وبصيت لعماد بحدة: “رئيس الأمن كلمك أنت؟ إمتى وفين؟”
“لما كنا خارجين من القسم بشوية.. تليفوني رن، وقالي إنه بيدور عليك وعايز يعرف إنت فين عشان فيه طوارئ في الميناء.”
ندى بصتلي ووشها أصفر، وقالت بصوت واطي ومرجوف: “شايف؟ الندل ربط الخيوط كلها.. هو فاكر إننا لسه تايهين، وإنه هيقدر يجمعنا في مكان واحد ويخلص علينا بالكامل قبل ما الشمس تطلع.”
فتحت شباك العربية نص سانتي، الهوا الساقع دخل ضرب في وشي وخلاني أفوّق أكتر. مسكت تليفون عماد اللي كان لسه على الكونسول قدامه، وكسرت الخط بتاعه زي ما عملت مع تليفوني بالظبط ورميته من الشباك.
“انسى أي تليفونات يا عماد،” قلت له بصوت صارم ميحتملش النقاش، “وافتح النور العالي قبل ما ندخل على سور المخزن بكتير.. مش عايزين أي عربية تقف في وشنا أو تحشرنا جوه.”
بعد دقايق، ظهرت البوابة الحديدية الضخمة لمخزن الموانئ القديم. المكان كان غارق في الظلام، والضباب الخفيف طالع من مياه النيل القريبة، ومفيش أي أثر لحياة غير نور عربيتين مركونين في زاوية بعيدة جوه السور.
عماد هدى السرعة ودخل بالعربية ببطء. فرملنا قدام المبنى الرئيسي للمخزن، والباب الكبير كان مردود على غفلة.
“استنى هنا يا عماد،” نزلت سلاحي وعمرته بصوت كاشف، وبصيت لندى اللي كانت ماسكة حديدة صغيرة لقتها في العربية، “لو مخرجناش في خلال نص ساعة.. اقلب العربية واهرب على برا، واوصل لأي حد من القدامى اللي تثق فيه.”
“مش هتحرك من هنا من غيركم يا مراد بيه،” قالتها ندى وعينها فيها إصرار يهد الجبال.
هزيت راسي بابتسامة خفيفة، وفتحت الباب ونزلت.
الهوا البارد كان بيخبط في هدومي، وصوت الميناء البعيد مع صوت خبط المية على الأرصفة كان بيعمل سيمفونية رعب. مشيت بخطوات ثابتة وواطية لحد ما دخلت من باب المخزن. ريحة الخشب القديم والحديد الصديان كانت مالية المكان.
في نص المخزن الواسع، وتحت لمبة صفراء ضعيفة بتتدلى من سقف عالي، كان فيه شاب واقف مدينا ضهره، ولابس بدلة شيك مبللة بالمطر. جنبه على طاولة خشبية كانت محطوطة فلاش ميموري وشنطة فلوس مفتوحة.
لما سمع صوت خطواتي، لف بهدوء، وظهر وش نديم.. بابتسامته الهادية اللي طول عمري متعود عليها، بس المرة دي كانت ملوّثة بشر غريب.



