منوعات

حكايات زهرة الربيع

ا.

قلت له: “أنا زمان كنت فاكرة إن البيت محتاج طفل عشان يبقى بيت، لكن دلوقتي عرفت إنه محتاج رحمة عشان يبقى بيت بجد.”

سكت محمود، وبعدها مسك إيدي.

وفي اللحظة دي، رن تليفوني.

كانت أختي.

رديت عليها، ولقيتها بتقول لي إنها جاية تزورني بكرة، وإن عندها حاجة مهمة عايزة تحكيهالي.

ضحكت وقلت لها: “تعالي يا حبيبتي، البيت بيتك.”

لكنها قالت بصوت مختلف: “المرة دي يا وفاء، مش جاية أطلب منك مساعدة، ولا جاية أشتكي من حاجة. أنا جاية عشان أقولك على قرار خدته أنا وسامح، وعايزينك تكوني أول واحدة تعرفه.”

سألتها بفضول: “قرار إيه؟”

قالت: “بكرة هتعرفي.”

قفلت معاها، وفضلت أفكر هي ممكن تكون عايزة تقول إيه.

تاني يوم، جات أختي وسامح، ومعاهم أولادهم، وقعدنا كلنا في الصالة.

سامح كان شكله مرتاح، ورجله بقت أحسن بعد العلاج الطبيعي اللي التزم بيه، وشغله استقر، وأولاده كبروا وبقوا بيساعدوه في حاجات كتير.

أختي بصتلي وقالت: “إحنا قررنا نفتح مشغل صغير للخياطة، وأنا اللي هكون مسؤولة عنه، وسامح هيساعدني في الحسابات. وعايزين نبدأ بداية جديدة.”

فرحت جدًا، وقلت لها: “دي أحلى حاجة سمعتها. وأنا هساعدكم في تجهيز المكان لو احتجتوا.”

لكنها رفعت إيدها وقالت: “استني، إحنا مش جايين نطلب منك فلوس.”

سكتت شوية، وبعدها كملت: “إحنا عايزينك تكوني شريكتنا في المشروع، مش عشان إنتي معاكي فلوس، لكن عشان إحنا عايزين نعمل حاجة مع بعض، ونبني حاجة تفضل لأولادنا.”

بصيتلها باستغراب، فقالت: “أنا مش عايزة أفضل طول عمري فاكرة إنك ساعدتينا في أصعب أيامنا، وإنتي تفضلي حاسة إنك مدينة لينا عشان سامح رجع شغله وإننا سامحناكي. عايزة علاقتنا تبقى علاقة إخوات، مش واحدة بتعوض التانية عن غلطة قديمة.”

الكلام لمس قلبي جدًا.

وافقت، واتفقنا إن المشروع يبقى قائم على شغل أختي وخبرتها، وعلى إدارة سامح، وإن أي فلوس تتحط فيه تتسجل بوضوح، عشان محدش يحس إنه مديون لحد.

وبعد شهور، المشغل فتح أبوابه، وبدأت أختي تستقبل طلبات الخياطة، واحدة ورا التانية.

في البداية، الشغل كان بسيط، لكن مع الوقت، الناس بدأت تعرفها وتثق في شغلها، وبقت تشغل معاها ستات تانية كانوا محتاجين دخل يساعدهم على مصاريف بيوتهم.

وفي يوم الافتتاح، وقفت أختي قدام باب المشغل، وبصتلي وقالت: “فاكرة لما كنت قاعدة على المكنة القديمة، وعيالي جعانين، وأنا مش عارفة هعمل إيه؟”

هزيت راسي، والدموع في عيني.

قالت: “أنا عمري ما هنسى الأيام دي، بس دلوقتي بقيت عارفة إن حياتي مش لازم تفضل واقفة عند أصعب يوم عدي عليا.”

حضنتها وقلت: “وأنا عمري ما هنسى إني كنت سبب في وجعك، لكن هفضل أحاول أكون سبب في راحتك من غير ما أطلب منك أي مقابل.”

ابتسمت وقالت: “إحنا الاتنين اتعلمنا يا وفاء.”

وبعدها دخلنا المشغل، لقينا ملك قاعدة جنب بنت صغيرة من بنات العاملات، بتساعدها تختار ألوان القماش، وابني واقف مع أولاد خالته بيضحكوا ويتصوروا.

بصيت للمشهد وحسيت إن الدائرة اللي بدأت بالوجع والخوف بدأت أخيرًا تتقفل بالحب والرضا.

لكن أهم حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل، إن الإنسان ممكن يكون محروم من حاجة، والحرمان ده يوجعه لدرجة تخليه مش شايف غير نفسه، لكن ده مش معناه إنه وحش، ولا معناه إن كل تصرفاته مبررة.

أنا كنت موجوعة، وكنت نفسي أبقى أم، لكن وجعي ما كانش من حقي أخلي أختي تعيش وجع أكبر.

كنت قادرة أساعدها من غير ما أضغط عليها، وكنت قادرة أكون خالة حنينة لابنها من غير ما أحاول أخده منها، وكنت قادرة أستنى رزقي من غير ما أخلي الفقر وسيلة أستخدمه ضد أقرب الناس ليا.

ويمكن أكتر حاجة ندمت عليها، مش إني طلبت منها الطفل، لكن إني لما سمعت رفضها أول مرة، ما احترمتش حقها في الرفض.

لأن الحب الحقيقي مش إنك تاخد اللي نفسك فيه من الشخص اللي بتحبه، الحب الحقيقي إنك تقدر تحافظ عليه حتى لما يقولك لأ.

وكل ما كنت أشوف أختي وهي بتضم ابنها، كنت بفتكر إن الحضن اللي كنت عايزة أخده منها بالقوة، ربنا عوضني عنه بحضن ملك اللي جت لحياتي محتاجة أم، وكنت أنا محتاجة بنت أديها كل الحب اللي اتجمع جوايا سنين طويلة.

وبعدها رزقني ربنا بابني، فبقى عندي طفل من ولادتي، وبنت دخلت حياتي عن طريق الكفالة، واتعلمت إن الاتنين أولادي، وإن قلبي مش لازم يقسم الحب بينهم، لأن الحب مش قطعة واحدة لما أديها لحد تنقص من التاني.

وفي يوم من الأيام، بعد ما كبر أولادي، سألتني ملك: “ماما، لو رجع بيكي الزمن، كنتي هتعملي إيه مختلف؟”

ابتسمت، وقلت لها: “كنت هبطل أقارن نفسي بغيري من بدري، وكنت هتعلم إن ربنا مش بيأخر رزق حد عشان يعذبه، وإن كل واحد ليه طريقه وميعاده. وكنت هفهم إن أختي مش عدوتي عشان ربنا رزقها بأطفال قبلي، وإن فرحتها مش دليل على حرماني.”

سألتني: “وطب لو كنتي ما بقيتيش أم؟”

بصيتلها وقلت: “كنت هزعل، أكيد كنت هزعل، لأن ده حلم كان نفسي فيه. لكن كنت هحاول أعيش وأحب وأساعد وأعمل خير، لأن قيمة الإنسان مش متوقفة على إنه يخلف ولا لأ. ربنا بيفتح أبواب كتير، وإحنا ساعات بنفضل واقفين قدام باب واحد لدرجة إننا ما بنشوفش باقي الأبواب.”

ملك ابتسمت وحضنتني، وأنا فضلت أبص لها وأحمد ربنا على كل لحظة جمعتني بيها.

وفي آخر ليلة من السنة، كنا كلنا مجتمعين في بيت أختي، والأولاد بيلعبوا، وسامح قاعد يحكي مواقف قديمة، ومحمود بيضحك معاه.

أختي قربت مني، وحطت راسها على كتفي وقالت: “عارفة يا وفاء، لو فيه حاجة واحدة اتعلمتها من كل اللي حصل، فهي إن ربنا لما بيختبرنا بالضيق، مش معناه إننا لازم نكسر بعض عشان نعدي.”

بصيتلها وقلت: “وأنا اتعلمت إن اللي بيحب حد بجد، ما يستغلش ضعفه أبدًا.”

فضلنا ساكتين شوية، وبعدها ضحكنا لما سمعنا الأولاد بيتخانقوا على آخر قطعة جاتوه.

وفي اللحظة دي، حسيت إن دي هي الحياة اللي كنت بدور عليها طول عمري، مش حياة من غير مشاكل ولا دموع، لكن حياة فيها ناس نقدر نرجعلهم بعد الغلط، ونعتذر لهم، ونحاول نصلح اللي اتكسر، ونفضل نحبهم رغم كل حاجة.

أنا وفاء، الست اللي قضت عشر سنين من عمرها بتدور على طفل يحمل اسمها، واللي في لحظة ضعف كادت تخسر أختها عشان تحقق حلمها، واللي اتعلمت بالطريقة الصعبة إن الأمومة مش مبرر للظلم، وإن الفلوس مهما كانت كتير، ما تقدرش تشتري رضا القلب ولا تعوض حضن اتاخد من صاحبه غصب عنه.

ولو حد سألني النهارده إيه أكتر حاجة غيرت حياتك، مش هقول له يوم ما عرفت إني حامل، ولا يوم ما بقيت أم لملك، ولا يوم ما شلت ابني بين إيديا.

هقول له اليوم اللي أختي بصتلي فيه وهي بتعيط وقالت لي: “إنتي خليتيني أحس إن مفيش قدامي اختيار.”

لأن الجملة دي هي اللي خلتني أشوف نفسي بوضوح، وأفهم إن الإنسان ممكن يبرر لنفسه الغلط باسم الحب، وباسم الحرمان، وباسم إنه يستحق يكون سعيد، لكن مفيش سعادة حقيقية بتتبني على كسر قلب إنسان تاني.

ومن يومها، كل ما أقدر أساعد حد، بحاول أساعده من غير ما أذله، وكل ما أكون محتاجة حاجة، بحاول أطلبها من غير ما أضغط على حد، وكل ما أحس إن الدنيا حرمتني من حاجة، أفتكر إن فيه ناس عندها حاجات كتير وأنا ما عنديش، لكن ده مش معناه إنهم أخدوا نصيبي، ولا إن رزقهم جه على حسابي.

وفي النهاية، عرفت إن ربنا ما كانش محتاج يحرمني عشان يعلمني، لكن أنا اللي كنت محتاجة أفتح عيني وأشوف إن النعمة اللي في إيد غيري مش من حقي، وإن حقي الحقيقي إني أعيش بكرامة، وأحب بصدق، وأساعد برحمة، وأرضى باللي ربنا كاتبهولي.

أما ابني اللي كنت عايزة آخده من أختي، ففضل ابني خالته اللي بحبه وبفرح بنجاحه، وبقيت أعتبر فرحته جزء من فرحتي، من غير ما أحتاج أخده من حضن أمه.

وأختي فضلت أختي، مش مجرد ست سامحتني، لكنها الإنسانة اللي علمتني إن التسامح مش معناه إن الغلط يختفي، وإن الثقة ممكن تتجرح، لكنها لما ترجع، لازم ترجع على أساس من الصدق والاحترام.

وملك فضلت بنتي اللي اختارها قلبي، وابني فضل النعمة اللي ربنا رزقني بيها، ومحمود فضل سندي اللي استحمل معايا سنين طويلة، لحد ما فهمت إن الحياة مش سباق مين يخلف أكتر، ولا مين عنده فلوس أكتر، ولا مين بيحقق أحلامه أسرع.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى