منوعات

حكايات زهرة الربيع

في اللحظة دي، حسيت إن قلبي وقف.

رجل تعبانة، وأم بتخيط للناس، وطفل خايف من الفقر.

كل التفاصيل رجعت قدامي، وافتكرت سامح وأختي وأطفالهم، وافتكرت نفسي وأنا بضغط عليها عشان أحقق حلمي.

ضميت ابني وقلت له: “بص يا حبيبي، لما تساعد حد، ساعده عشان إنت بتحبه وعايز تشوفه بخير، مش عشان تحسسه إنه محتاجلك. ومفيش حد من حقه يطلب من إنسان يتنازل عن حاجة غالية عليه مقابل المساعدة، مهما كانت الظروف صعبة.”

سألني: “حتى لو الحاجة دي هتخليه غني؟”

قلت له وأنا بحاول أتماسك: “حتى لو هتخليه أغنى إنسان في الدنيا. فيه حاجات لو الإنسان خسرها، الفلوس مش هتعرف ترجعها.”

بصلي ببراءة وقال: “زي إيه يا ماما؟”

بصيت ناحية ملك اللي كانت قاعدة بتذاكر على الترابيزة، وبعدها رجعت بصيتله وقلت: “زي الأمان، وراحة البال، وحب الناس اللي بيحبونا بجد.”

في الليلة دي، فضلت أفكر في كلام ابني، وحسيت إن ربنا بيديني فرصة أعلمه درس أنا نفسي اتعلمته متأخر.

تاني يوم، أخدته معايا، ورحنا المدرسة، واتكلمنا مع الأخصائية الاجتماعية عشان نعرف نساعد زميله بطريقة تحفظ كرامته، ومن غير ما نخليه يحس إنه مختلف عن باقي الأطفال.

وبعدها بأيام، عرفنا إن أسرته محتاجة مساعدة أكبر، وإن والده مش قادر يشتغل بسبب إصابته.

رجعت البيت، وكلمت محمود، وطلبت منه يشوف لو فيه شغل مناسب لوالد الولد في الوكالة، حاجة يقدر يعملها من غير ما تضغط على رجله، وبمرتب يقدر يصرف منه على بيته.

محمود وافق، وبعد ما اتكلم معاه، عرض عليه شغل مناسب في الحسابات ومتابعة بعض الطلبات، بعد ما اتأكد إنه يقدر يقوم بيه.

ولما عرفت إن الراجل وافق، حسيت براحة كبيرة.

مش عشان أنا أنقذت حد، لكن عشان المرة دي ساعدت من غير ما أطلب مقابل، ومن غير ما أحط نفسي مكان صاحبة الفضل على حياة حد.

بعدها بأسبوع، رحت أزور أختي، وقعدنا في البلكونة نشرب الشاي، والأولاد بيلعبوا في الشارع تحت عين سامح.

أختي بصتلي وقالت: “مالك يا وفاء؟ حاسة إنك مشغولة بحاجة.”

ابتسمت وقلت لها: “كنت بفكر في اليوم اللي حصل فيه كل اللي حصل في المستشفى.”

وشها هدي، وقالت: “لسه فاكرة؟”

قلت لها: “كل يوم تقريبًا. ساعات بسأل نفسي لو كنتي وافقتي فعلًا وسلّمتيني ابنك، كنت هبقى مبسوطة؟”

أختي سكتت شوية، وبعدها قالت: “يمكن كنتي هتفرحي في الأول، ويمكن كنتي هتحبيه من كل قلبك، وأنا مش بشكك في حبك. بس كان هيبقى جوايا وجع عمري ما هقدر أنساه بسهولة، وكان ممكن علاقتنا تتكسر للأبد.”

هزيت راسي وقلت: “أنا عارفة. وده أكتر شيء بخاف منه لما أفتكر اللي حصل.”

مسكت إيدي وقالت: “بصي يا وفاء، أنا مش هقولك إن اللي حصل ما وجعنيش، ولا هقولك إني نسيت. أنا فاكرة كل يوم كنت بقعد فيه قدام المكنة، وبطني كبيرة، وعيالي جعانين، وأنا بفكر هجيب لهم أكل منين. وكنت كل ما أفتكر إنك أختي، أقول يمكن بكرة تفهمني وترجع عن اللي بتعمله.”

دموعي نزلت، وهي كملت:

“بس لما إنتي اعتذرتي بجد، ورجعتي سامح شغله، وبطلتي تضغطي عليا، بدأت أفهم إنك ندمانة فعلًا. وأنا كمان كنت محتاجة أتعلم إني أقدر أرفض أي حاجة مش قادرة عليها، حتى لو اللي بيطلبها مني أغلى الناس.”

قلت لها: “أنا آسفة يا أختي. لو كان في إيدي أرجع الزمن، كنت هساعدك من أول يوم من غير ما أطلب منك أي حاجة.”

ابتسمت وقالت: “وأنا عارفة. عشان كده لسه قاعدة معاكي وبشرب شاي في بيتنا، ولسه أول ما بيحصلي حاجة حلوة، أول واحدة نفسي أحكيلها هي إنتي.”

ضحكنا وسط دموعنا، وحسيت إن فيه جرح قديم بدأ يخف، حتى لو أثره عمره ما هيختفي تمامًا.

وبعد شوية، نزلت أجيب حاجة من العربية، ولما رجعت لقيت ابن أختي الصغير قاعد جنب محمود، وبيحكيله إنه نفسه يتعلم الحسابات ويشتغل في الوكالة لما يكبر.

محمود ابتسم وقال له: “إنت بس اجتهد في دراستك، ولما تكبر هتلاقي قدامك فرص كتير.”

الولد بصلي وقال: “خالتو وفاء، هو أنا لو كبرت واشتغلت مع خالو محمود، هقدر أجيب لماما ماكينة خياطة جديدة؟”

بصيت لأختي، لقيتها بتبتسم وهي بتسمع كلامه.

قلت له: “طبعًا يا حبيبي، وهتجيب لها أحسن ماكينة كمان، بس أهم حاجة تفضل تحبها وتحترم تعبها، وتفتكر إنها فضلت تحارب عشانك إنت وإخواتك.”

الولد جري على أمه وحضنها، وقال لها إنه لما يكبر هيجيب لها كل حاجة نفسها فيها.

أختي ضمته، وأنا بصيت للمشهد وافتكرت اليوم اللي كنت فاكرة فيه إن طفل واحد هو اللي هيكمل حياتي، وإن وجوده في بيتي هو الحل الوحيد لوجعي.

لكن الحقيقة إن حياتي ما كملتش لما جالي ابني، ولا لما بقيت أم لملك، ولا حتى لما بقيت قادرة أشتري لأولادي كل اللي نفسهم فيه.

حياتي بدأت تتغير بجد يوم ما بطلت أقارن نفسي بغيري، ويوم ما فهمت إن رزق أختي مش معناه إن ربنا ناسي رزقي، وإن فرحتي مش لازم تكون على حساب دموعها.

وبعد مرور سنين، جه اليوم اللي ملك فيه اتخرجت من الجامعة، وكانت واقفة قدامي بفستان التخرج، بتضحك وبتعيط في نفس الوقت.

جريت عليا وحضنتني وقالت: “ماما، أنا مش مصدقة إني خلصت!”

حضنتها بقوة وقلت: “أنا فخورة بيكي يا بنتي، وفخورة بكل خطوة تعبتي فيها عشان توصلي للي إنتي فيه.”

بعد الحفل، وإحنا راجعين البيت، ملك كانت ساكتة شوية، وبعدها قالت: “ماما، فيه حاجة عايزة أسألك عنها من زمان.”

قلبي دق، لكني قلت لها: “اسألي يا حبيبتي.”

قالت: “إنتي عمرك ندمتي إنك ربيتيني؟ يعني لو كان عندك بنت من بطنك من الأول، كنتي هتحبيني بنفس الطريقة؟”

وقفت على جنب الطريق، وبصيتلها.

كان السؤال بسيط، لكنه كان أكبر سؤال ممكن تسمعه أم في حياتها.

مسكت إيديها وقلت: “يا ملك، أنا مش هكدب عليكي وأقولك إني ما اتوجعتش في حياتي، ولا إني ما كانش نفسي أخلف. أنا كنت بتمنى أبقى أم من سنين، وكنت فاكرة إن الطفل اللي هييجي من بطني هو اللي هيخليني أحس بالأمومة. لكن لما بقيتي في حياتي، فهمت إنك مش بديل عن حد، وإنك مش موجودة عشان تعوضيني عن حاجة ناقصة. إنتي ملك، وليكي مكانك اللي محدش يقدر ياخده.”

عينيها اتمَلَت دموع، وقالت: “يعني أنا بنتك بجد؟”

ضميتها وقلت: “إنتي بنتي في كل يوم سهرت فيه جنبك وإنتي تعبانة، وفي كل مرة كنت بخاف عليكي فيها، وفي كل مرة كنت بفرح بنجاحك وأحزن لزعلك. الأمومة مش كلمة بنقولها، الأمومة حياة بنعيشها مع بعض.”

ملك حضنتني بقوة، وقالت: “أنا بحبك يا ماما.”

رديت عليها وأنا ببوس راسها: “وأنا بحبك أكتر مما تتخيلي.”

ولما رجعنا البيت، لقيت ابني مستنينا، وكان مجهز لنا عشا بسيط بمساعدة محمود، ولما شاف ملك، جري عليها واداها هدية صغيرة بمناسبة تخرجها.

قعدنا كلنا على السفرة، وضحكنا وحكينا عن أيام زمان، وعن المواقف اللي حصلت لنا، وعن الأحلام اللي اتغيرت مع الوقت.

وفي نص الكلام، محمود بصلي وقال: “فاكرة لما كنتي بتقولي إن البيت من غير عيال ملوش طعم؟”

ضحكت وقلت: “فاكرة.”

قال: “بصي حواليكي دلوقتي.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى