
قالها وهو بيمسح دمعة نزلت على خدي بصباعه برقة عمره ما عملها مع حد قبل كده.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، ودخلت عربية إسعاف مجهزة، ومعاها نقالة عليها بابا وهو نايم ومرتاح، وأول ما شافني وشاف يوسف واقف جنبي بيبة وقار، بابا حاول يرفع إيده وهو بيقول بصوت مهتز: “يا بنتي.. إيه اللي جابنا هنا؟ ومين البيه ده؟”
يوسف قام بسرعة من مكانه، وراح وقف جنب نقالة أبويا، ووطى على راسه باحترام وقال بصوت عالي وواضح خلى الأوضة كلها تهتز: “أنا يا حاج عبد التواب.. إبنتك نادية هي اللي شالتنا كلنا سنين، وجه الوقت اللي أنا أشيلكم فيه.. اطمن، نادية بقت في عيوني، وحضرتك كمان.”
أبويا بص لي، وبص ليوسف، وبعدين ابتسم لأول مرة من سنين طويلة، وغمض عينه وهو مرتاح.
وأنا.. ولأول مرة في حياتي، حسيت إن فيه حد حامي ضهري بجد، وإن السند اللي كنت بفتقده طول عمري.. لقوته واقف جنبي وبكل قوته.
الأسابيع اللي بعد كده كانت عاملة زي الحلم.
بابا خرج من مستشفى التأهيل وهو بيتحسن بطريقة محدش كان متوقعها، وبقى يقدر يقف على رجليه وياخد خطوات بسيطة بال مشاية. يوسف جهز له شقة كاملة الدور اللي تحت في العمارة اللي جنبنا، وعين له ممرض خاص ودكتور يتابع معاه يومياً، ومبقاش فيه أي هم مادي ناقصنا في الدنيا.
أما أنا.. فالحياة في القصر اتغيرت ١٨٠ درجة.
مبقاش فيه حاجة اسمها شفتات تمتد لساعات وساعات ولا سهر لحد الصبح. مدام عايدة مشيت، وجه مكانها مدير جديد محترم وذوق، وجابوا تيم كامل للخدمة بحيث الشغل يتوزع علينا كلنا بالتساوي ومن غير أي إرهاق.
دوري أنا بقى.. اتحول وبقى إشراف بس. مبقيتش أشيل صواني ولا أنضف أوض، بقيت أقعد في المكتب أراجع الجداول والطلبات، وأطمن إن كل حاجة ماشية تمام.
وفي وسط كل التغييرات دي، كان يوسف موجود كل يوم.
ساعات كان بيعدي عليا في المكتب يتاكد إني أكلت وشربت الدوا في ميعاده، وساعات كان بيطلب فنجان قهوة ويقعد يتكلم معايا بالساعات عن الشغل، وعن حياته، وعن الطفولة اللي عاشها وهو محاط بالفلوس بس محروم من الحنية والدفء اللي شافه عندي.
لحد جه اليوم اللي غير كل حاجة.
كنت قاعدة في جنينة القصر بالليل، الهوا كان طري ولطيف، وباصية للورد اللي قدامي وبفكر في إزاي الدنيا ممكن تلف وتتغير في لحظة. لقيت خطوات تققرب مني، وريحة برفن يوسف المميز سبقت وصوله.
قعد على الكرسي اللي جنبي، وبص لي بهدوء وقال: “بتفكرى في إيه يا نادية؟ شكل سرحانك بعيد قوي.”
ابتسمت وأنا ببص للارض: “بفكر في كل اللي حصل.. ساعات بحس إني كنت في كابوس وصحيت منه على حلم جميل.”
يوسف سكت شوية، وبعدين مد إيده ومسك إيدي الاتنين بين إيديه بحنان.. نظرة عينه كانت متغيرة خالص، فيها خوف خفيف ممتزج بجرأة أول مرة أشوفها عنده.
قال بصوت واطي ودافي: “الكابوس راح يا نادية.. بس الحلم الحقيقي لسه بيبدأ.”
رفعت عيني فيه باستغراب: “قصدك إيه يا سي يوسف؟”
يوسف قرب مني أكتر، وابتسم ابتسامة خطفت قلبي، وقال: “قصدي إني لفيت الدنيا، وشوفت ستات كتير أشكال وألوان.. بس ماشوفتش أطيب، ولا أصيل، ولا أقوى منكِ يا نادية. وقصدي كمان إني.. منستش الورد والورق اللي كنتِ بتسيبيه على مكتبي كل يوم الصبح.”
قلبي دق بجنون، وحسيت إن الهوا هرب من صدري.
كمل كلامه وهو بيشد على إيدي أكتر: “أنا مش بس عايزك تفضلي معايا في القصر عشان الشغل.. أنا عايزك تبقي صاحبة البيت ده، ومراتي، وست الكل فيه.. تقبلي تكملي حياتك معايا؟”
دموع الفرح نزلت من عيني من غير إرادة، وبصيت له وأنا مش مصدقبة إن الراجل ده، بكل هيبته وجبروته، قاعد قدامي وبيبص لي بالحب ده كله.
هزيت راسي بسرعة وابتسامة واسعة مالية وشي، وطلعت الكلمات بصوت مهتز من كتر السعادة: “أنا.. أنا أقبل يا يوسف.”
وفي اللحظة دي، ضحك بضحكة عالية رنانة لأول مرة أسمعها منه، وشال إيدي وباسها بحب قدام الكل.
ومن اليوم ده، مبقيتش الخادمة البائسة اللي بتشتغل لحد ما تموت، بقيت الإنسانة اللي لقت سندها وحبها الحقيقي في راجل علم الدنيا كلها القسوة، وعلمني أنا.. يعني ايه أمان.
ملاك في قصر المافيا
حكايات شروق خالد



