
قلت لها وأنا بحاول أخبي دموعي: “جبت لك حاجتك.”
أخدت الشنطة، وبدأت تطلع منها الحاجات واحدة واحدة.
ولما شافت الجواب في إيدي، اتغير وشها.
سألتني: “إنت فتحته؟”
هزيت راسي.
نزلت عينيها وقالت: “كنت كاتباه من زمان، قبل ما تتجوز.”
قعدت جنبها، وقلت: “ليه مخبياه؟”
قالت: “عشان مكنتش عايزة أقول لك الكلام ده وأنا عارفة إنك ممكن تفهمه غلط. كنت بكتبه لنفسي أكتر ما بكتبه ليك.”
بصيت لها وقلت: “أنا آسف يا سحر.”
سكتت.
كملت: “أنا آسف على كل مرة سيبتك فيها لوحدك، وعلى كل مرة حسستك إنك حمل تقيل، وعلى كل مرة كنتِ محتاجاني فيها وأنا اخترت أهرب.”
عينيها اتمَلَت بالدموع.
قالت: “خلاص يا مصطفى، اللي فات فات.”
قلت: “بس أنا مش عارف أسامح نفسي.”
ردت: “المفروض تتعلم من اللي حصل، مش تفضل تعاقب نفسك. أنا تعبت من الزعل، ومش عايزة أفضل زعلانة منك.”
كنت عايز أقول لها إني هرجع لها، وإننا نبدأ من جديد، وإن الطلاق كان غلطة، لكني عرفت إن الكلام ده ممكن يكون أناني برضه.
هي كانت محتاجة راحة وأمان، مش وعود جديدة أقولها وأنا خايف أفقدها.
فقلت لها: “أنا مش هسيبك لوحدك تاني. مش بوعدك بحاجة عن المستقبل، بس بوعدك إني هكون موجود وأعمل اللي أقدر عليه.”
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت: “أنا هفتكر وعدك ده.”
مرت الأيام اللي بعدها بين الفحوصات والعلاج والمتابعة.
كنت بروح المستشفى كل يوم بعد الشغل، وأحيانًا أروح من الصبح وأفضل لحد الليل. ندى كانت متضايقة في البداية، لكني حاولت أشرح لها إن سحر محتاجة متابعة، وإن وجودي مش معناه إني ههمل بيتي أو ابني.
قالت لي في ليلة وإحنا بنتكلم: “أنا مش عايزاك تسيبها، بس أنا كمان مش عايزة أعيش طول عمري في ظل حكايتكم.”
قلت لها: “أنا فاهم. وأنا مش طالب منك تشيلي مسؤوليتها، دي مسؤوليتي أنا.”
وبدأت أرتب أموري بشكل أفضل. اتفقت مع الشغل على مواعيد تناسبني قدر الإمكان، وخصصت جزءًا من دخلي لعلاج سحر، وبدأت أبحث عن مساعدة مناسبة في البيت في الأيام اللي أكون فيها مشغول.
مكنش الموضوع سهل، والفلوس كانت لسه ضاغطة عليا، لكني لأول مرة بطلت أتعامل مع كل مصروف لسحر كأنه خسارة.
بقيت أشوفه حق إنسانة ليها قيمة، وحق واحدة وقفت جنبي سنين، ومش ذنبها إن المرض غيّر حياتنا.
وفي يوم، وأنا قاعد جنبها في المستشفى، دخلت الممرضة وقالت إن الدكتور عايز يشوفني.
خرجت معاه، وبدأ يشرح لي نتائج الفحوصات وخطة العلاج اللي محتاجة تتظبط حسب حالتها.
كان كلامه محتاج متابعة مستمرة، لكنه وضح إننا لازم نركز على استقرار حالتها، وإن مفيش حد يقدر يحدد المستقبل بدقة.
رجعت لسحر، لقيتها بتبص لي بقلق.
قالت: “الدكتور قال لك إيه؟”
قعدت جنبها وقلت: “قال هنكمل متابعة العلاج، وهنمشي خطوة خطوة.”
سألتني: “يعني فيه أمل؟”
مسكت إيديها وقلت: “طول ما إحنا بنعمل اللي نقدر عليه، هنفضل نحاول.”
ابتسمت، وقالت: “أنا مش خايفة من العلاج قد ما أنا خايفة من إني أتعب الناس اللي حواليا.”
قلت لها: “إنتِ مش عبء يا سحر.”
بصتلي وقالت: “نفسي أصدقك.”
الكلمة دي فضلت ترن في ودني.
لأنها بعد كل السنين اللي عشناها سوا، وبعد كل الكلام اللي قلته لها، وصلت لمرحلة إنها محتاجة تتعلم من جديد إنها تستحق الحب والرعاية.
قررت أعوضها بالأفعال، مش بالكلام.
بقيت أسألها عن الأكل اللي نفسها فيه، وأجيب لها الحاجات اللي بتحبها، وأقعد أسمعها وهي بتحكي عن ذكرياتنا.
وفي مرة، طلبت مني أجيب لها كراسة وأقلام ألوان.
استغربت وقلت: “إنتِ هتعملي إيه بالأقلام دي؟”
قالت: “عايزة أكتب شوية حاجات.”
جبت لها الكراسة، وبدأت تكتب كل يوم كام سطر.
كانت ساعات تكتب عن يومها، وساعات عن حاجات نفسها تعملها لو صحتها اتحسنت، وساعات تكتب رسائل صغيرة لأمها.
وفي يوم، لقيتها بتكتب اسم ياسين.
سألتها: “بتكتبي إيه عن ياسين؟”
ابتسمت وقالت: “نفسي أشوفه.”
اترددت شوية، لأني كنت عارف إن ندى مش مرتاحة لفكرة إنها تقابل سحر، وخايف إن الموضوع يعمل مشاكل.
لكن سحر لاحظت ترددي.
قالت بسرعة: “لو الموضوع هيضايقكم، خلاص. أنا بس كنت نفسي أشوفه مرة، وأدعي له.”
حسيت بالخجل من نفسي.
حتى بعد كل اللي حصل، كانت بتفكر في ابني بالخير.
قلت لها: “هجيبه لك، بس لما تبقي أحسن شوية وتكوني مرتاحة.”
ابتسمت وقالت: “ربنا يخليه لك.”
بعد أيام، أخدت ياسين معايا في زيارة قصيرة، بعد ما اتأكدنا إن الزيارة مناسبة لحالة سحر وإن ظروف المستشفى تسمح.
لما دخلت بيه، سحر كانت قاعدة على السرير، ولابسة طرحة بيضا، ووشها رغم التعب كان فيه نور غريب.
بصت للولد، ودموعها نزلت.
قالت: “ما شاء الله، كبر أوي.”
قربت منها وخليته يسلم عليها، وكانت بتبص له بحنان.
مدت إيديها ولمست خده برفق، وقالت: “ربنا يحميك يا حبيبي، ويخليك لأبوك وأمك، ويجعلك بار بيهم.”
ياسين كان صغير ومش فاهم كل حاجة، لكنه ابتسم لها، ومد إيده يمسك طرف طرحتها.
سحر ضحكت، ضحكة صافية افتقدتها من سنين.
وقالت: “بص يا مصطفى، الأطفال دول رزق من ربنا. لازم تعرف قيمتهم، وتخلي بالك منهم.”
هزيت راسي، ومكنتش قادر أتكلم.
قبل ما نمشي، طلعت من درج الكومودينو علبة صغيرة، وادتهالي.
قالت: “دي سلسلة فضة بسيطة كنت شرياها من زمان، كنت محتفظة بيها عشان ابني اللي كنت بحلم بيه. خدها لياسين لما يكبر، وقوله إن فيه واحدة كانت بتحبه من غير ما تطلب منه حاجة.”
بصيت لها بصدمة وقلت: “سحر، إنتِ ليه بتقولي كده؟”
ابتسمت: “عشان الدنيا مش مضمونة يا مصطفى. وأنا عايزة أسيب ورايا حاجة حلوة.”
رجعت البيت وأنا شايل ابني في إيدي والعلبة في جيبي، وحاسس إن سحر بتعلمني درس أنا المفروض كنت اتعلمه من زمان.
لكن اللي مكنتش أعرفه، إن الأيام اللي جاية هتختبرني بطريقة عمري ما تخيلتها.
بعد أسبوع، وأنا في الشغل، جالي اتصال من المستشفى.
الممرضة قالت إن سحر تعبت فجأة، وإن حالتها محتاجة وجود حد من أهلها.
جريت من غير ما أفكر، ولما وصلت، لقيت عم عماد واقف قدام الأوضة، ووشه أصفر من الخوف.
سألته: “فيه إيه؟”


