
قال: “أنا معرفش يا ابني، كانوا بيحاولوا يساعدوها، وهي طلبتني أسأل عليك.”
دخلت، لقيتها نايمة وعينيها مقفولة.
قربت منها وناديت: “سحر؟ أنا جيت يا حبيبتي.”
فتحت عينيها بصعوبة، ولما شافتني حاولت تبتسم.
قالت: “كنت عارفة إنك هتيجي.”
مسكت إيديها، وقلت: “طبعًا هاجي. إنتِ فاكرة إيه؟”
بصتلي وقالت: “مصطفى، أنا عايزة أقول لك حاجة، ومش عايزاك تزعل.”
حسيت بالخوف.
قلت: “قولي يا سحر.”
قالت: “لو حصل لي حاجة، متخليش أمي تعرف متأخر. خليك جنبها، هي كبيرة ومش هتستحمل الصدمة لوحدها.”
قلت بسرعة: “مفيش حاجة هتحصل، متقوليش كده.”
ابتسمت بحزن: “أنا مش بقول إني هأرحل بكرة، بس أنا بقيت بفكر في حاجات كتير. وأمي ملهاش غيري.”
قلت: “وأنا؟ أنا ماليش مكان عندك في الحاجات اللي بتفكري فيها؟”
بصتلي، ودموعها لمعت في عينيها.
“إنت ليك مكان كبير يا مصطفى، بس أنا مش عايزة أطلب منك أكتر من اللي تقدر عليه.”
سكتُّ، وبعدها قلت: “أنا مش عايزك تطلبي أقل من اللي تستحقيه.”
فضلت تبصلي، كأنها بتحاول تتأكد إن الكلام حقيقي.
وبعد شوية، قالت: “أنا كنت بحبك أوي.”
قربت منها وقلت: “وأنا ظلمتك يا سحر.”
هزت راسها: “متقولش كده. أنا مش عايزاك تفضل عايش في الذنب. عايزاك تبقى أحسن.”
فضلت معاها اليوم كله، ولما استقرت حالتها، رجعت البيت متأخر.
ندى كانت مستنياني، وأول ما دخلت قالت: “إنت بقيت بتروح لها كل يوم تقريبًا.”
حطيت مفاتيحي على الترابيزة وقلت: “هي مريضة يا ندى، ومحتاجة حد يتابع معاها.”
قالت: “أنا عارفة إنها مريضة، لكن أنا كمان محتاجة أحس إن ليّا جوز. وابنك محتاج أبوه.”
الكلام ضايقني، لكني المرة دي ما رديتش بعصبية.
قعدت وقلت لها: “عندك حق في إنك محتاجة وقتي، وأنا قصرت معاكي في حاجات. بس أنا كمان غلطت لما دخلت حياتك وأنا فاكر إني أقدر أقسم نفسي من غير ما أكون واضح مع نفسي ومعاكي.”
سكتت ندى.
كملت: “أنا مش هسيب سحر تواجه المرض لوحدها، وفي نفس الوقت مش هسيبك إنتِ وياسين. هنحتاج ننظم حياتنا، ونتفق على وقت لكل حاجة، لكن مش هقدر أتعامل مع مرضها كأنه مشكلة عايز أتخلص منها.”
ندى بصتلي، وبعد فترة قالت: “أنا مش عايزة أكون سبب في إنك تحس إنك لازم تختار بيننا. أنا بس خايفة إنك تكون لسه متعلق بيها.”
قلت لها بصراحة: “سحر كانت مراتي، وعشنا سنين مع بعض، وطبيعي يكون ليها مكان في قلبي. لكن ده مش معناه إني هظلمك أو أطلب منك تعيشي من غير حقوقك.”
كانت دي أول مرة نتكلم فيها من غير صراخ، ومن غير ما كل واحد فينا يحاول يكسب الخناقة.
وبدأنا نحاول نصلح اللي نقدر عليه.
لكن إصلاح النفس مش بيحصل في يوم وليلة، والندم مش عصا سحرية بتمسح أخطاء السنين.
بعد فترة، خرجت سحر من المستشفى، ورجعت شقتها، لكن بقت محتاجة متابعة ومساعدة أكتر من الأول.
اتفقت مع واحدة من السيدات اللي بتساعد في رعاية المرضى إنها تيجي لها ساعات محددة، وكنت بتابع معاها ومع الدكتور مواعيد العلاج والأدوية.
وكنت كل يوم تقريبًا أكلمها.
أحيانًا كانت ترد وتقول: “أنا كويسة يا مصطفى، متقلقش.”
وأحيانًا كانت تقول: “النهارده صعب شوية.”
وفي الأيام الصعبة، كنت أروح أقعد جنبها، حتى لو نص ساعة، وأسمعها من غير ما أبص في الساعة كل دقيقتين.
وفي مرة، لقيتها بتبص لصورة فرحنا المعلقة على الحيطة.
قالت: “فاكر اليوم ده؟”
ابتسمت بحزن: “فاكره. كنتِ بتضحكي ومش عايزة تبصي للكاميرا.”
ضحكت وقالت: “عشان إنت كنت بتقولي لي كلام يضحك قبل ما المصور ياخد الصورة.”
فضلنا نفتكر الأيام القديمة، ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إننا قدرنا نتكلم من غير ما يكون المرض هو الموضوع الوحيد بيننا.
بعدها سألتني: “مصطفى، إنت مبسوط مع ابنك؟”
قلت: “أوي.”
قالت: “خلي بالك منه. متخليش الشغل والفلوس ياخدوا منك الأيام اللي مش هترجع.”
هزيت راسي.
وبعدين سألتني سؤالًا وجعني:
“لو الزمن رجع بيك، كنت هتعمل نفس اللي عملته؟”
فضلت ساكت فترة طويلة.
كان ممكن أكذب وأقول لها إن كل حاجة كانت مكتوبة، وإن الظروف هي اللي حكمت، لكني تعبت من الهروب.
قلت: “لأ يا سحر. كنت هفضل جنبك، وكنت هواجه خوفي بدل ما أهرب منه. كنت هحاول ألاقي حل من غير ما أحسسك إنك عبء.”
نزلت عينيها وقالت: “كنت أتمنى ده.”
الجملة كانت هادية، لكن فيها حزن سنين كاملة.
وبعد شوية، رفعت عينيها وقالت: “بس أنا مش عايزاك تفضل واقف عند السؤال ده. اللي حصل حصل، وإحنا لازم نعيش اللي باقي من عمرنا باللي نقدر عليه.”
كنت كل ما أسمعها تتكلم بالطريقة دي، أحس إنها أقوى مني بكتير، رغم إنها كانت هي اللي بتواجه المرض يومًا بيوم.
مرت أسابيع، وبدأت سحر تهتم بحاجات صغيرة كانت ناسية نفسها فيها. كانت تقرأ، وتكتب في كراستها، وتكلم أمها بالتليفون، وأحيانًا تقعد في البلكونة شوية لما تكون قادرة.
وأنا بدأت ألاحظ إنها مش بتتكلم عن نفسها كأنها مستنية النهاية طول الوقت.
في يوم، قالت لي إنها نفسها تزور أمها.
قلت: “طب نروح لها بكرة لو الدكتور موافق وحالتك تسمح.”
فرحت جدًا، كأننا بنخطط لرحلة كبيرة.
تاني يوم، أخدتها لأمها.
أمها كانت ست كبيرة، وأول ما فتحت الباب وشافت بنتها، حضنتها وفضلت تبكي.
قالت: “يا بنتي، وحشتيني. إنتِ ليه بتخبّي عني تعبك؟”
سحر مسحت دموعها وقالت: “عشان إنتِ بتتعبي يا ماما، وأنا مش عايزاكي تشيلي همي.”
أمها مسكت وشها بين إيديها وقالت: “أنا أمك يا سحر، ووجعك وجعي. متحرمنيش منك وإنتِ لسه موجودة.”
وقفت بعيد عنهم، وحسيت إن سحر كانت طول الوقت بتحاول تحمي أمها من الحزن، زي ما كانت بتحاول تحميني من المسؤولية، وفي الحالتين كانت بتدفع هي الثمن لوحدها.
بعد ما قعدنا شوية، أمها دخلت المطبخ تعمل لنا شاي، وسحر طلبت مني أقعد جنبها.
قالت بصوت واطي: “أنا عايزة أطلب منك حاجة، بس مش عايزاك تفتكر إني بتدخل في حياتك.”
قلت: “قولي.”
قالت: “لو في يوم بقيت مش قادرة أتابع علاجي أو أتكلم، خليك فاكر إن كل قرار يخصني لازم يتاخد مع الدكتور وبما يحفظ كرامتي. أنا مش عايزة حد يقرر عني لمجرد إني تعبانة.”
قلت: “حاضر.”
وأضافت: “وعايزاك متنساش إنك أب. ياسين محتاج يشوف منك الرحمة، مش بس يسمع منك النصايح.”
بصيت لها وقلت: “هحاول.”
ابتسمت وقالت: “مش تحاول وبس، اتعلم.”
رجعنا شقتها في آخر اليوم، وكانت مرهقة، لكنها مبسوطة.
وقبل ما أمشي، قالت لي: “شكرًا إنك جيت بيا لماما.”




