
قال: “هي حالة مريضة بالمرض، وأي تدهور لازم ناخده بجدية. مش هقدر أقول لك النتيجة قبل الفحوصات.”
حسيت بالخوف، وطلبت منه يعمل كل اللي يقدر عليه.
بعد شوية، دخلت لها الأوضة، لقيتها نايمة، ووشها مرهق.
قعدت جنبها، وبصيت لإيديها اللي كانت متوصلة بالمحلول.
وفجأة فتحت عينيها وقالت: “مصطفى؟”
قلت بسرعة: “أيوه، أنا هنا.”
قالت: “إنت عندك شغل بكرة؟”
السؤال خلاني أحس إني صغير أوي.
حتى وهي في المستشفى، تعبانة ومش عارفة هتخرج إمتى، كانت بتفكر إذا كنت هتتعطل بسببها ولا لأ.
قلت: “مش مهم الشغل دلوقتي.”
ابتسمت وقالت: “متقولش كده. شغلك مهم، وعندك بيت وابن.”
سكت، وبعدين سألتها: “سحر، هو إنتِ ليه مش بتطلبي حاجة من حد؟”
بصتلي باستغراب.
كملت: “ليه بتفضلي تتعبي لوحدك؟”
ردت بهدوء: “عشان محدش يحس إنه مجبور عليا.”
حسيت إن الكلام طعني.
قلت: “أنا عمري ما كنت شايفك كده.”
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت: “يمكن إنت مش كنت شايفني أصلًا يا مصطفى.”
مقدرتش أرد.
لأنها قالت الحقيقة.
فضلت معاها لحد الصبح، ولما نامت، خرجت أجيب قهوة، ووقفت في الممر أبص للناس اللي رايحة جاية.
كان فيه ست كبيرة قاعدة على كرسي متحرك، وبنتها ماسكة إيدها وبتطمنها. وكان فيه راجل شاب بيحاول يضحك مراته قبل ما تدخل غرفة الفحص.
المشاهد دي كانت عادية لأي حد، لكنها بالنسبالي كانت بتفكرني بحاجات ضيعتها بإيدي.
رجعت الأوضة، ولقيت سحر صاحية.
قالت: “مصطفى، ممكن أطلب منك طلب؟”
قربت منها: “اطلبي أي حاجة.”
قالت: “ممكن تجيب لي شنطة هدومي من البيت؟ فيها إسدال بحبه، وطرحة بيضا، وكتاب صغير كنت بقرأ فيه.”
قلت: “حاضر. عايزة حاجة تانية؟”
هزت راسها: “لأ، كفاية كده.”
خرجت، وروحت شقتها أجيب الحاجات.
وأنا بفتح الدولاب، لقيت هدومي القديمة لسه موجودة في درج صغير، هدوم كنت ناسيها من سنين. وفوق الدولاب كان فيه صندوق خشب صغير.
افتكرته على طول.
ده الصندوق اللي كانت سحر بتحط فيه صورنا، وكروت عيد ميلادي، والورق اللي كنت بكتبه لها في أول جوازنا.
نزلته وفتحته.
لقيت صور كتير لينا، وصورة من يوم فرحنا، وصورة لينا وإحنا في رحلة صغيرة على البحر، وصورة تانية كنا بنضحك فيها لدرجة إن عينيها كانت مقفولة.
وفي آخر الصندوق، لقيت جواب مكتوب بخطها.
كان مكتوب عليه: “لمصطفى، لو في يوم حسيت إنك نسيتني.”
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت الجواب، وبدأت أقرأ.
“مصطفى حبيبي،
أنا مش عارفة هتقرا الكلام ده إمتى، ولا هكون أنا فين وقتها. بس أنا ساعات بخاف من اليوم اللي هتعب فيه لدرجة إني مش هقدر أتكلم، أو من اليوم اللي هحس فيه إني بقيت عبء عليك.
أنا عارفة إن المرض صعب، وعارفة إنك بتتعب، وعارفة إنك نفسك تعيش حياتك زي أي حد. وأنا مش بلومك على خوفك، ولا على حزنك، ولا حتى على إنك ساعات بتزهق.
بس فيه حاجة واحدة نفسي تعرفها.
أنا لما اخترتك جوز ليا، مكنتش مختاراك عشان أيامك الحلوة بس. أنا اخترتك عشان كنت فاكرة إننا هنفضل لبعض وقت الشدة كمان.
أنا مش عايزاك تفضل جنبي شفقة، ولا عايزاك تحس إنك محبوس معايا. أنا بس كنت بتمنى إنك لما تبص لي، تفتكر إني نفس البنت اللي كنت بتضحك معاها، وإن المرض غيّر جسمي، لكنه مغيرش قلبي اللي بيحبك.
ولو في يوم مشيت من حياتي، متكرهش نفسك، ومتنساش إنك كنت يومًا أغلى إنسان عندي.
بس أرجوك، لو قدرت، متخلينيش أحس إني بقيت لوحدي وأنا لسه عايشة.”
وقعت مني الورقة.
قعدت على الأرض، وسندت ضهري على الدولاب، وبدأت أعيط زي الطفل.
كنت فاكر إني لما أطلق سحر هرتاح من المسؤولية، لكني اكتشفت إن المسؤولية مش ورق بيتوقع، ولا فلوس بتتدفع، ولا زيارة بنعملها عشان نسكت ضميرنا.
المسؤولية إنك متخليش الإنسان اللي وثق فيك يحس إنه مالوش حد، وهو لسه بيتنفس.
لميت الصور والجواب، وحطيتهم في الشنطة، ورجعت المستشفى.
دخلت لها، وكانت بتقرأ في كتابها الصغير.
أول ما شافتني، ابتسمت.




