الساعة التمانية وأربعين خلصوا وراحوا لحالهم في الضلمة.
في صباح اليوم التالت، صحيت الساعة خمسة في أوضة ساقعة لدرجة إن نفسها كان بيطلع دخان، وكان ناقصها تلاتين جنيه عشان تخلص تذكرة الميكروباص، ونزلت على مطبخ ما فيهوش شيف. في آخر الثلاجة الكبيرة، ورا الجبنة الرومي واللحوم الغالية والبرطمانات اللي ما تعرفش أساميها، لقت بيض، زبدة، لحم مقدد، دقيق، وبطاطس.
طبخت كأنها ست بيت بتدبر القرش. قطعت البطاطس في طاسة حديد مع حتة زبدة محترمة. اللحم المقدد بيسيح. ست بيضات اتكسروا في الزيت. وعجين خشن دخل الفرن الحامي.
على الساعة سبعة، المطبخ بقى ريحته أكل بيتي أصيل. ريحته عالية ومليانة حياة.
التلاتة نازلوا من السلم من غير ما يقولوا كلمة، وقاموا مسمّرين في باب المطبخ—تلاتة زعماء عصابات باصين لثلاث أطباق صيني فيها أكل فلاحي كأنهم شافوا أشباح.
سارة جمدت مكانها ومستنية الانفجار.
“كنت جعانة،” قالت. “والشيف مش موجود. عملت زيادة. كلوه أو ولعوا فيه، ورايا مسح الجناح الشرقي.”
كانت مستنية إيد تطبق على رقبتها، أو مسدس يطلع في وشها.
بدل كده، أدهم سحب كرسي البار وقعد.
حمزة قعد جنبه. ويوسف جه في الآخر، ولثانية واحدة عينيه فضت من أي قسوة كانت فيها.
مفيش حد نطق بكلمة. الصوت الوحيد في البيت الضخم البارد ده كان صوت الشوك وهي بتخبط في الأطباق.
وفي اللحظة دي سارة فهمت إنها عملت مصيبة—لأن الرجالة اللي بيتعاملوا زي الوحوش ما بيعرفوش طريقة واحدة يمسكوا بيها بأي حاجة دافية في الأوضة.
بيكلبوها وما بيسيبوهاش أبدآ.
الأطباق اتفضت في ثواني. أدهم ساب الشوكة على الترابيزة وبص لها بعينين تلمع بفضول غريب ما ظهرش على وشه قبل كده.
* “اسمك الحقيقي إيه؟” سألها أدهم بصوت هادي يقطع الصمت.
* “قلت لحضرتك.. سارة.”
* “مش قصدي في الورق يا سارة.. إنتي جيتي هنا إزاي؟ وبنت مين في مصر عشان تقفي قدامنا كده من غير ما ترتعشي؟”
لمت الأطباق بخشونة وقالت بحدة وهي بتبص في عينه دغري: “واحدة مديونة للمستشفى وعايزة تستر أختها العيانة.. مش أكتر ولا أقل. خلصتوا أكل ولا آخذ الأطباق دي كمان؟”
حمزة ضحك ضحكة عالية هزت المطبخ: “والله وبقت تقاوح! دي لسانها طويل وبتقف في وشنا.. شكلك هتقعدي أكتر من التمانية وأربعين ساعة يا حلوة!”
يوسف هز راسه ببطء وهو مولع سيجارته: “دي مش هتمشي أصلاً يا حمزة.. دي نطت جوة دماغنا خلاص.”
تاني يوم، الشغل في القصر اتغير 180 درجة. ما بقاش مجرد مكان مرعب ريحته دم وسلاح، بقى فيه ريحة قهوة مظبوطة وأكل سخن بيطلع في ميعاده. بس الأمان ما بيقعدش كتير في عالمهم.
في ليلة مطرة والجو بيضرب برة، سمعت صوت ضرب نار جاي من البوابة الرئيسية.
سارة كانت بتنضف في الصالة، وفجأة الباب اتفتح بعنف، ودخل أدهم وهو ساند حمزة اللي كان بينزف بغزارة من جنبه، والدم مالي إيديه الاتنين.
أدهم صرخ بصوت عالي هز جدران القصر:
* “سارة! هاتِ علبة الإسعافات وجيبي مية سخنة وشاش حالاً!”
قلبها وقع في رجلها، بس رجليها ما اترعشتش. سابت اللي في إيدها وجرت بسرعة جابت الحاجة ووقفت قدامهم من غير ما ترف لها جفن.
حمزة قعد على الكرسي وهو بيأوه من الوجع، وأدهم بيبص لها بعينين كلها قلق خافي وراه غضب أعمى.
* “تعرفي تعملي حاجة ولا هتخافي؟” قالها أدهم وهو بيختبر ثباتها.
سارة مدت إيدها بكل جراءة، وشقت قميص حمزة الملطخ بالدم عشان تبين مكان رصاصة الغدر، وبدأت تطهر الجرح ببرود كأنها متعودة على مناظر الموت دي كل يوم.
حمزة بص لها بنص ضحكة وجع: “طلعتي مش مجرد خدامة يا سارة.. دي إيدك خفيفة كأنك دكتورة جراحة!”
أدهم قرب منها، مسك إيدها لحظة وهي بتنضف الجرح، وبص في عيونها مباشرة وقال بصوت خشن:
* “لو كنتِ هربتي من هنا زي غيرك.. كنت زمانك برة الجحيم ده.. بس دلوقتي.. إنتي دخلتي في عش الدبابير وما فيش رجوع.”
سارة سحبت إيدها بهدوء، وكملت شغلها وهي بتقول بثبات: “أنا ما بخافش من الدبابير يا سيد أدهم.. أنا كل حياتي كانت لدعات وعتمة، ما فيش أكتر من كده هيحصل.”
في اللحظة دي، التلاتة فهموا إنهم قدام ست مش زي أي حد عرفوه في حياتهم.. ست مش بس هتستحمل قسوتهم، دي هتقلب طاولتهم كلها وتخليهم يركعوا قدامها من غير سلاح.
#حكايات_شروق_خالدالفصل السابع
تحت المطر الغزير، أربع عربيات لاندروفر سودا انطلقت بسرعة جنونية على طريق الإسكندرية. أدهم كان قاعد قدام وجنبه حمزة ويوسف، وعيونه بتلمع بشر، وصوت الرعد بيضرب في السما كأنه إنذار بنهاية مهران وعصابته اللي تجرأوا يمدوا إيدهم على أملاك عائلة الهواري.
في القصر، الوقت كان بيعدي بطيء وثقيل على سارة. كانت قاعدة في أوضتها، عقلها مش مشغول بالخوف من المكان ولا من طلقات السلاح، بل بيتقلب بين نظرات أدهم الأخيرة وقلقها على أختها ياسمين. بس إحساس غريب وقوي كان جواتها بيقول إن الليلة دي مش هتعدي على خير، وإن المعركة دي هي اللي هتكشف كل الأوراق المستخبية.
على الساعة تلاتة الفجر، وصل أدهم ورجالته قدام المخزن الكبير التابع لمهران على أطراف الإسكندرية. المكان كان مهجور وظلمة، بس عربيات الحراسة بتاعت مهران كانت مركونة بره.
من غير ما يضيعوا ثانية، رجالة الهواري كسروا الباب الحديدي الضخم بضربة واحدة. أدهم دخل وبطنه بتغلي من الغضب، وعيونه بتدور على مهران لحد ما لقاه قاعد على كرسي وسط رجالة مسلحة وعليها علامات التوتر.
* “أهلاً بأدهم بيه.. منور إسكندرية في الجو الصعب ده!” قال مهران بابتسامة صفراء وهو بيحاول يداري رعب عيونه.
أدهم ما ردش عليه بحرف واحد. رفع مسدسه ببرود تام، وسدد طلقة استقرت في الترابيزة اللي قدام مهران مباشرة، لدرجة إن الكاسات اتفرتكت والابتسامة هربت من على وش مهران في ثانية.
* “لعبتك انتهت يا مهران،” قال أدهم بصوت خشن ومرعب يجمّد الدم في العروق: “الشحنة اللي حرقتها، هدفعك ثمنها من دمك.. ودم كل كلب واقف وراك!”
قبل ما مهران يلحق يفتح بوقه بكلمة دفاع، كان حمزة ويوسف ورجالة القصر هجموا عليهم زي الشياطين، وانطلقت معركة بالضرب والنار هزت المخزن كله من أساسته.
حكايات شروق خالد




