قصصمنوعات

زوجي

​— انت اللي أمرت يوقفوا التلفريك؟

​حمزة بص في عيني بثبات:

​— أيوة. كنتي محتاجة تهدي وتقعدي مع نفسك تفكري في اللي عملتيه.

​— سبتني متعلقة فوق في الثلج… عشان تعاقبني؟

​— بلاش دراما يا فريدة، كلها كانت عشر دقايق.

​مسعف قرب بسرعة وقال:

​— يا بيه، المدام عندها أعراض انخفاض حاد في حرارة الجسم وهيبوترميا، محتاجة تتنقل للرعاية فوراً!

​حمزة حتى مبصلوش ولوى وشه:

​— إحنا بنتكلم في موضوع شخصي وعائلي.

​شهد وطت عينها في الأرض ودمدمت الجاكيت حوالين جسمها أكتر.

​أنا فاكرة الحركة دي بتفاصيلها البشعة.

​صوابعها وهي بتلم الهدوم اللي كان المفروض هي اللي تدفيني وتسندني. نظرة جوزي المفترس اللي مستعجل ومخنوق. صوت عربيات الإسعاف والسرينات ورانا.

​وإيديا اللي لسه بترتعش، ومضمومة ومكبوسة على بطني اللي بيكبر فيها ابنه.

​في اللحظة دي حمزة قال الجملة اللي كملت على باقي أي أمل أو ثقة جوايا:

​— فريدة، اعتذري لشهد، وبعدها نمشي.

​بصيت له كام ثانية.

​هو افتكر إني بفكر أطيع كلامه وأسمع الأمر.

​ماكنش يعرف إن في نفس اللحظة دي، كنت بفتكر الخاتم اللي في صباعي من اليوم اللي وعدته فيه إني هشاركه عمري كله.

​بإيد ميتة من السقعة وبترتعش، بدأت أخلعه من صباعي.

​حمزة شاف اللي بعمله.

​وشه اتقلب وملامحه اتغيرت.

​— فريدة… انتي بتعملي إيه بالظبط؟

​رفعت عيني فيه، وأنا ماسكة الخاتم بين صوابعي المتلجة، ولأول مرة من يوم ما اتجوزنا، جوزي كان باين عليه الرعب والخوف الحقيقي.

​عشان لما مديت إيدي بالخاتم ناحيته… ماكنتش ناوية أعتذر ولا أطلب السماح…
حمزة بص للخاتم كأنه مش مصدق إن دي الحقيقة اللي قدامه.

​أنا يادوب كنت قادرة أحرك صوابعي. كانت ورمت من السقعة والبرد وبتوجعني وجع يهد الحيل، بس قدرت أحط الخاتم الصغير ده في راحة إيده.

​— أنا طالعة طلقة منك… عايزة أطلق — قلتها بكل ثبات.

​لثواني طويلة، محدش فينا نطق بكلمة.

​شهد بطلت عياض.

​حمزة قفل صوابعه جامد حوالين الخاتم، وبص لي بنظرة عمر ما عيني شافتها منه قبل كده.

​— إنتي مجنونة؟ مش هتطلقي مني عشان شوية هبل وخناقة هبلة.

​— تقدر تامر الكل وتتحكم في أي حد يا حمزة. بس مش هتقدر تجبرني أحبك غصب عني.

​المسعف دخل وقطع كلامنا. المرة دي مستنتش جوزي يرد أو يتكلم.

​خليتهم ياخدوني وسندوني لحد العربية الإسعاف.

​حمزة نطق اسمي بصوت عالي ورايا، بس مبصيتش ورايا خالص.

​في المستشفى، الدكاترة بدأوا يكشفوا عليا. قاسوا حرارة جسمي، وشافوا جسمي استجاب إزاي لموجة البرد القارس، وبقوا يسألوني أسئلة كنم باخد وقت طويل عشان أرد عليها.

​أخيراً جمعت طاقتي وقوتي وقلت الجملة الوحيدة اللي كانت تهم في الدنيا دي كلها.

​— أنا حامل. أرجوك، طمني، ابني كويس؟

​وش الدكتور اتقلب وبقى جاد وصارم.

​طلب بسرعة يكملوا الفحوصات والتحاليل.

​وبينما أنا قاعدة بستنى، بصيت لقيت تليفوني بينور برسائل حمزة اللي ملات الشاشة.

​برضو لسه بيتكلم عن شهد.

​ولسه مصرّة إني بالغت وعملت تمثيلية.

​ولا حتى مرة واحدة سأل إذا كان ابنه وإبناً في أمان، أصلاً هو لسه ماعرفش إنه موجود أصلًا.

​بعد دقايق، الدكتور رجع ومعه نتايج أول تحاليل.

​قعد جنبي، وبص في التقرير وقال بحذر:

​— فريدة، لازم أفهمك حاجة مهمة جداً عن اللي بنراقبه وندور عليه بعد التعرض للبرد الشديد ده…

​حسيت إن قلبي وقف في صدري ونبضاتي اتقطعت.

​ولما نطق الكلمات اللي جاية دي، فهمت كويس إن اللي حصل فوق على الجبل ماغيرش جوازي وبس… ده غير حياتنا كلها للأبد.

الدكتور بص في الأرض بحذر، وبعدين رفع عينه في عيني وقال بصوت هادي:

​— يا مدام فريدة، البرد القارس وانخفاض درجة حرارة الجسم للدرجة اللي وصلتلها، مع صدمة الرعب والتوتر اللي مريتي بيه… أثروا بشكل كبير على الحمل. للأسف، إحنا قدام خطر حقيقي وتهديد بالإجهاض.

​حسيت إن روحي بتتسحب من جسمي. دقات قلبي اتخبطت في صدري بجنون، وشهري اتقفل.

​— بس… بس ابني كويس؟ صح؟ قل لي إنه عايش!

​— نبض البيبي لسه موجود… بس ضعيف جداً، وبيحارب بالعافية. محتاجة راحة تامة ومتابعة دقيقة لحظة بلحظة، وأي انفعال أو صدمة تاني ممكن تنهي كل حاجة في ثواني.

​الدكتور سابني وخرج، وأنا فضلت قاعدة مبلمة، باصة لفراغ الحيطة. الدموع نزلت من عيني بغزارة، بس المرة دي مش من الوجع ولا من البرد… دي كانت دموع قهر وغضب أسود.

​الراجل اللي كان مفروض يحميني، اللي جوزير وحبيبي وأبو ابني… كان على وشك يقت\ل ابنه ببيان قسوة وجهل عشان يرضي ست زفتة زي شهد!

​لو كان حمزة عرف بالحمل… لو كان عرف إن فيه روح تانية بتكبر جوايا، كان هيعمل إيه؟ كان هيحبسني في قصره المنيع، هيحاصرني بسلطته وبطشه وسط عالم المافيا والدم بتاعه، وكان هيحرم ابني من الهوا والحرية زي ما عمل معايا بالظبط فوق الجبل.

​في اللحظة دي، الخوف اللي كان جارجني طول السنين اللي فاتت اتحول لحديد ناشف جوايا.

​مستحيل أخليه يعرف بالبيبي. مستحيل أربّي طفلي في عالم كله قسوة وجبروت وجرائم.

​وفجأة… باب الأوضة اتقلع من مكانه واتفتح بعنف.

​حمزة دخل الأوضة، ملامحه ناشفة وعيونه مليانة غضب واستعلاء. بصلّي وكأنه لسه بيلومني إني عملت كل ده عشان ألفت انتباهه.

​— خلصنا دراما وألاعيب يا فريدة؟ الدكتورة بيقولوا حالتك مستقرة، قومي البسي عشان نرجع القصر. شهد قاعدة مستنيانا في العربية ومقهورة من اللي عملتيه في نفسها.

​بصيت له.

​لأول مرة في حياتي، مبصيتش لحمزة بحب أو خوف… بصيت له وكأني باصص لغريب مقزز ومرعب، غريب ملوش أي أمان.

​— مش راجعة معاك يا حمزة.

​حمزة ضيق عيونه، وخطا خطوتين ناحية السرير بصوت جزمة بيخبط على الأرض بقوة:

​— انتي بتقولي إيه؟ اعدلي كلامك، أنا ما بحذرش مرتين.

​— وأنا ما بقيتش أخاف من تحذيراتك ولا من جبروتك يا زعيم المافيا. بينا انتهى خلاص. أوراق الطلاق هتجيلك على مكتبك بكره الصبح، ولو حاولت تقرب لي أو تقف في طريقي… هعرف أوريك وش تاني خالص، وش ما تتخيلش إنه موجود في فريدة الطيبة اللي كنت تعرفها.

​حمزة وقف مكانه متجمد، ملامحه اتفاجئت وكأنه اتضرب على دماغه بماسورة حديد. فتح بوقه عشان يتكلم، بس أنا مديت إيدي وقسّيت ملامحي في وشه.

​— اخرج بره اوضتي… وبرا حياتي كلها للأبد.

​خرجت من المستشفى بعدها بيومين، ومعايا سر واحد بس هو اللي كان بيكبر جوه بطني وبيديني القوة: ابن حمزة بقى بتاعي لوحدي، بعيد عن عيونه، بعيد عن إمبراطوريته السودا، وبعيد عن أي جحيم تاني كان ممكن يحرقنا سوا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى