أهلي اشتروا لأخويا شقة في نفس الشهر اللي قالوا لي فيه إنهم مش قادرين يدفعوا مليم واحد لعلاج بنتي. ماتت. وبعدها بسنين، هو احتاج متبرع في .. أمي رجتني أساعد. شلت شنطتي، قلت جملة واحدة، والدكتور سأل: “يعني ده يعتبر…؟”لما وصلت مستشفى الدملاي درة المعادي، كان أخوي طارق جوه العناية المركزة ورا الإزاز، لونه ودراعه مليان كدمات.ممرضة كانت قالت لي قبلها كلمات “لوكيميا حادة”، كلمات خلت ممر المستشفى يميل بيا، كأن ممرات المستشفيات دي اتخلقَت أصلًا عشان ذكريات بنتي فريدة اللي كانت تمن سنين.من تلات سنين، فريدة كانت محتاجة علاج مناعي في مستشفى تخصصي كبير، والتأمين رفض يدفعه غير لما ندفع مقدم مئة ألف جنيه كاش.
أهلي قالوا لي إنهم ما معهمش ولا مليم.
وبعد تلات وعشرين يوم، سلموا طارق مفاتيح أربع أوض في التجمع كهدية جوازه.فريدة في نوفمبر ده.
دلوقتي، أمي كانت واقفة جنب دكتور طارق، عمالة تلف في إيدها الأساور لحد ما الخرز عمل صوت.
“يا سارة،” قالت لي، “الإخوات هما أملنا الوحيد عشان تطابق خلايا الجذعية. لازم يعملوا لك تحليل الليلة.”
إيدها اتقبضت قدام دقنها، نفس وقفة التوسل اللي عملتها وهي بتقول لي إن الفلوس ما تقدرش تعمل معجزات.
وراها، كان أبويا باصص في الأرض.
من الناحية التانية من الإزاز، طارق رفِع إيد بتترعش.
كان شكله مرعوب، مش حاسس بذنب، وده وجعني أكتر.
افتكرت لما كنت شايلة فريدة خارجة من جراج المستشفى بعد ما ألغوا ميعاد دخولها.
افتكرت لما فتحت تليفوني على إشارة المرور ولقيت وش طارق البابس قدام باب شقته الجديدة برباط أحمر كبير.
أمي لمست كمّ هدومي.
“ارجوكِ،” همست. “ده أخوكي.”
الدكتور ما كانش فاهم أنا ضحكت ليه.
الضحكة طلعت صغيرة ومكسورة، زي الهوا لما بيطلع من كاوتش مخروم.
”وفريدة كمان كانت اختي،” قلت لها.
أمي كشّت، وبعدين حاولت تتلصم بسرعة.
“دي حاجة تانية.”
“طبعًا تانية. طارق فيه حاجة أنتوا بتغلوها.”
طارق وشّه اتلف الناحية التانية بعيد عن الإزاز.
أبويا نطق أخيرًا.
“إحنا غلطنا.”
“لأ،” قلت له. “إنتوا اشتريتوا.”
الدكتور اتحرك بعدم ارتياح.
“يا مدام سارة، محدش يقدر يجبرك تتبرعي. كل اللي محتاجينه إذننا نسحب عينة دم عشان نطابق الأنسجة. بس الوقت بيجري.”
بصيت لطارق تاني.
حط جبهته على الازاز وعيونه مغمضة.
افتكرت آخر أسبوع لفريدة، وهي بتسألني لو جدو وتتا بطلوا يزورونا عشان المستشفيات غالية.
أنا كذبت عشان أحميهم.
هم عمرهم ما كذبوا عشان يحموني.
شلت شنطتي من على الكرسي البلاستيك.
أمي وقفت في طريقي.
“سارة، إنتي بتعملي إيه؟”
بصيت في عيونها وقلت الجملة الوحيدة اللي شلتها في قلبي تلات سنين.
“اسألي الشقة.”
الدكتور بص بينا, والقلم كان متعلق فوق ورقة الموافقة.
“يعني ده…؟”
“لأ،” قلت. “والمرة دي، مفيش حد يقدر يقول إن الندالة دي حب.”
الجزء التاني — السر اللي أمي ما كانتش عايزاني أعرفه أبداً
دوبك لسه واصلة أسانسير المستشفى لما حد نادى باسمي.
“يا سارة! استني!”
كانت مرات طارق، ريهام، تجري نحيي ودموعها نازلة على خدودها.
”ارجوكِ،” قالت وهي بتلتقط أنفاسها. “قبل ما تمشي، فيه حاجة لازم تعرفيها.”
شدّيت إيدي على شنطتي. “لو جاية ترجيني عشان طارق، وفرّي كلامك.”
هزّت راسها. “أنا جاية عشان أمك كذبت عليكي.”
بطني وقعت في رجلي.
طلعت ريهام ورقة مطوية من شنطتها.
“من تلات سنين، طارق عرف موضوع علاج فريدة. وقعد يرجى أهلك يستعملوا الفلوس اللي شالوها له لهدية جوازه.”
بصيت لها بذهول.
“قالهم إنه مش محتاج . كان عايز فريدة تعيش.”
”امال قَبِل ليه؟” همست.
صوت ريهام اتقطع. “عشان أمك قالت له إن فريدة خلاص اتقبلت في علاج على نفقة جمعية خيرية.”
ممر المستشفى حسيت إنه بيميل تحت رجلي.
“قالت له إن إنتي مش عايزة مساعدته.”
افتكرت مكالمات طارق المرتبكة، العزومات اللي رفضتها، وفرحه اللي ما رحتوش.
بعدين ريهام وريتني كشف حساب بنكي.
“طارق حوّل في السر مية ألف دولار لأهلك عشان فريدة. وهم وعدوه إنهم هيبعتوهم للمستشفى علطول.”
إيدي بدأت تترعش.
“الفلوس راحت فين؟”
ريهام بصت ناحية الأسانسير وهي مرعوبة.
“ده اللي طارق اكتشفه الأسبوع اللي فات. ويا سارة… أبوكي عارف كويس الفلوس راحت فين.”
قبل ما أرد، تليفوني رن.
كان أبويا.
أول كلمة قالها خلت الدم يجمّد في عروقي.
“مهما ريهام قالت لك، ما تصدقهاش. فيه حاجة عن علاج فريدة ما كانش مفروض تعرفيها أبدًا.”
الجزء التالت — الفلوس اللي كانت ممكن تنقذ بنتي
”يبقى قولي الحقيقة،” طلبت منه بإصرار.
أبويا ما نطقش.
”يا بابا، مية ألف دولار بتوع طارق راحوا فين؟”
نَفَسه بقى مش منتظم.
”أمك خدت قرار.”
حسيت إن ركبي بتهد. “قرار إيه؟”
”استخدمت الفلوس عشان تسدد دَين متعلق بشغل طارق. قالت إن العيلة هتخسر كل حاجة لو ما عملتش كده.”
مسكت الحيطة بإيدي.
”فريدة كانت بتموت، وإنتوا دفعتوا دَين تجاري؟”
”يا سارة، كنا فاكرين إن لسه فيه وقت.”
الكلمات دي كسرت حاجة جوايا.
”ما كانش فيه وقت تاني. فريدة كان عندها تمن سنين.”
ورايا، ريهام حطت إيدها على بوقها.
وبعدين أبويا همس، “طارق لقى ورق التحويل الأسبوع اللي فات. وواجه أمك الليلة اللي قبل ما يدخل المستشفى.”
لفيت وشي ناحية أُوضة العزل.
لمدة تلات سنين، كنت مفكرة إن أخويا اختار شقة على حساب بنتي.
بس هو كان حاول يساعدها.
وفي حد سرق الفرصة دي.
مشيت على طول رجعت لدكتور الدم.
”عايزة أعمل التحليل،” قلت. “مش عشان أهلي يستاهلوا السماح. عشان طارق يستاهل يعرف الحقيقة.”
الدكتور هز راسه. “هنرتب سحب الدم علطول.”
أمي جريت لقدام، والراحة ظهرت على وشها.
”يا سارة، الحمد لله! كنت عارفة إنك هتوافقي.”
رفعت كشف حساب ريهام قدامها.
ابتسامتها اختفت في ثانية.
”قولي لي ليه فلوس علاج فريدة راحت لدين شغل طارق؟”
أمي وشها بقى أصفر.
وبعدين الدكتور بص على الورقة وكشّر.
”استنى… رقم الحساب ده…”
بص لأمي.
”يا هانم، ليه الحساب ده مطابق للحساب اللي فريق التحقيق المالي في المستشفى عندنا علّق عليه إمبارح؟”
الدكتور كمل كلامه وبدأ يوضح للكل إن الحساب ده مش مجرد حساب عادي، ده كان محطوط تحت التحقيق الإداري والمصرفي عشان فيه شبهة تلاعب وسحب أموال من تبرعات المستشفى المخصصة لحالات غير قابلة للدفع، وإن الفلوس اللي دخلت الحساب ده متصنفة كأموال وممنوع التصرف فيها.
أمي اتصدمت وانهار دفاعها تماماً لما عرفت إن اللعبة اتكشفت قدام الدكتور وإدارة المستشفى، وبدأ أبويا يبرر بصوت منهار إنهم حاولوا يصلحوا الأمور بطريقتهم بس الأمور خرجت عن السيطرة، لكن سارة ما قبلتش أي مبررات وحسّت إن الستار اتقلب أخيرًا على الحقيقة الكاملة ورا كل السنين الصعبة دي.



