
بنتي عندها 16 سنة، فضلت صاحية طول الليل تخيط فستان لصاحبتها في الفصل — وتاني يوم الصبح، أم البنت سألتني:
“أنتِ عارفة هي ليه عملت كده بجد؟”
من يوم ما جوزي اتوفى، والدنيا بقت أنا وبنتي بس. مكنتش بقدر أجيب لها كل حاجة، بس كنت متأكدة إنها عمرها ما شكت لحظة في حبي ليها.
كانت بتموت في الخياطة ونفسها لما تكبر تبقى مصممة أزياء. بس بقى لها كذا ليلة بتسهر لوقت متأخر أوي، وشغالة على فستان مش ليها هي أصلاً.
سحبت كرسي وقعدت جنبها وقلت لها:
“يا حبيبتي، الساعة دخلت على واحدة بالليل، الموضوع مش هيطير يعني، ما تخليه لبكرة؟”
ردت عليّ:
“مريم هتغني في حفلة المدرسة يا بابا، قصدي يا أمي، وأمها معهاش فلوس تشتري لها فستان.”
مريم دي بنت معاها في نفس السنة، وأمها بتشتغل بتنظف مكاتب بالليل.
حركت صوابعها التعبانة، ومسكت الإبرة تاني وقالت:
“الولاد في المدرسة بيضايقواها بسبب هدومها. ومبارح راحت للمدرسة وطلبت منها تغني من ورا الستارة عشان محدش يشوفها.”
قلت لها بوجع:
“يا حبيبتي يا بنتي…”
“أنا عايزاها تلبس حاجة تفرح بيها وما تستخباش من حد.”
فردت الفستان على ركبتها وكملت:
“صوتها حلو أوي يا بابا، قصدي يا أمي، لو سمعتيها هتتفنني فيها.”
وبعدين جابت الجاكيت الأزرق اللي كان أبوها جايبهولها قبل ما يتوفى وحطته في الشنطة.
جيت أمد إيدي آخده، راحت ساحبة الشنطة مني بسرعة.
“خليها تاخده هو كمان، هينفعها.”
وصلتها للمدرسة الصبح بالعربية، وكانت طيرة من الفرحة إنها هتساعد مريم.
ولما جه بعد الظهر، قعدت مستنياها ترجع عشان تحكي لي اليوم مشي إزاي.
بس بدل ما تدخل تضحك، دخلت وعينيها مليانة دموع ودبت باب أوضتها وراها.
سألتها من ورا الباب:
“حد قالك حاجة ضايقتك عن الفستان؟”
قالت لي بصوت مخنوق:
“أرجوكي يا أمي، سيبيني في حالي دلوقتي.”
عملت لها العشاء اللي بتحبه، ساندوتشات الجبنة السايحة، بس حطتها وما لمستهاش.
بعد شوية، سمعت صوت عياطها مكتوم، ولما خبطت عليها، صرخت فيّ:
“قلت لك مش عايزة أتكلم مع حد!”
قلت يمكن مريم أخدت الفستان ومشكرتهاش، أو قالت لها كلمة جرحتها.
بس والله العظيم ما كان يخطر على بالي ولا على عقل بشر اللي حصل بعد كده.
جرس الباب رن تاني يوم الصبح بدري، جابني من أحلى نومة.
فتحت الباب ولقيت ست واقفة على العتبة وجنبها بنت رفيعة ولابسة الجاكيت الأزرق بتاعي.
وش البنت كان فيه حاجة مألوفة وجعاني في قلبي، بس مش قادرة أفتكر شفتها فين قبل كده.
الست سألتني:
“هي ليلى هنا؟”
قلت لها بذهول:
“أيوه، بس الساعة لسه ستة الصبح! خير في إيه؟ أنا أمها.”
شفايفها بدأت تترعش من القهرة.
“أنتِ فاكرة إنك عارفة بنتك؟ أنتِ فاهمة هي ليه إدت الفستان لمريم بجد؟”
رديت بثقة:
“عشان تساعدها! ليلى حكت لي على اللي بيحصل في المدرسة.”
الست انفجرت في العياط وطلبت مني آخد العلبة الصغيرة اللي في إيدها.
أول ما عيني جت على العلبة، وشي اتخطف والدم هرب من جسمي.
همست الست بكسرة:
“أنتِ ما تعرفيش بنتك خالص… أنا آسفة إني أنا اللي بفتح عينك على الحقيقة دي…”
إيديا كانت بتترعش وأنا بمدها وبآخد منها العلبة القطيفة الصغيرة.
العلبة دي أنا حافظاها كويس أوي، دي علبة السلسلة الذهب اللي جوزي الله يرحمه كان أهداهالي في أول جوازنا، وكانت أثمن حاجة حيلتي، ودورت عليها في الشقة بقالي أسبوع ومش لاقياها!
فتحت العلبة بضوافر بتتخبط في بعضها، ولقيت جواها السلسلة الذهب، ومعاها ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيدي:
“إلى ابنتي الحبيبة ليلى.. لما تكبري وتجوزي هتكون دي من ريحة أباكي.”
دموعي نزلت مغرقة وشي، ونظرت للست بذهول ومش فاهمة حاجة:
“السلسلة دي جابتهالك منين؟ وهي إيه علاقتها بالفستان؟”
الست مسحت دموعها بطرف طرحتها وقالت بصوت مجروح:
“أمبارح بنتي مريم جيلها البيت طايرة من الفرحة ولابسة الفستان والجاكيت، وكانت بتقول إن صاحبتها ليلى أهدتهم ليها.. بس لما جيت أظبط الفستان عشان الحفلة، لقيت العلبة دي ملفوفة في جيب الجاكيت من جوة!”
سكتت الست لحظة وبلعت ريقها وبصت لبنتها مريم وهي بتعيط وكملت:
“أنا ست فقيرة وبشتغل على باب الله، بس بنتي متربية على القرش الحلال. لما شفت السلسلة خفت وعرفت إن فيه حاجة غلط. ولما سألت مريم، اعترفت لي بالسر اللي ليلى كانت مخبياه عنك وعن الدنيا كلها!”
“سر إيه؟”
سألتها وقلبي كان بينبض في زوري من الخوف.
ردت الست:
“ليلى بنتك بتمر بوقت صعب بقالها شهر.. فيه طالب في المدرسة التقط لها صورة من غير ما تعرف، وبقاله أسبوعين بيضغط عليها بيها وبيطلب منها مبلغ كبير مقابل إنه ما ينشرهاش على الإنترنت.”
شهقت وأنا بحط إيدي على بوقي، والست كملت كلامها:
“بنتك كانت بتخيط الفستان ده عشان تبيعه لأسرة الولد. أخته كانت عايزة فستان للحفلة ومكنش معاهم وقت، فهو اتفق مع ليلى تخيطهولها مقابل إنه يبعد عنها وما ينشرش الصورة! ليلى قعدت تسهر الليالي وتشتغل وهي بتمر بخوف شديد عشان تحمي نفسها وتوفر الفلوس اللي طلبها منها من غير ما توجع قلبك أو تحسسك بحاجة.”
“بس وهي بتسلم الجاكيت لمريم، نسيت إنها كانت حاطة السلسلة الذهب في الجيب عشان تروح تبيعها للمحل اللي جنب المدرسة وتكمل بقية الفلوس اللي طلبها منها!”
الست مسكت إيدي بقوة وقالت:
“ليلى مش بس خيطت الفستان لمريم.. ليلى ضحت بأغلى حاجة عندها، وبالفستان اللي سهرت فيه عشان تحل المشكلة، وفي نفس الوقت مكنتش عايزة إحساس مريم يتجرح، فقالت لها إن الفستان ده ليها هي!”
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة ورايا.
اتلفت ولقيت ليلى واقفة عند الممر، عينها مليانة دموع ووشها أصفر من الخوف، وبتبصلي برعب وهي فاكرة إني هغضب عليها أو ألومها.
أنا مسمعتش باقي كلام الست.
رميت العلبة من إيدي وجريت على بنتي، أخدتها في حضني بأقوى ما عندي، ودموعي نازلة على شعرها وأنا بهمس في أذنها:
“سامحيني يا بنتي.. سامحيني إني سبتك تشيلي الحمل ده لوحدك.. والله لو الدنيا كلها وقفت ضدك أنا هكون ضهرك وسندك.”
ليلى انفجرت في العياط وهزت جسمها كله بين إيديا وهي بتقول:
“آسفة يا أمي.. كنت خايفة أزعلك أو أكسر قلبك عليّ بعد بابا ما مشي!”
بصيت للست وأنا ماسكة إيد بنتي وقلت لها بدموع ونبرة كلها قوة:
“أنا مش هسيب حق بنتي.. والنهاردة الحقيقة كلها هتتكشف قدام المدرسة كلها.”
خدت بنتي في حضني وأنا بوعدها إني مش هسمح لأي حد يضرها، ومسحت دموعها بإيدي وأنا بحاول أكون قوية عشانها.
بصيت لست مريم وقلت لها والدموع في عيني:
“أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أم مريم.. أنتِ ساعدتي بنتي ورجعتي لي روحي من تاني، وجيتك دي فوق رأسي من فوق.”
أم مريم مسكت إيدي وقالت:
“يا حبيبتي ده حق ربنا، وبنتك أخت لمريم وعملت معها اللي ما حدش يعمله.. ربنا يحميها لك ويحفظها من كل شر.”
دخلتهم جوة البيت وهديت بنتي، وقلت لليلى بصوت ثابت مليان إصرار:
“البسي هدومك يا ليلى، هنروح المدرسة حالاً.. والنهاردة حقك هيجي بالطريقة الصحيحة، وأي حد فكر يضغط عليك أو يضايقك هيتحاسب بالقانون.”
لبسنا ونزلنا كلنا على المدرسة.
أول ما دخلنا مكتب الناظر، طلبت منه يتصرف فورًا في الموضوع ويستدعي الطالب وولي أمره.
الناظر استغرب في الأول، بس لما شاف نظرة الإصرار في عيني وعرف الحقيقة، بدأ الإجراءات اللازمة واتصل بأهله.
الولد جه المكتب وهو فاكر إن محدش هيقدر يعمل له حاجة، لكن أول ما شاف أم مريم والسلسلة، وعرف إن الجهات المختصة تم إبلاغها، وشه اتغير وظهر عليه الخوف.
اتفتح محضر رسمي في ساعتها بخصوص الواقعة، وتم التعامل مع الهاتف والصورة بالطريقة القانونية، واتخذت الجهات المختصة الإجراءات اللازمة، والناظر قدم اعتذار رسمي لليلى قدام المدرسة كلها.
في نفس اليوم بالليل، كانت حفلة المدرسة.
مريم وقفت على المسرح ولابسة الفستان الأزرق الجميل والجاكيت، وصوتها كان يرن في القاعة بشكل رائع، والكل قعد يسقف لها بحرارة.
ليلى كانت قاعدة جنبي، ماسكة إيدي بقوة والابتسامة رجعت لوشها من تاني، وبصت لي وقالت بصوت واطي:
“شكراً يا أمي إنك صدقتيني وما سبتنيش.”
رديت عليها وأنا ببوس رأسها:
“أنتِ بنتي وحبيبتي يا ليلى.. وعمرك ما تخافي طول ما أنا عايشة في الدنيا.”
ومرت الأيام، والحياة بدأت ترجع لطبيعتها وأحلى كمان.
ليلى رجعت لضحكتها اللي كانت مفارقاها، وشغفها بالخياطة زاد أكتر من الأول.
المدرسة كلها بقت تتكلم عن موهبة ليلى في تصميم الفستان اللي ظهرت بيه مريم في الحفل، وبقت زميلاتها في المدرسة ييجوا لحد البيت يطلبوا منها تفصل لهم فساتين لمناسباتهم.
في يوم، جالي اتصال من مدير المدرسة، وطلبني أنا وليلى نمرّ عليه في المكتب.
استغربت وقلت:
“خير يا رب!”
لما دخلنا عنده، لقيناه مبتسم وبيمد إيده بملف كبير، وقال لليلى:
“يا ليلى، إدارة التربية والتعليم عاملة مسابقة على مستوى المحافظة لأفضل تصميم وتفصيل للموهوبين من طلاب المدارس.. وأنا رشحت اسمك رسميًا بناءً على الفستان اللي عملتيه لمريم!”
ليلى عينيها لمعت بدموع الفرحة، وبصت لي وهي مش مصدقة.
حضنتها وقلت لها بصوت مليان حب:
“شفتي يا أمي؟ ربنا عوضنا خير عن كل التعب والخوف اللي شفناهم!”
بدأت ليلى تشتغل على التصميم الجديد بكل حب وأمل، وبقت تقضي السهرات وهي بتخيط وابتسامتها مالية وشها، ومريم أمها بقت تيجيلنا البيت تساعدها وتساندها زي الأخوات وأكثر.
وجاء يوم إعلان النتيجة في احتفالية كبيرة بمسرح المحافظة.
وقفت ليلى على المسرح ودموعها نازلة وهي بتتسلّم الجائزة الأولى وميدالية التفوق في التصميم!
رفعت ليلى الجائزة لفوق، وبصت لي وسط الزحمة وقالت في المايك قدام الكل:
“الجائزة دي لأمي.. اللي صدقتني وتحملت عشاني وكانت ضهري وسندي في أصعب لحظات حياتي.”
في اللحظة دي، حسيت إن روح زوجي الله يرحمه مرتاحة ومبسوطة بينا.
وعرفت إن الحقيقة مهما اتأخرت، لازم تظهر، وإن الوقوف بجانب أولادنا وقت الأزمات هو أهم سند ممكن نقدمه لهم.
فستان مريم



