منوعات

في ظِلّ الغُول ج3 حكايات شروق خالد

قعدت على الكرسي الجلد المريح، وحطت الملفات قدامها. وفي ثواني، اختفت مريم الخايفة، وظهرت مريم المراجعة العبقرية اللي الأرقام بالنسبة لها لغة بتفهمها أكتر من الكلام.

ساعات طويلة مرت ومريم مغمورة في الشغل. أصابعها كانت بتتحرك على الكيبورد بسرعة وإتقان، وعينيها العسلي بتمسح شيتات الحسابات بالمليمتر.

وعلى الساعة ٨ بالليل، صوابعها اتسمرت مكانها قدام الشاشة.

عينيها اتوسعت وهي بتبص على حركة حسابات حساسة جرت من ٤ شهور. كان فيه تحويلات مالية ضخمة بتخرج من حسابات الموانئ الخاصة بعيلة العطار، وبتدخل في شركات أوفشور متسجلة باسم شخص محدد.. شخص مش جمال ولا رجالة المافيا الشارع، ده اسم «فاروق العطار».. عم حمزة الشقيق والشريك الأكبر في الشركة!

مريم بلعت ريقها بحرقة، وقفت قدام الشاشة بذهول. العجز اللي في الحسابات والتسريب اللي حمزة كان بيدور عليه مكنش من غريب.. ده كان من أقرب الناس ليه، من عمه اللي بيعتبره ضهره وسنده!

في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات تقيلة ورزينة برة المكتب. الباب اتفتح بالراحة، ودخل حمزة.

كان شالع الجاكيت ورافع أكمام قميصه الأسود، وبايّن على وشه الإرهاق من يوم شغل طويل وصعب في الميناء. أول ما شافها واقفة قدام الشاشات، ملامح وشه هديت، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفه.

— «لسه شغالة لحد دلوقتي يا مريم؟» صوته الرخيم ملا المكان وهو بيقرب منها: «دادة فاطمة قالتلي إنك ما طلعتيش من المكتب من الصبح ولا أكلتي حاجة.»

مريم كانت واقفة بتترعش خفيف، مسكت في حرف الترابيزة وبصت له بعيون مليانة حيرة وخوف عليه: «أستاذ حمزة.. أنا.. أنا لقيت التسريب.»

حمزة اتسمر مكانه، ونبرة الهدوء اختفت فوراً من وشه، وحل محلها البرود والتركيز القاتل. قرب منها بخطوات هادية لحد ما بقى واقف جنبها قدام الشاشة مباشرة:

— «مين؟»

مريم شاورت بـ إيدين بترتعش على الشاشة وعلى أوراق التحويلات المطبوعة: «التحويلات كلها طالعة بإمضاءات وشيفرات معتمدة من الحساب الرئيسي.. اللي بياخد الفولس وبيغسلها لحسابه الخاص هو عمك.. الأستاذ فاروق.»

السكوت اللي نزل على الأوضة كان يمرض.

حمزة مبصش للشاشة كتير، عينيه الثلجية ثبتت على الورق لثواني معدودة قبل ما يغمض عينيه وياخد نفس بطيء. ملامح وشه مشدودة وقاسية زي الحجر، بس مريم شافت في عمق عينيه لمحة وجع مكسورة.. وجع الخيانة من أقرب الناس.

— «أنت.. أنت كنت عارف؟» همست مريم بصوت واطي وهي بتبص لملامحه.

حمزة فتح عينيه وبص لها طوالي، وقرب منها خطوة واحدة، وسحب كرسي وقعدها عليه بالراحة عشان لاحظ إن ركبها بتخبط في بعضها من التوتر.

— «كنت شاكك..» قالها بصوت هادي ورخيم بس مليان قسوة: «بس مكنش معايا دليل قاطع، ومكنتش عايز أصدق إن الراجل اللي عملني ووقف معايا بعد موت أبوي هو اللي يطعن في ضهري.»

رفع إيده بالراحة، وصوابعه القوية لمست خدها المحمر بنعومة ودقّة، ومسح خصلة شعر شاردة من على وشها: «بس إنتي جبتيلي الحقيقة يا مريم.. إنتي بذكائك ونظافتك حطيتي حد لكل المهزلة دي.»

مريم حسّت بدفء إيده على خدها، وقلبها بدأ يدق بسرعة رهيبة. بصت في عينيه وقالت بقلة حيلة: «هتعمل إيه دلوقتي؟ ده عمك..»

حمزة وطى رأسه لحد ما بقى قصاد وشها تماماً، ونفسه الدافي ضرب في شفايفها:

— «الخاين مالوش مكان في عالمي يا مريم.. حتى لو كان من دمي. وبكره الصبح كل الورق ده هيكون قدام مجلس العيلة، وهنهي أسطورة فاروق العطار للأبد.»

مسك إيدها الناعمة بين كفوفه القوية وضغط عليها بحنان وتملك: «واللي هيقف جنبي وأنا باخد حقي.. هي إنتي. من اللحظة دي، إنتي مش مجرد محاسبة القصر.. إنتي الست الوحيدة اللي ليها كلمة عليا وعلى عيلة العطار كلها.»

مريم بصت له والدموع اتجمعت في عينيها، بس المرة دي كانت دموع إحساس غريب بالأمان والراحة.. عرفت إن الغول اللي الدنيا كلها بتترعب منه، بقى هو السند والدرع الحقيقي اللي بيحميها من كل شر.

 

في ظِلّ الغُول

 

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى