
أول ما دخلت طوارئ المستشفى، الدكتور طلب أشعة فورية على الضهر والضلوع.
سارة كانت ماسكة في رقبتي بكل قوتها، خايفة من شكل الأجهزة ومن حركات الممرضين. فضلت جنبها، أملس على شعرها وأهمس لها: “أنا جنبك يا سارة.. محدش يقدر يلمسك طول ما أنا عايش.”
بعد نص ساعة، الدكتور طلع بالتقرير والأشعة.. وشش كان مشدود.
“فيه كدمة شديدة جداً في النسيج العضلي، وشعر بسيط في الضلع الخلفي القريب من العمود الفقري،” الدكتور قال وهو بيبصلي بجدية. “الحمد لله العمود الفقري سليم ومفيش تأثير على الأعصاب، بس ضربة زي دي طفلة في سنها كانت ممكن تسبب لها إعاقة دائمة. مين اللي عمل فيها كده؟”
لما سمعت كلمة “إعاقة”، حسيت إن جبل وقع على صدري. اتنفست بالعافية وقلتله: “اكتب التقرير الطبي بكل التفاصيل يا دكتور، أنا هعمل محضر فوراً.”
في نفس اللحظة، تليفوني مفرقعش رن. نورهان.. وبعدها والدتها.. وبعدها أخوها.
رديت على أخوها، وكان بيحاول يهدّي الموضوع: “يا أحمد، العقل زينة، نورهان بتعيط ومش قصدها، هي بس كانت مضغوطة من شيل البيت لوحدها والضغط عصبي.. ارجع البيت ونتفاهم.”
“تضغط عصبي تقوم تكسر ضلع بنتها؟” قلتله بصوت طالع بالعافية من كتر الغضب. “ابن اختك كان ممكن تتربى على كرسي متحرك يا خالد! مفيش كلام بيني وبينكم غير في النيابة.”
قفلت السكة في وشه ونضفت دموع سارة، وخدت التقرير الطبي وطلعت على قسم الشرطة.
عملت المحضر.. اتسجلت فيه الواقعة بالتقرير الطبي وبشهادة البنت. المأمور أول ما شاف شكل العلامة في الأشعة والتقرير، طلب استدعاء فورات لنورهان.
بعد ساعتين، نورهان جت القسم مع أخوها ومحامي. كانت بتبصلي بنظرات ترجي وكسرة غير اللي كانت واقفة بيها في البيت.
“أحمد.. عشان خاطر سارة، بلاش توصلها للحبس،” المحامي حاول يتكلم معايا جانبياً. “هي مستعدة تتنازل عن كل حقوقها وتوافق على الطلاق بالود، وتتنازل عن الحضانة ليك تماماً، مقابل إنك تسحب المحضر وما تضيعش مستقبلها.”
بصيت لسارة اللي كانت نايمة على الكنبة في مكتب الظابط من كتر التعب والألم بعد ما خدت مسكن.. بصيت لوشها البريء اللي اتقال له “هتختفي”، ورجعت بصيت لنورهان.
“الحضانة ترجعلي رسمياً وبشرط قانوني مفيش فيه راجعة، والطلاق يتم بكرة،” قلت بنبرة حاسمة. “غير كده، القَضية هتمشي ومُستعد أروح بيها لأعلى درجة قضاء.”
نورهان وافقت وهي بتعيط وبتمضي على الاتفاقات والتنازلات أمام المحامي والظابط، خوفاً من الحبس اللي كان بانتظارها.
رجعت الشقة مع سارة في فجر اليوم التالي.
الشقة كانت فاضية من وجود نورهان، بس كان فيها ريحة الخوف اللي سارحة بين الحيطان. غيرت لملايات السرير، نيمت سارة بالراحة جداً وعملت لها كمادات، وقعدت جنبه على الأرض أراقب نفسها الطالع والنازل.
فتحت عينيها بالراحة في الضلمة وبصتلي: “بابا.. هي ماما هترجع تاني؟”
مسكت إيدها الصغيرة وبستها: “لا يا حبيبتي.. محدش هيقدر يؤذيكي تاني أبداً. البيت ده هيبقى أمان ليكي وبس.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة ألمحها من يوم ما رجعت من السفر، وغمدت عينيها ونامت في هدوء..
وفي اللحظة دي، عرفت إن رحلة العلاج النفسي والجسدي لسارة هتكون طويلة، بس الأهم.. إن الكابوس انتهى، والحقيقة حررت بنتي.
#حكايات_شروق_خالدمرت الأيام والأسابيع، وكانت الشقة اللي أوقات كتير كانت مصدر للدفء، بقت محتاجة مجهود كبير عشان نرجع فيها روح الأمان من تاني.
الجرح الجسدي بتاع سارة بدأ يلتئم بالتدريج؛ الضلع شعرُه التأم مع الوقت والراحة، والعلامة الزرقا اللي كانت في ضهرها بدأت تتلاشى كأنها أثر بعيد، بس الخوف اللي استقر جوه روحها كان محتاج معجزة عشان يختفي.
في الأول، كانت بتصحى من النوم مفزوعة بليل، تتفقد الأكرة بتاعة الباب بصه مرعوبة، وتسألني بصوت واطي: “هو الباب مقفول كويس يا بابا؟”.
كنت بسيب كل حاجة في إيدي، وأقعد جنبها على السرير، أقرأ لها قصص وأحكي لها عن السفريات الجاية اللي هناخد فيها إجازة سوا، لحد ما إيدها تسترخي في إيدي وتنام.
اتقاعست عن السفر في الشغل لعدة شهور، وطلبت نقل لإدارة داخلية عشان أكون جنبها كل يوم الساعة أربعة العصر، أستناها قدام المدرسة، ونرجع نعمل الأكل سوا ونذاكر.
دخلتها جلسات علاج نفسي مع دكتورة متخصصة للأطفال، وكانت دي أهم خطوة. الدكتورة ساعدتها تفرّغ الخوف اللي كان كابت في حنجرتها، وتستوعب إن اللي حصل دا مش ذنبها، وإن العصير اللي اتدلق دا مجرد غلطة صغيرة بتمسحها الفوطة، مش ذنب تستاهل عليه الوجع.
أما بالنسبة لنورهان، فالمحامي خلص كل إجراءات الطلاق، والتنازل عن الحضانة اتقيد رسمياً في المحكمة بصيغة تنفيدية تضمن إن سارة مش هتبعد عني. أهلي وأهلها حاولوا يتدخلوا في الأول للصلح، بس لما شافوا تقرير المستشفى والأشعة، محدش جَرُؤ يفتح بؤه كلمة زيادة.
بعد سنة كاملة من العلاج والاهتمام والحرص على كل تفصيلة في حياتها، كنت قاعد في الصالة بالليل بشتغل على اللاب توب.
فجأة، سمعت خطوتين جاريين بالراحة على السيراميك.
بصيت، لقيت سارة جاية تجري عليا، ماسكة في إيدها كوباية عصير مانجو كبيرة. وقبل ما توصل لي، رجلها اتكعبلت في سجاد الصالة.. والكوباية وقعت، والعصير اتغرق بيه البنطلون بتاعي والسجادة جديدة.
سارة وقفت مكانها.
لثانية واحدة، شفت الرعب القديم بيلمع في عينيها.. كتافها اتشدت، وإيديها انقبضت، ووشها اصفر كأنها مستنية الصدمة.
أنا ما اتكلمتش.
نزلت على ركبتي فوراً، وجبت فوطة المطبخ اللي كانت جنبي، وبدأت أمسح العصير بابتسامة وهدوء تام، وبصيت في عينيها وقلت لها: “فداكي مليون سجادة يا سارة.. أهم حاجة إنتِ كويسة؟ رجلك اتلوت ولا حاجة؟”
سارة بصتلي وهي مش مصدقة، العضلات المشدودة في وشها بدأت تفك بالتدريج، وجسمها أخيرًا استرخى.
وبعدين.. اترمت في حضني بجد، وحضنت رقبتي بقوة وهي بتضحك ضحكة صافية طالعة من قلبها.
في اللحظة دي، وأنا حاسس بدقات قلبها الهادية جنب صدري، عرفت إن سارة أخيرًا خفت.. وإن البيت دا بقى بجد، مكان للسكينة والأمان.
أمان بعد الخوف
حكايات شروق خالد



