
“الراجل ده جالي المستشفى بنزيف حاد في دراعه من ست شهور.. العلامة دي كانت تحت الجلد مباشرة، ومحفورة بطريقة كاوية محدش ينساها.”
داغر بصلي بنظرة عميقة، فيها اندهاش وتقدير مش طبيعي.. كأنه بيعيد اكتشاف الشخصية اللي كانت شغال معاه سنتين من غير ما يديها اهتمام.
قبضته القوية اتثبتت على إيدي بأمان وهو بيسحبني ناحية المخرج الخلفي للقاعة:
“من الليلة دي يا دكتورة.. أنتِ مش بس بتعالجي جروحي في العيادة، أنتِ بقيتي العيون اللي بشوف بيها الضهر اللي محمي.”
وفي عربية المصفحة اللي كانت مستنيرانا بره، داغر قفل الباب وبصلي وسط ضلمة العربية وقرب مني:
“المرشدي فاكر إنه بيلعب معايا.. بس ما يعرفش إن الكارت الرابح بقى في إيدي أنا.”
……………………………….
حكايات شروق خالد
العربية المصفحة كانت ماشية ببينا بثبات في شوارع القاهرة الساكتة بعد نص الليل، والنور الخافت جوة العربية كان عكس ظلال متداخلة على وش داغر.
فضل باصص لي كام ثانية، عينيه متثبتة عليا بنظرة فيها تركيز يرعب وأنا حاسة بنبضات قلبي بتدق في ودني من سرعة الأحداث.
“أنتِ اسمك إيه الحقيقي يا دكتورة؟”
السؤال نزل عليا زي المية الساقعة. بلعت ريقي بصعوبة وقالت:
“فريدة.. فريدة الألفي.”
داغر رجع ضهره لورا على الكرسي الجلد الفخم، وفك زِرار القميص الأنيق بالأعلى وكأنه بيحاول يتنفس بالراحة، وقال بنبرة هادية بس تقيلة:
“فريدة.. سنتين شغال معايا في العيادة، بتطلعي الرصاص من أجساد الرجالة وما بتسأليش سؤال واحد، ولا بتطلبي زيادة ولا بتبصي في وش حد.. والنهاردة بتنقذي حياتي من محاولة اغتيال محترفة في وسط 500 واحد.”
قرب مني خطوة وهو مثبت عينيه في عينيا:
“المرشدي مش هينسى اللي حصل الليلة دي.. هو شافك وأنتِ بتهدسي خطته، وده معناه إن اسمك بقى على قائمة أهدافه من دقيقة واحدة.”
جسمي اتشنج من الخوف، بس حاولت أتماسك:
“أنا مالياش دعوة بتصفية الحسابات دي يا داغر بيه.. أنا مجرد ممرضة في العيادة—”
“كنتِ..” قاطعني بصوت قاطع وما فيهوش فصال.
“من اللحظة دي أنتِ مش هترجعي شقتك ولا هتمشي لوحدك في الشارع تاني. أنتِ هتقعدي في البنتهاوس تحت حمايتي المباشرة.. ورجالتي هيكونوا ضلك.”
بصيت له بذهول:
“حضرتك بتجبرني؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة، هادية وغامضة ظهرت على وشك لأول مرة الليلة دي:
“أنا بأمّنك يا فريدة.. والفرق كبير. المرشدي لو طالك هيستغلك عشان يكسرني.. وأنا مفيش حد بيقدر يكسرني.”
العربية وقفت قدام برج النصّار. الباب اتفتح، وداغر نزل ومد إيده ليّ عشان أنزل معاه.. إيده كانت دافية وقوية، ولما مسكتها عشان أنزل، حسيت بكهربا غريبة سرت في جسمي كلّه.
طلعنا البنتهاوس في الدور الـ 47، وسكون الليل جوة المكان كان عكس حالة الحرب اللي بدأت برة.
داغر مشي ناحية المكتبة الضخمة، فتح درج سرّي وطلع منه جهاز تليفون صغير مش متشفر، وحطه قدامي على الترابيزة:
“ده تليفونك الجديد.. محدش يعرف الرقم ده غيري. ومن بكرة، الشغل هيبدأ بجد.”
وقفت قدامه بثبات وقلت:
“شغل إيه؟”
قرب مني لحد ما بقى الفاصل بيننا خطوات بسيطة، وقال بصوت واطي ودافي:
“هنعرف مين الخاين اللي جوة منظمتي.. اللي أدى للجارسون التاتو والتذكرة عشان يدخل القاعة الليلة دي.. وأنتِ الوحيدة اللي عينيكِ بتلقط اللي محدش بياخد باله منه.”
………………………………
حكايات شروق خالد
بصيت للتليفون الصغير اللي حطه قدامي على الترابيزة، وبعدين رفعت عيني وقطعت النظرة القوية اللي في عينيه وقلت بنبرة هادية بس فيها حزم:
“أنا ممرضة يا داغر بيه.. شغلتي أداوي جروح وأقيس نبض، مش أطلع جواسيس ولا أدخل حروب تصفيات.”
داغر حط إيديه في جيوب بنطلونه، وخد خطوة بطيئة ناحية الشباك الكبير المظل على أضواء القاهرة، وقال بنبرة دافية وباردة في نفس الوقت:
“أنتِ دخلتي الحرب دي من اللحظة اللي لقطتي فيها التاتو وربكتِ إيد الجارسون.. المرشدي مش هيسيبك، والعيادة مش أمان ليكي خلاص. الخاين اللي بيننا هو اللي دخل الجارسون القاعة، وهو نفس الشخص اللي يسرب مكانك في ثانية لو خرجتي من الباب ده.”
الخوف سرى في عروقي، بس حاولت أقف بثبات وأنا حاطة إيدي على الفستان الأحمر اللي خفى ورائه كل مشاعري المتلخبطة:
“ومين قال لك إن الخاين مش ممكن يكون حد قريب منك جداً؟ حد بيقف في نفس الأوضة دي دلوقتي؟”
داغر التفت لي ببطء، وابتسامة خفيفة وساخرة اترسمت على شفايفه، وقرب مني لحد ما بقينا واقفين وشاً لوش، والمسافة بيننا ما تتعداش خطوات بسيطة:
“عشان الخاين كان زمانه سابني أشرب الكاس من إيد الجارسون وما ينطقش.. أنتِ الوحيدة اللي ما لكيش مصلحة في موتي يا فريدة. أنتِ الوحيدة اللي مش طمعانة في فلوس ولا نفوذ.”
سكت للحظة، ونظرة عينيه اتغيرت.. بقت أعمق وأشد ثقلاً:
“بكرة الساعة تمانية الصبح، هيكون فيه اجتماع مقفول لرجالتي الكبار في المقر الرئيسي.. كبار المديرين والمسؤولين عن حركة الشحنات. أنتِ هتدخلي معايا بصفة المتابعة الطبية الخاصة بي بعد محاولة الاغتيال.. وشغلتك الوحيدة إنك تبصي في عينين كل واحد فيهم وهو بيسمع خبر نجاة داغر النصّار.”
مسكت التليفون من على الترابيزة وقبضت عليه جامد، وقلت بصوت واطي:
“ولو لقطت النظرة دي.. هتعمل إيه؟”
داغر مال عليا وهمس بصوت تقيل كفيل يوقف الدم في العروق:
“ساعتها هتشوفي المعلم داغر النصّار على حقيقته.. اللي الناس كلها بتخاف منها.”
التفت وسابني مشي ناحية الأوضة الداخلية، وقبل ما يقفل الباب بص لي وقال:
“الأوضة اللي على يمينك جاهزة.. ارتاحي يا فريدة، الليلة كانت طويلة.. وبكرة هيكون أطول.”
دخلت الأوضة وقغلت الباب، وقفت ورا الباب وقلبي بيلف ويدور من شدة التوتر.. بقيت محبوسة في لعبة كبار، بين جدران القصر وفي حماية أكبر رأس في السوق، والستار لسه ما انزلش على الليلة دي!
……………………………….
حكايات شروق خالد
ما قدرتِش أنام طول الليل.
كل ما أغمض عيني، أفتكر منظر الكاسات وهي بتتحطم على الأرض، ونظرة داغر الثاقبة وهو بيميل عليا في وسط الزحمة.
الساعة جات تمانية الصبح بالدقيقة. طلعت الصالة ولقيت داغر واقف قدام الشباك، كالعادة، متأنق ببدلة كحلي متفصلة بالملي، بس المرة دي كان حاطط سلاحه في حزام جلدي مخفي تحت الجاكيت.
التفت لي، عينيه اتفحصت هيئتي. كنت رجعت لبست البالطو الأبيض والمظهر البسيط البارد اللي اتعود يلمحني بيه في المستشفى.
قال بنبرة هادية بس مليانة حسم: “جاهزة؟”
“جاهزة.. بس افترض محدش منهم اتربك؟ افترض الخاين محترف لدرجة إنه ما يبانش عليه حاجة؟”
داغر قرب مني، وابتسامة خفيفة ومظلمة اترسمت على شفايفه: “الخاين مهما كان محترف، لما يشوف الشخص اللي كان فاكر إنه مات واصل قدامه وفي كامل قوته.. عينيه بترف لنص ثانية. والنص ثانية دي هي شغلتك أنتِ الليلة دي يا فريدة.”
نزلت معاه في أسانسير خاص لستوديو المقر الرئيسي لشركات النصّار في قلب القاهرة. قاعة الاجتماعات كانت في الدور الأخير، قاعة ضخمة بجدران زجاجية بتطل على النيل، وحوالين الطاولة الخشبية العريضة كان قاعد 6 من كبار رجالاته ومسؤولي قطاعات النقل والأمن والمقاولات.
أول ما داغر دخل، الهيبة سادت الأوضة. الكل وقف في نفس اللحظة بحفاوة واحترام ظاهر.
“صباح الخير يا معلم.”
داغر مشي بثبات وقعد على رأس الطاولة، وأشار لي بيده أقف جنبه على بعد خطوة، بصفة المتابعة الطبية.
“اقعدوا.”
قالها داغر بنبرة حادة، وبعدين كمل وهو بيبص في وشوشهم واحد واحد:
“طبعاً كلكم سمعتم عن اللخبطة اللي حصلت في الحفلة إمبارح.. وسمعتم إن كان فيه محاولة رخيصة لتصفيتي.”
السكون غطى القاعة، والعيون كلها اتثبتت عليه.
داغر كمل بصوت واطي ومرعب: “الجارسون اللي حاول يعملها اتجاب.. ورجالتي حالياً بياخدوا منه كل التفاصيل في المخازن.”
في اللحظة دي بالظبط.. عينيا كانت بتتحرك بسرعة بين الوشوش، أراقب كل نَفَس، كل حركة إيد، كل رمشة عين.
المعلم “سامح”—مسؤول حركة السيارات والنقل—كان بيفرك إيديه بتوتر وشهقه خفيفة.
المهندس “طارق”—مسؤول المقاولات—كان باصص للورق اللي قدامه بجمود.
بس عيني لقطت حركة ثانية خالص!




