
“سعاد…” قلتها بصوت ثابت بشكل أرعبها هي شخصياً، “لو سليم حصلت له حاجة… السر اللي ورا الصورة هينزل على شبكة الإنترنت وعلى كل الصحف في مصر قبل ما توالي ساعة. أنا جاية المخزن… بس لو شفت نقطة دم زيادة على سليم، هتدفعوا التمن غالي.”
قفلت السكة في وشها من غير ما أستنى رد.
ما كانش قدامي غير حل واحد. سليم كان قايلي إن “الملفات هي السلاح الوحيد اللي هيقطع رقبتهم”. بس سعاد معاها الراديو القديم… يعني الأوراق تحت أيديهم؟
لا! أبويا الله يرحمه ما كانش بالسذاجة دي. افتكرت الجملة المكتوبة ورا الصورة كويس: (الملفات مش مدفونة في البيت يا ندى… الملفات جوه “الراديو القديم” اللي سايبينه أمانة عند سعاد).
ليه أبويا يكتب السر ده ورا الصورة، لو كان عارف إن سعاد معاهم؟
لأن الراديو نفسه طُعم!
أبويا كان عارف إن سعاد خاينة، وحط لها راديو مزيف عشان يشغلهم بيه، والسر الحقيقي في مكان تاني خالص… مكان محفور في ذكرياتي أنا بس!
الراديو القديم بتاع أبويا كان فيه واحد تاني شبهه بالضبط، كنا سايبينه في ورشة عمي “حسين” بتاع الساعات في السيدة زينب، الورشة المقفولة من يوم وفاة أبويا.
جريت في الشوارع الضيقة لغاية ما وصلت باب الورشة الخشبي القديم. كسرت القفل بحجر كبير، ودخلت وسط التراب. وعلى الرف الغرقان في العناكب… كان قاعد الراديو الترانزستور الأسود القديم.
فتحت الضهر بتاعه بفك مفك مصدي لقيتها!
فلاشة صغيرة (Memory Card) ومجموعة أوراق مطوية بعناية غرقانة بأختام ومستندات خطيرة… مستندات بتثبت تورط فاطمة وسعاد وعصابة كبيرة في عمليات تهريب ودم.
خدت الفلاشة والأوراق، وجريت على أول سايبر في الشارع. رفعت نسخة من كل الملفات على إيميل أمني، وظبطت موعد إرسال تلقائي لكل الجهات السيادية والنيابة العامة يشتغل بعد ساعة واحدة بالضبط… إلا لو أنا ألغيته كود من تليفوني.
دلوقتي… السلاح بقى في إيدي.
بعد 45 دقيقة، كنت واقفة قدام مخزن مهجور على النيل في منطقة القناطر.
المكان كان كئيب ومظلم، وصوت المية بتتلاطم مع الرصيف الخرساني.
فتحت الباب الحديدي الضخم ودخلت.
في نص المخزن، كان سليم الهواري مربوط في كرسي حديد، قميصه ملطخ بالدم، وعينيه مقفولة بالكامل كأنه فاقد الوعي. وعلى بعد خطوات منه، كانت واقفة الحاجة فاطمة وبجنبها سعاد، وحواليهم أربع رجالة مسلحيين.
“جيتي يا ندى…” سعاد قالتها بابتسامة صفرا وهي بتعدل نظارتها، “كنت عارفة إنك هباطة وست عاطفية، وسليم هو نقطة ضعفك.”
فاطمة خطت خطوة للأمام وهي ساندة على عصايتها، بصتلي بنظرة شريرة: “هاتي الصورة والورق اللي معاكي يا بت… وسليم هياخد رصاصة الرحمة ويرتاح، وأنتي هنسيبك تعيشي لو خرجتي من البلد دي فوراً.”
في اللحظة دي، سليم فتح عينيه بالراحة. أول ما شافني واقفة، عينيه وسعت من الصدمة، وهمس بصوت تقيل ومبشوش: “ندى… رجعتي ليه؟ قلتلك اجري…”
ابتسمت له من بعيد وقلت: “ما ينفعش أسيب القهوة سادة من غير ما أظبطها يا سليم بيه.”
بصيت لفاطمة وسعاد وطلعت الفلاشة والأوراق من جيبي، ورفعت التليفون في إيدي الثانية:
“اللي في إيدي دي مش الصورة… دي الملفات الأصلية اللي أبويا مات عشانها. والفلاشة دي عليها تسجيلات صوتية بصوتك يا فاطمة وأنتِ بتتفقي على .”
سعاد وشها اصفرّ: “أنتي بتلعبي بالنار!”
“النار ولعت خلاص يا سعاد،” كملت وأنا بوريها شاشة التليفون، “أنا ظابطة التليفون ده على عداد تنازلي.. فاضل 10 دقايق، والملفات دي هتكون على مكتب الناظر والنائب العام والشرطة. لو حد فيكم قرب مني أو مس شعرة من سليم، مش بس هتروحوا في داهية… أنتوا والشبكة بتاعتكم كلها هتتقطع رقبتها في المشنقة.”
الرجالة المسلحة بدأت تتبادل النظرات بقلق. فاطمة اتوترت، وعصايتها اترعشت في إيدها: “أنتي بتهددي مين يا جربوعة؟”
“بأهددك بيكي أنتِ!” صرخت فيها، “افتحي سليم وحليه يمشى معايا، وإلا أقسم بالله هتدوسي على زرار الإرسال دلوقتي فوراً!”
فاطمة بصت لسعاد بغضب، وقالت للرجالة: “فكوا سليم…”
لكن سعاد، اللي كان العمي والغل مالي قلبها، سحبت مسدس من
جنب جيبها فجأة وصرخت: “لا! مش هنضيع عشان بت خدامة! هقتلها وأخد التليفون!”
وفجأة… الصوت انفجر!
سعاد وجهت المسدس ناحيتي وضغطت الزناد!
في جزء من الثانية، سليم اللي كان إيده اتفكت بالراحة من غير ما حد يلاحظ، زق الكرسي بجسمه ورمى نفسه قدامي!
بم!
الرصاصة دخلت في كتف سليم!




