روايات وقصص

الوحش اللي سألته: إنت ؟ حكايات شروق خالد

لأول مرة، عمر ما ردش.

وعرفت من سكوته إن الراجل ماكانش بيكذب بالكامل.

قلت بصوت مرتعش:

“إنت تعرف حاجة عن أمي.”

عمر غمض عينيه للحظة.

وبعدين قال:

“أعرف.”

“وأبويا كان يعرفها؟”

“أيوه.”

“وأبوك؟”

سكت.

“عمر… أبوك كان له علاقة بموت أمي؟”

رفع عينيه لي.

والحقيقة اللي شفتها في عينيه كانت أسوأ من أي إجابة.

قال:

“أبويا هو اللي أمر .”

الممر كله سكت.

أنا رجعت خطوة.

“وإنت كنت عارف؟”

عمر هز راسه.

“لا.”

صوته اتكسر.

“عرفت بعد ما مات.”

الرجل الغريب ضحك.

“كفاية كذب.”

وفجأة ضرب النار في السقف.

صرخ فارس:

“انزلوا!”

عمر جذبني ووقعنا على الأرض.

لكن قبل ما أستوعب اللي حصل، سمعت صوت الرجل بيقول:

“خدوا البنت.”

عشرات الظلال اندفعت من السلم.

عمر وقف قدامي.

عينه اتحولت للذهبي بالكامل.

وزمجرته هزت القصر.

“محدش هيلمَسها.”

لكن وسط الفوضى، ظهر شخص من ورايا.

حسيت بحقنة دخلت في رقبتي.

لفيت بسرعة.

وشفت نرمين.

آخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تسود كانت صوتها:

“سامحيني يا سلمى… بس دي الطريقة الوحيدة عشان تعرفي الحقيقة.”

وبعدين فقدت الوعي.

ولما فتحت عيني…

كنت في مكان تحت الأرض.

قدامي ست كبيرة قاعدة على كرسي.

وأول ما شافتني، قامت ببطء.

قربت مني.

لمست وشي بإيد مرتعشة.

وبكت.

وقالت:

“يا بنتي…”

اتجمدت.

“إنتِ مين؟”

الست ابتسمت وسط دموعها.

وقالت:

“أنا أمك.”

حكايات شروق خالد

فضلت باصة للست قدامي، ومخي كان رافض يستوعب الكلمة اللي قالتها.

“أمي؟”

صوتي خرج ضعيف.

الست حطت إيدها على قلبها، ودموعها نزلت من غير ما تحاول تمسحها.

“أيوه يا سلمى… أنا أمك.”

ضحكت ضحكة قصيرة من شدة الصدمة.

“أمي ماتت.”

هزت راسها.

“دي أكتر كذبة أبوكي عاش طول عمره عشان يخليكي تصدقيها.”

رجعت لورا.

“إنتِ بتكذبي.”

“بصيلي كويس.”

رفعت إيدها وشدت شعرها بعيد عن رقبتها.

كان فيه أثر جرح قديم ممتد من تحت ودنها لحد كتفها.

“العلامة دي حصلت ليلة ولادتك.”

قربت مني.

“كنت في مستشفى قديم تابع لقطيع الجارحي. أبوكي دخل عليا بالليل وقال لي إن عمر الجارحي الكبير أصدر أمر .”

اتسعت عيني.

“ليه؟”

“عشان أنا كنت عارفة سر ماكانش ينفع أعرفه.”

“إيه السر؟”

سكتت.

وبعدين قالت:

“إنك كنتِ الوريثة الحقيقية.”

حسيت إني مش فاهمة.

“وريثة إيه؟”

“قيادة قطيع الجارحي.”

ضحكت تاني، لكن المرة دي دموعي نزلت.

“أنا؟”

“أيوه.”

“أنا بنت حسن حسن… زعيم قطيع كاسكيد.”

“حسن كان زوجي.”

اتجمدت.

“كان؟”

“أبوك اللي رباكي كان اسمه حسن، لكن حسن ماكانش أبوكي الحقيقي.”

الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة سمعتها في الليلة دي.

“مين أبويا؟”

الست غمضت عينيها.

“عمر الجارحي الكبير.”

شهقت.

رجعت خطوتين.

“إنتِ بتقولي إيه؟”

“عمر الجارحي اللي حكم القطيع قبل ابنه الحالي… كان أبوكي الحقيقي.”

سكت المكان.

افتكرت عمر.

عينيه.

قوته.

الطريقة اللي كان بيحميني بيها.

والكلمة اللي قالها الراجل الغريب:

“اسألها عن اللي حصل ليلة ولادتها.”

فجأة سمعت صوت باب حديد بيتفتح.

لفيت.

عمر دخل.

كان وشه مليان غضب، لكن أول ما شاف الست قدامي، اتجمد.

“ليلى.”

الست بصت له.

“اتأخرت يا عمر.”

عمر قرب خطوة.

“أنا كنت فاكر إنك ميتة.”

قالت:

“وأنا كنت فاكرة إنك نسيت وعد أبوك.”

عمر بص لي.

“إنتِ عارفة هي مين؟”

ردت:

“هي عارفة دلوقتي.”

بصيت لعمر.

“إنت كنت عارف؟”

سكت.

“كنت عارف إني بنت أبوك؟”

قال:

“كنت شاكك.”

“من إمتى؟”

“من أول ما شوفت صورتك.”

“وليه ماقولتش؟”

قرب مني.

“عشان كنت محتاج أتأكد قبل ما أقول لك حاجة ممكن تدمر حياتك.”

صرخت:

“حياتي اتدمرت أصلًا!”

ليلى قالت:

“سلمى، اسمعيني.”

لفيت لها.

“أبوكي اللي رباكي أنقذ حياتك.”

“إزاي؟”

“لما عرف إن عمر الجارحي الكبير ناوي وياخدك، هرب بيكي.”

سكتت لحظة.

“بس قبل ما يهرب، حصلت مواجهة.”

“مع مين؟”

بصت لعمر.

“مع أبوه.”

عمر شد فكه.

“كملي.”

ليلى قالت:

“أبوك كان ضعيف قدام قوة الجارحي. وكان عارف إنه مش هيقدر يخرجك لوحده.”

“وعمل إيه؟”

“سرق ملف.”

“أي ملف؟”

“ملف فيه أسماء كل أعضاء المجلس اللي كانوا متورطين في تجارة ممنوعة.”

عمر اتصدم.

“ملف المجلس القديم.”

ليلى هزت راسها.

“أيوه.”

فارس ظهر خلف عمر.

“يبقى الملف اللي بندور عليه من خمستاشر سنة…”

ليلى قالت:

“عند سلمى.”

بصيت لها.

“عندي أنا؟”

“أبوك خبّاه في المكان الوحيد اللي محدش هيشك فيه.”

عمر سأل:

“فين؟”

ليلى قربت مني.

“في اسمك.”

“مش فاهمة.”

“اسمك الكامل مش سلمى حسن.”

عمر قرب.

ليلى قالت:

“اسمك الأصلي سلمى عمر الجارحي.”

قلبي وقف.

في نفس اللحظة، دوّى انفجار فوقنا.

التراب نزل من السقف.

فارس صرخ:

“إحنا اتكشفنا!”

عمر مسك إيدي.

“لازم نخرج.”

لكن ليلى وقفت.

“مش هخرج.”

“أمي، تعالي.”

“لا.”

بصت لي.

“خديها.”

عمر فهم.

“إنتِ عايزة تفضلي هنا.”

ابتسمت.

“حد لازم يعطلهم.”

“مش هسيبك.”

ليلى قربت منه.

“إنت مش ابني، بس أنا ربيتك زي ابني.”

عمر عينيه لمعت.

“وأنا مش هسيبك.”

هزت راسها.

“لو فضلت، سلمى هتموت.”

سكت.

وبعدين بصت لي.

“أبوك اللي رباكي مات وهو فاكر إنه قدر يحميكي.”

مدت إيدها وحطت في كفي مفتاح صغير.

“لكن الحقيقة إن الحرب بدأت من جديد.”

بصيت للمفتاح.

“ده بيفتح إيه؟”

قالت:

“الخزنة اللي فيها الحقيقة كلها.”

عمر شدني ناحية الباب.

“يلا.”

وقبل ما نخرج، ليلى نادت:

“سلمى!”

لفيت.

قالت:

“لو عمر طلب منك تثقي فيه… متصدقيهوش بسهولة.”

عمر وقف.

بص لها.

“ليه؟”

ليلى ردت:

“عشان فيه حاجة أنا لسه ماقلتهاش.”

سكتت لحظة.

وبعدين بصت لي.

“أبوك الحقيقي ما ماتش.”

اتجمدت.

عمر وشه اتغير.

“مستحيل.”

ليلى قالت:

“عمر الجارحي الكبير عايش.”

وفجأة اتفتح الباب بعنف.

ظهر الرجل الغريب.

لكن المرة دي ماكانش لوحده.

كان وراه عشرات الرجال.

ابتسم وقال:

“أخيرًا وصلنا للبنت.”

عمر وقف قدامي.

والذئب ظهر في عينيه.

لكن الرجل قال:

“متتحركش يا عمر.”

ورفع صورة قديمة.

صورة أبويا اللي رباني.

وقال:

“عشان لو … مش هتعرف أبدًا مين اللي خان أبوك الحقيقي.”

عمر سكت.

الرجل بص لي.

“تعالي معايا يا سلمى، وهقول لك الحقيقة كاملة.”

قلت:

“وأصدقك ليه؟”

ابتسم.

“عشان أنا الوحيد اللي عنده التسجيل اللي يثبت مين أمك ليلة ولادتك.”

عمر بص لي بسرعة.

وأنا لأول مرة شفت الخوف في عينيه.

لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت من خلف الرجال.

صوت عميق، هادي، لكنه مليان قوة.

“محدش يلمس بنتي.”

كل الموجودين اتجمدوا.

الرجال فتحوا الطريق.

وظهر رجل عجوز طويل، شعره أبيض، وعينيه ذهبيتين.

أول ما شافه عمر، همس:

“أبويا…”

الرجل ابتسم.

وبص لي مباشرة.

“تعالي يا سلمى.”

وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:

“أنا مستنيكي من خمستاشر سنة.”

حكايات شروق خالد

وقفت مكاني كأني اتسمّرت في الأرض.

الرجل اللي قدامي كان المفروض يكون ميت من خمستاشر سنة.

لكن عينيه كانوا نفس لون عيني عمر.

نفس النظرة.

نفس الهيبة اللي خلت كل الرجالة اللي حواليه ينزلوا راسهم من غير ما يطلب.

عمر اتحرك خطوة لقدام.

“إنت مت…”

الرجل رفع إيده.

“متقولش الكلمة دي.”

عمر قبض إيده.

“أنت أمي.”

الرجل بص له بهدوء.

“أمك؟”

ضحك ضحكة باردة.

“أمك كانت أذكى من اللازم.”

ليلى صرخت:

“كداب!”

الرجل بص لها.

“لسه عايشة؟”

ليلى وقفت قدامي.

“ومش هتقدر تلمسها.”

الرجل ابتسم.

“أنا مش جاي ألمسها.”

وبص لي.

“أنا جاي آخد حقي.”

قلت وأنا بحاول أثبت صوتي:

“حقي إيه؟”

رد:

“إنتِ مش مجرد بنتي.”

عمر قال بغضب:

“اسكت.”

الرجل تجاهله.

“إنتِ الوريثة اللي كان المجلس القديم عايز .”

بصيت لعمر.

“ليه؟”

عمر قال:

“عشان وجودك كان هيغير ترتيب القيادة.”

الرجل ضحك.

“مش بس كده.”

قرب خطوة.

“دمك كان فيه حاجة نادرة.”

سألته:

“إيه؟”

“قدرة على كسر سيطرة زعيم القطيع.”

سكت الجميع.

عمر بص له.

“إنت عايز تستخدمها.”

“أنا عايز أرجع للحكم.”

ليلى قالت:

“وعشان كده كل اللي وقفوا ضدك.”

الرجل بص لها.

“أنا أمك.”

اتسعت عيني.

“إيه؟”

“أبوك هو اللي .”

ليلى صرخت:

“كذاب!”

الرجل أشار لواحد من رجاله.

الراجل طلع جهاز صغير وشغّل تسجيل.

صوت قديم خرج من السماعة.

كان صوت أبويا.

“لو حصل لي حاجة، سلمى لازم تفضل بعيدة عن الجارحي.”

وبعدين صوت رجل تاني:

“والست؟”

وصوت أبويا:

“ليلى هتختفي الليلة.”

التسجيل وقف.

بصيت لأمي.

“هو عمل كده؟”

دموعها نزلت.

“كان بيحاول ينقذني.”

الرجل قاطعها:

“كان بيحاول ينقذ نفسه.”

عمر قرب منه.

“فين باقي التسجيل؟”

الرجل ابتسم.

“في مكان مش هتقدر توصله.”

عمر قال:

“أنا هوصله.”

“مش قبل ما تسمع الحقيقة.”

وبص لي.

“أبوك الحقيقي ماكانش مجرد زعيم.”

سكت لحظة.

“كان أخطر راجل في تاريخ القطيع.”

أنا همست:

“وأنت؟”

ابتسم.

“أنا اللي خلتُه يبقى أخطر راجل.”

فارس رفع سلاحه.

“إنت بتتكلم كتير.”

الرجل بص له.

“وانت لسه بتتدخل في حاجات أكبر منك يا فارس.”

فجأة، فارس اتجمد.

عمر بص له.

“إنت تعرف فارس؟”

الرجل قال:

“أنا اللي عينته.”

سكت فارس.

أنا بصيت له.

“إنت كنت شغال معاه؟”

فارس نزل عينه.

عمر صوته بقى أخطر:

“فارس.”

فارس رفع عينيه.

“أنا كنت شغال معاه زمان.”

“وليه؟”

“عشان كنت بحاول أحمي عمر.”

الرجل ضحك.

“لا.”

وبص لي.

“كان بيحاول عمر.”

عمر رفع إيده.

“كفاية.”

فارس قال بسرعة:

“أنا كنت مأمور.”

“مين أمرك؟”

فارس سكت.

الرجل رد:

“أبوك.”

عمر بص له.

وبعدين لف لفارس.

“كنت عايز ؟”

فارس قال:

“كنت فاكر إن موتك هيمنع الحرب.”

عمر قرب منه.

“وإنت فشلت.”

فارس هز راسه.

“أيوه.”

قبل ما يحصل أي شيء، الأرض اهتزت بعنف.

صوت إنذار دوّى في المكان.

الرجل العجوز ابتسم.

“بدأت.”

عمر سأل:

“إيه اللي بدأ؟”

“.”

فارس بص للشاشة الموجودة على الحائط.

مئات النقاط ظهرت على الخريطة.

“فيه ناس دخلت القصر.”

عمر بص لي.

“لازم نطلع.”

لكن الرجل العجوز قال:

“مش هتطلعوا.”

وبص لي.

“الخزنة تحت القصر.”

اتسعت عيني.

“المفتاح.”

ابتسم.

“أيوه.”

عمر فهم.

“إنت عايزها تفتح الخزنة.”

“الخزنة فيها المستندات اللي تثبت حقي في القيادة.”

قلت:

“وأنا هفتحها ليه؟”

رد:

“عشان لو ما فتحتيهاش، عمر هيموت.”

عمر صرخ:

“متسمعيش كلامه!”

الرجل أشار ناحية السقف.

شاشة ظهرت عليها صورة مباشرة.

كان عمر الصغير… طفل عنده حوالي عشر سنين.

وحد ماسكه من رقبته.

اتجمد عمر.

“ده…”

الرجل قال:

“ابني.”

بص لي.

“لو ما فتحتيش الخزنة، مش هتشوفي عمر ده تاني.”

عمر بص لي.

“سلمى، مهما قال، متفتحيش.”

أنا بصيت له.

كان ممكن أخاف.

كان ممكن أهرب.

لكن افتكرت كل اللي حصل.

الديون.

أبويا.

أمي.

الصورة.

السبع ستات.

والليلة اللي دخلت فيها قصر الجارحي.

كل حاجة كانت متوصلة ببعض.

طلعت المفتاح من جيبي.

الرجل ابتسم.

“أحسنتِ.”

لكن قبل ما أسلمه له، قفلت إيدي عليه.

وقلت:

“هفتح الخزنة.”

ابتسم.

“كويس.”

“بس بشرط.”

اختفت ابتسامته.

“إيه؟”

بصيت لعمر.

وبعدين له.

“عمر ييجي معايا.”

قال:

“مستحيل.”

قلت:

“يبقى مش هفتح.”

عمر بص لي بدهشة.

الرجل سكت ثواني.

وبعدين قال:

“خدوه.”

رجاله اتحركوا.

عمر وقف قدامي.

“سلمى…”

مسكت إيده.

“المرة دي أنا اللي هحميك.”

عينيه اتسعت.

ولأول مرة من بداية الليلة، ابتسم.

ابتسامة صغيرة.

لكنها كانت كفاية عشان أفهم إننا بقينا في نفس الصف.

نزلنا السلم المؤدي للخزنة.

كان طويل جدًا.

كل ما ننزل درجة، الهواء كان بيبرد أكتر.

لحد ما وصلنا لباب حديد ضخم.

في منتصفه كان فيه مكان للمفتاح.

دخلته.

الباب أصدر صوتًا عميقًا.

وبدأ يفتح.

لكن أول ما النور اشتغل…

اتجمدنا كلنا.

لأن الخزنة ماكانش فيها فلوس.

ولا دهب.

ولا عقود.

كان فيها صور.

مئات الصور.

صور لستات دخلوا جناح عمر خلال السنين.

كل واحدة منهم عليها تاريخ.

وكل واحدة بعد دخولها اختفت من سجلات القطيع.

بصيت لعمر.

“إيه ده؟”

هو ما ردش.

قرب من الصور.

رفع واحدة.

صورة هالة.

خلفها مكتوب:

“المرشحة رقم 8.”

عمر بص لي.

وبعدين بدأ يقلب الصور بسرعة.

“واحدة…”

“اتنين…”

“تلاتة…”

وصل للصورة السابعة.

ثم توقف.

الصورة الثامنة كانت صورتي أنا.

وتحتها جملة واحدة:

“المرشحة الأخيرة.”

لكن كان فيه سطر تاني مكتوب بخط أحمر:

“هي ليست ضحية.”

عمر قرب من الورقة.

قرأها.

وبص لي.

“سلمى…”

“إيه؟”

قال:

“هم ما بعتوكيش هنا عشان تموتي.”

سكت.

“بعتوكي هنا عشان توقظي حاجة جوايا.”

قبل ما أسأله إيه، خرج صوت من السماعات:

“وأخيرًا فهمت.”

كان صوت الرجل العجوز.

“دلوقتي يا سلمى… اسألي عمر السؤال الحقيقي.”

عمر بص لي.

وأنا حسيت بقشعريرة في جسمي.

“أي سؤال؟”

الصوت رد:

“اسأليه مين قتل أمك.”

بصيت لعمر.

وكان واضح من عينيه إنه يعرف الإجابة.

لكنه كان خايف يقولها.

قلت بهدوء:

“عمر…”

رفع عينه لي.

“مين أمي؟”

فضل ساكت.

ثواني.

ثم قال:

“أنا.”

اتجمدت.

“إنت؟”

دموعه نزلت لأول مرة.

“أنا أمك.”

وسقطت الصورة من إيدي.

لكن قبل ما أصرخ، عمر قال:

“بس أنا كنت طفل.”

ثم رفع عينه لي.

“وأبوك الحقيقي هو اللي أجبرني.”

حكايات شروق خالد

فضلت باصة لعمر ومش قادرة أتكلم.

“إنت أمي؟”

عمر نزل عينه.

“أيوه… بس اسمعيني للآخر.”

رجعت خطوة.

“مفيش آخر.”

“كان عندي عشر سنين.”

صوته كان مكسور.

“أبويا حطني قدام اختيار مستحيل. قال لي يا أنفذ أو أمي قدامي.”

بصيت له بصدمة.

“وأمك؟”

“كانت بتحاول تهرب بيكي.”

دموعي نزلت.

“يعني أمي كانت عايزة تنقذني؟”

“أيوه.”

عمر قرب، لكن وقف بعيد.

“أنا ضربتها بالسلاح وأنا فاكر إني بحمي أمي. لكن أبويا كان مستخدم مادة بتشوّش عقلي. بعدها عرفت إنه كان مخطط لكل حاجة.”

ظهر الرجل العجوز عند باب الخزنة.

“كفاية.”

عمر لف له.

“إنت انتهيت.”

الرجل ضحك.

“أنا؟”

وفجأة فارس ظهر من وراه وضرب السلاح من إيده.

“المرة دي مش هتأمرني.”

بدأت خناقة عنيفة.

الرجالة اتخانقوا، والإنذار دوّى في كل القصر.

أنا جريت ناحية الملفات.

لقيت دفتر قديم عليه اسم أبويا.

فتحته.

وكانت فيه رسالة بخط إيده:

“سلمى، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميكي. عمر مش عدوك. أبويا الحقيقي هو اللي أمك، وعمر كان مجرد طفل استخدمه.”

انهرت في العياط.

عمر قرب مني.

“أنا آسف.”

بصيت له.

“أنا مش هقدر أنسى.”

هز راسه.

“ولا أنا طالب منك تنسي.”

في اللحظة دي، الرجل العجوز حاول يهرب.

لكن فارس وقف قدامه.

“خلصت يا عمر.”

عمر بص لأبوه.

“أنت دمرت أمي، وخوفتني وأنا طفل، ناس ملهاش ذنب، واستخدمت سلمى عشان ترجع للحكم.”

الرجل قال:

“أنا عملت اللي كان لازم يتعمل.”

عمر رد:

“لا.”

وقرب منه.

“إنت عملت اللي يخليك تحكم بالخوف.”

بعد ساعات، وصلت الشرطة ومعاها رجال من مجلس القطيع.

كل الملفات اتسلمت.

كل التحويلات اتكشفت.

واتضح إن الدين اللي على أبويا كان متضخم عمدًا، وإن الشركة كانت بتستغل القطيع من سنين.

أما السبع ستات اللي دخلوا جناح عمر، اتضح إنهم كانوا ضحايا لنفس المؤامرة.

بعضهم كان عايش، وبعضهم اختفى بعد ما اتخطف واتنقل لمكان تاني.

لكن الحقيقة أخيرًا ظهرت.

الرجل العجوز اتحاكم.

والأموال اللي اتسرقت رجعت لأصحابها.

أما قطيع كاسكيد، فالدين اتلغى بالكامل بعد إثبات التلاعب.

بعد أسابيع، رجعت لبيت أمي.

وقفت قدام صورتها لأول مرة وأنا عارفة الحقيقة كاملة.

حطيت وردة جنب صورتها.

وقلت:

“سامحيني إني معرفتش أدور عليكي.”

من ورايا سمعت صوت عمر.

“هي كانت مستنياكي.”

لفيت له.

كان واقف بعيد، ومش بيقرب.

وده كان الفرق بين عمر اللي قابلته أول ليلة، وعمر اللي عرفته بعد الحقيقة.

سألته:

“إنت لسه بتتعب؟”

ابتسم.

“أوقات.”

قرب خطوة.

“بس دلوقتي بقيت بعرف أقول.”

“تقول إيه؟”

“أنا تعبان.”

ابتسمت رغم دموعي.

“كويس.”

سكت شوية.

“وأنا؟”

“إنتِ إيه؟”

قال:

“لسه شايفاني وحش؟”

بصيت في عينيه.

“لأ.”

ابتسم.

“إيه اللي شايفاه؟”

قلت:

“راجل قضى عمره كله بيحارب وحش جواه، وفي الآخر اكتشف إن الوحش الحقيقي كان واقف وراه.”

ضحك لأول مرة من قلبه.

وبعدها بأيام، مجلس القطيع أعلن إن القيادة هتنتقل ليا باعتباري الوريثة الشرعية.

الرجالة اللي كانوا بيقولوا إني صغيرة، وقفوا قدامي وسكتوا.

أنا ما انتقمتش منهم.

قلت لهم:

“أنا مش جاية أحكم بالخوف.”

وبصيت لعمر.

“ولا هسمح لحد يستخدم الخوف عشان يحكمنا.”

عدت الشهور.

وأصبحت مسؤولة عن قطيعين بدل واحد.

أما عمر، فاختار يفضل جنبي.

مش كزعيم.

ولا كحارس.

لكن كشخص أخيرًا قدر يعيش من غير ما يخاف من نفسه.

وفي ليلة هادية، وقفنا قدام نفس القصر اللي بدأت فيه الحكاية.

قلت له:

“فاكر أول سؤال سألتهولك؟”

ابتسم.

“إنت تعبان؟”

“أيوه.”

“ولسه إجابته أيوه؟”

هز راسه.

“بس المرة دي مش لوحدي.”

مسكت إيده.

وبصيت للسماء.

ساعتها فهمت إن الليلة اللي دخلت فيها قصر الجارحي وأنا فاكرة إني رايحة أضحي بنفسي عشان أنقذ أهلي…

كانت في الحقيقة الليلة اللي أنقذت فيها نفسي.

ومن بين كل الأسرار والخيانة والدم والخوف، اتولدت حكاية عمر الجارحي وسلمى حسن…

الحكاية اللي بدأت بسؤال بسيط:

“إنت تعبان؟”

وانتهت بأن الوحش أخيرًا…

اتعلم يعيش كإنسان.

حكايات شروق خالد

الوحش اللي سألته: إنت تعبان؟

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى