
قلبي وقع.
“شوقي؟”
هز راسه.
“إزاي عرف إن الطرد وصل؟”
محمود ما ردش.
الخبطة التالتة هزت الباب.
وصوت راجل جه من بره:
“محمود… افتح.”
صوت هادي بشكل يخوف.
“أنا عارف إنك جوه.”
محمود مسك إيدي.
“اسمعيني كويس.”
قلت:
“إيه؟”
“لو دخل… خدي الفلاشة واجري.”
“وأنت؟”
“أنا هعطله.”
“لأ.”
“منى، دي المرة دي مش لعبة.”
سمعت شوقي بيقول من بره:
“يا محمود… بعد 15 سنة لسه فاكر إنك تقدر تخبيها؟”
بصيت لمحمود.
“هو عارف.”
هز راسه.
“أيوه.”
“وعارف إن الطرد وصل.”
“أيوه.”
“يبقى ليه لسه واقف برا؟”
محمود بص لي بنظرة غريبة.
“لأنه مستنيكي تخرجي.”
حسيت ببرودة في أطرافي.
“أنا؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
محمود قرب مني وقال:
“لأن الرسالة مش أهم حاجة.”
بصيت له.
“أمال إيه؟”
قال:
“أهم حاجة إن أبوكي كتب في آخر الرسالة اسم الشخص اللي كان بيساعده.”
“مين؟”
محمود سكت.
قلت:
“مين؟”
رفع عينه لي.
وقال:
“أمك.”
اتجمدت.
“أمي؟”
هز راسه.
“أمك كانت شريكة أبوكي في كشف شوقي.”
وقبل ما أستوعب، سمعنا صوت مفتاح بيدخل في باب الشقة.
بصيت لمحمود.
“إنت قلت إن الباب مقفول.”
قال:
“هو مقفول.”
المفتاح لف.
الباب بدأ يتفتح.
ومحمود وقف قدامي.
لكن قبل ما الباب يفتح بالكامل، سمعت صوت ست من الخارج.
صوت أعرفه كويس جدًا.
صوت أمي.
وقالت:
“محمود… ابعد عن بنتي.”
محمود رجع خطوة.
وأنا حسيت إن كل حاجة عرفتها عن عيلتي خلال عمري كله كانت مجرد كذبة كبيرة.
أمي دخلت.
وشها كان هادي بشكل غريب.
بصت لي.
وبعدين بصت للفلاشة اللي في إيدي.
وقالت:
“أخيرًا وصلتك.”
صرخت:
“إنتِ كنتِ عارفة؟!”
أمي ما ردتش.
دخلت وقعدت على الكرسي.
وقالت:
“أيوه.”
“إنتِ اللي بعتِ الطرد؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
بصت لمحمود.
وقالت:
“لأن الوقت جه تعرفي كل حاجة.”
محمود قال:
“ليه دلوقتي؟”
أمي ردت:
“لأن شوقي رجع.”
سألتها:
“رجع منين؟”
أمي بصت لي في عيني.
وقالت:
“من السجن.”
سكتنا كلنا.
ثم أضافت:
“واللي حصل لأبوكي ما كانش حادثة.”
أنا شهقت.
“يعني إيه؟”
أمي قامت.
“أبوكي اتقتل.”
محمود قال:
“إحنا عارفين.”
أمي هزت راسها.
“لأ… إنتوا ما تعرفوش مين اللي قتله.”
بصيت لها.
“مين؟”
أمي قربت مني.
وقالت بصوت منخفض:
“اللي قتله كان واحد من العيلة.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“وأنا عارفة مين هو.”
وفي اللحظة دي، موبايل محمود رن.
بص على الشاشة.
وشه اتغير.
مد لي الموبايل.
كان فيه رسالة واحدة من رقم مجهول:
“لو منى عرفت مين قتل أبوها… مش هتعيش لحد الصبح.”
رفعت عيني لمحمود.
وقلت:
“مين اللي بعت الرسالة؟”
بص لي وقال:
“الرسالة دي مش من شوقي.”
“أمال من مين؟”
محمود قرب الموبايل مني.
وكان الاسم اللي ظهر على الشاشة هو:
أخوكي.
حكايات شروق خالد
بصيت للموبايل وأنا مش قادرة أصدق اللي مكتوب قدامي.
“أخويا؟”
محمود هز راسه، وأمي قعدت على الكرسي وهي حاطة إيدها على قلبها.
قلت:
“إنتوا الاتنين عارفين حاجة وأنا آخر واحدة تعرف؟”
أمي دموعها نزلت.
“أخوكي مش هو اللي قتل أبوكي يا منى.”
صرخت:
“أمال مين؟!”
سكتت أمي شوية، وبعدين بصت لمحمود.
محمود قال:
“قولي لها.”
أمي أخدت نفس طويل.
“أبوكي اتقتل بسبب الفلاشة دي.”
بصيت لإيدي.
“بس إنتِ قلتي إن اللي قتله حد من العيلة.”
هزت راسها.
“أيوه.”
“مين؟”
أمي قامت ببطء.
وقالت:
“عمك حسن.”
اتصدمت.
“عمي؟”
“أيوه.”
وبدأت تحكي.
أبويا كان اكتشف إن عمي حسن هو اللي كان بيساعد شوقي يهرب الفلوس والأوراق، وكان بيستخدم اسم أبويا في معاملات مشبوهة.
لما أبويا اكتشف الحقيقة، قرر يفضحه.
وعشان كده اتقتل.
أما أخويا، فكان عارف جزء من الحقيقة، ولما شاف إن شوقي خرج من السجن، حاول يخوف محمود برسالة عشان يمنعه يفتح الفلاشة.
قلت:
“طب ليه ما قلتوليش كل ده من زمان؟”
أمي بصت لي بحزن.
“لأن أبوكي قبل ما يموت طلب مني أحميكي بأي تمن.”
بصيت لمحمود.
“وإنت؟”
قال:
“أنا وعدته.”
دموعي نزلت.
“وعدته بإيه؟”
قال:
“إني أفضل جنبك مهما حصل.”
سكت.
وبعدين قلت:
“حتى لو على حساب إنك تكذب عليا 15 سنة؟”
محمود وطى راسه.
“أنا غلطت.”
في اللحظة دي، سمعنا خبط على الباب.
لكن المرة دي كان خبط عنيف.
أمي همست:
“هو.”
محمود قام.
“خدوا الفلاشة.”
“وإنت؟”
“هكلمه.”
فتح الباب قبل ما شوقي يكسره.
دخل شوقي ومعاه راجلين.
لكن محمود كان مجهز نفسه.
قبل ما يحصل أي حاجة، صوت عربيات الشرطة دوّى تحت البيت.
شوقي اتجمد.
أمي ابتسمت.
قالت:
“المرة دي الأدلة وصلت للشرطة.”
شوقي حاول يهرب، لكن الشرطة كانت محاصرة المكان.
اتقبض عليه.
وبعده بأيام، اتقبض على عمي حسن، واعترف بكل حاجة.
الفلاشة كانت فيها تسجيلات ووثائق تثبت جرائمه، وكمان تسجيل قديم لأبويا وهو بيتكلم عن كل اللي حصل.
ولأول مرة بعد 15 سنة، الحقيقة ظهرت كاملة.
أما محمود، فقعد قدامي في الصالة بعد ما كل حاجة خلصت.
كان ساكت.
قلت له:
“كنت عايز تحميني.”
قال:
“أيوه.”
“بس إنت وجعتني.”
“عارف.”
“الثقة لما بتتكسر، مش بتتصلح في يوم وليلة.”
هز راسه.
“هستنى.”
بصيت له.
“هتستنى إيه؟”
قال:
“إنك تثقي فيا من جديد.”
مرت شهور.
ما كانش سهل.
بس محمود ما ضغطش عليا.
كان كل يوم يثبت لي إن اللي حصل كان خوف وغلط، مش خيانة.
وفي يوم، رجعت للشقة القديمة اللي كنا عايشين فيها أول سنة جواز.
وقفت قدام بابها.
نفس السلم.
نفس البلكونة.
بس أنا ما بقيتش نفس البنت اللي دخلتها من 15 سنة.
محمود وقف جنبي.
قلت له:
“فاكر أول يوم جينا هنا؟”
ابتسم.
“فاكر.”
“كنت فقيرة في الفلوس.”
ضحك.
“وكنتِ غنية في النكد.”
ضحكت رغمًا عني.
وبعدين بصيت له وقلت:
“بس دلوقتي عرفت إن أغلى حاجة مش الفلوس.”
“إيه؟”
“الحقيقة.”
مسك إيدي.
“وعشان كده مش هخبي عنك حاجة تاني.”
بصيت له.
“وعد؟”
قال:
“وعد.”
بعدها رجعنا بيتنا.
أما الطرد القديم، فاحتفظت بيه.
مش عشان أفتكر الخوف.
لكن عشان أفتكر إن الحقيقة مهما اتدفنت، ومهما عدى عليها سنين، بتلاقي طريقها في الآخر.
وأغرب حاجة إن صندوق الطرود اللي اشتريناه لمجرد الضحك، كان السبب في إنه يكشف سر مدفون من 15 سنة.
سر كان ممكن يضيع للأبد.
لكن في الآخر…
الطرد اللي كان المفروض يوصل من 15 سنة، وصل أخيرًا.
وصل في اليوم اللي كنا مستعدين فيه نعرف الحقيقة.
ومن يومها، كل ما أشوف كرتونة قديمة أو طرد مجهول، أفتكر إن مش كل حاجة بنفتحها بتكون مجرد حاجة ضايعة.
بعض الطرود بتوصل متأخرة…
لكن لما بتوصل، بتغير حياة أصحابها كلها.
الطرد اللي وصل بعد 15 سنة وكشف سر جوازي
حكايات شروق خالد




