
محمود فتح الصندوق.
لكن الصندوق كان فاضي.
نادين شهقت.
«إيه ده؟»
محمود قلبه.
«مفيش حاجة.»
ياسر ضحك.
«طبعًا مفيش حاجة.»
محمود رفع نحوه.
«كنت بتضحك علينا؟»
«لأ.»
ياسر أشار إلى الصندوق.
«إنت بتدور في المكان الغلط.»
نادين قربت.
«المقصود إيه؟»
ياسر بص لها مباشرة.
«إنتِ خبيرة تحف، صح؟»
«أيوه.»
«يبقى إنتِ اللي هتعرفي.»
نادين رجعت تبص للصندوق.
بدأت تفحصه.
مررت صوابعها على الجوانب.
ثم القاع.
ثم الغطاء.
وفجأة توقفت.
«فيه وزن زيادة.»
محمود سأل:
«فين؟»
«الغطاء.»
ضغطت عليه.
مفيش حاجة.
ثم قلبت الصندوق.
رأت أربع مسامير صغيرة.
«دي مش مسامير تثبيت.»
أخرجت أداة من حقيبتها وبدأت تفك واحدًا منهم.
ياسر قال:
«بالراحة.»
نادين بصت له.
«ليه؟»
«لأنك لو كسرتي القفل، الحاجة اللي جواه هتضيع.»
توقفت.
«قفل؟»
«أيوه.»
فكّت المسامير بحذر.
رفعت الطبقة الخشبية.
وظهر تجويف صغير.
وفي داخله…
مفتاح.
ومظروف قديم.
ومجموعة صور.
محمود مد إيده.
لكن نادين سبقته وأمسكت المظروف.
كان مكتوب عليه بخط واضح:
«إلى محمود… إذا وصل لك هذا الخطاب، فاعرف أن أخاك لم يمت.»
محمود سحب المظروف من إيدها.
إيده كانت بتترعش.
فتح الورقة.
بدأ يقرأ.
لكن بعد أول سطر، تغير وجهه.
نادين سألت:
«إيه؟»
محمود لم يرد.
مدت يدها.
«محمود.»
ناولها الورقة.
قرأتها.
وكان مكتوبًا:
«يا ابني، لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا فشلت أحميكم.»
توقفت نادين عن القراءة لحظة.
ثم أكملت:
«الحادثة اللي اتقال لك إن ياسر مات فيها كانت مدبرة. أخوك اتاخد غصب عني، وأنا حاولت أسترده.»
«لكن الشخص اللي أمر كان أقرب شخص لينا.»
«شخص من دمنا.»
تجمدت نادين.
أما محمود فكان بيحدق في الورقة كأنه مش قادر يصدق.
ثم قرأت السطر الأخير:
«ما تثقش في عمك فؤاد.»
ساد الصمت.
ياسر ابتسم.
«وأخيرًا عرفت.»
محمود رفع رأسه ببطء.
«عمي فؤاد؟»
«أيوه.»
«بس عمي من عشر سنين.»
«هو كمان؟»
ضحك ياسر.
«واضح إن عيلتنا عندها مشكلة غريبة مع .»
فجأة، سمعوا صوت سيارة توقفت أمام القصر.
ثم أبواب سيارات بتتقفل.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
ياسر بص ناحية الشباك.
«وصلوا.»
محمود سأله:
«مين؟»
ياسر قال:
«رجالة فؤاد.»
نادين شعرت ببرودة في أطرافها.
«بس إنت قلت إنه مات.»
ياسر نظر لها.
«أنا قلت إن عمي مات؟»
«أيوه.»
«أنا قلت إن عنده رجالة.»
ثم سحب من جيبه صورة صغيرة ووضعها أمام محمود.
الصورة كانت لرجل مسن.
نادين بصت للصورة.
ثم شهقت.
«ده…»
محمود قال:
«مستحيل.»
لأن الرجل الموجود في الصورة لم يكن فؤاد فقط.
كان نفس الرجل الذي كانت نادين قد قابلته قبل أسبوع، عندما وقعت عقد تقييم المكتب.
المحامي الذي أرسلته تركة ستيرلنج.
والرجل الذي أخبرها بنفسه أن صاحب التركة مات بلا ورثة.
نادين بدأت تستوعب الحقيقة.
«المحامي…»
محمود بص لها.
«إيه؟»
«هو مش محامي التركة.»
«أمال مين؟»
نادين همست:
«هو اللي كان بيدور على الصندوق من البداية.»
وفي اللحظة نفسها، انفتح باب القصر بقوة.
وصوت رجل جاء من الأسفل:
«نادين مراد!»
اتجمدت.
لأن الصوت كان يعرف اسمها.
«سيبي الصندوق وانزلي لوحدك.»
محمود وقف أمامها.
لكن الصوت أكمل:
«وإلا أخو محمود قدامكم.»
محمود بص ناحية ياسر.
ياسر ابتسم ابتسامة غامضة.
ثم قال:
«دي أول مرة يقولوا فيها الحقيقة.»
نادين همست:
«إيه قصدك؟»
ياسر نظر إليها مباشرة.
«محمود مش أخويا.»
وتجمدت ملامح الجميع.
ثم أضاف:
«هو ابني.»
حكايات شروق خالد
نادين فضلت واقفة مكانها كأن الزمن توقف.
«ابنك؟»
الكلمة خرجت منها بصعوبة.
محمود كان بيبص لياسر، وعينيه مليانة صدمة.
«إنت بتقول إيه؟»
ياسر ما ردش.
مد إيده للصندوق وأخرج الصور القديمة.
حط أول صورة قدام محمود.
كانت صورة لوالد محمود وهو شاب، واقف جنب سيدة جميلة.
وفي حضنها طفل صغير.
محمود مسك الصورة.
وشه تغير.
«دي أمي.»
ياسر أشار للطفل.
«وأنا كنت فاكر إن ده إنت.»
محمود رفع عينيه.
«مين الطفل ده؟»
«أنا.»
سكت الجميع.
ياسر أخرج شهادة ميلاد قديمة.
«أبوك وأمك اتجوزوا قبل ما جدك يوافق. ولما خلفوا طفل، أخدوه وسجلوه باسم العيلة.»
محمود هز رأسه.
«إنت بتقول إنك ابني؟»
«لأ.»
ياسر بص له.
«أنا بقول إنك أخويا.»
ثم ابتسم.
«لكن الطفل اللي في الصورة مش أنا.»
محمود اتجمد.
نادين بدأت تفهم.
«يبقى مين؟»
ياسر قال:
«أخونا التالت.»
محمود بص له.
«كان عندنا أخ تالت؟»
«أيوه.»
«فين؟»
ياسر أشار إلى الصور.
«ده هو السبب الحقيقي لكل اللي حصل.»
وفجأة دوى صوت طلقة من الدور السفلي.
تحطم زجاج.
نادين صرخت.
محمود سحبها خلف المكتب.
ياسر أخرج .
«هما دخلوا.»
محمود قال:
«لازم نخرج.»
ياسر هز رأسه.
«الخروج مش من الباب.»
أشار إلى المكتب.
نادين بصت له.
«المكتب؟»
«أيوه.»
«بس مفيش مخرج.»
«فيه.»
نادين بدأت تفحص قاعدة المكتب بسرعة.
ثم لاحظت الشعار.
«الشعار ده مش مجرد شعار عيلة.»
«عارفة هو إيه؟»
«علامة اتجاه.»
لفت جزءًا صغيرًا في النقش.
وفجأة تحركت قطعة من الحائط خلف المكتبة.
ظهر ممر ضيق مظلم.
محمود بص لها بدهشة.
«إنتِ عرفتي منين؟»
نادين ابتسمت رغم خوفها.
«أنا بشتغل في التحف بقالـي اتنين وعشرين سنة.»
ياسر قال:
«يبقى عندنا فرصة.»
دخلوا الممر وأغلقوا الباب خلفهم.
ظلوا يمشون دقائق طويلة حتى وصلوا إلى غرفة صغيرة تحت القصر.
هناك كان فيه جهاز تسجيل قديم.
ياسر ضغط على زر التشغيل.
وصوت والدهم خرج من السماعة:
«لو التسجيل ده اشتغل، يبقى فؤاد عرف مكان الصندوق.»
ثم سكت لحظة.
«ابني محمود… لو وصلت لك الحقيقة، سامحني.»
محمود بدأ يبكي للمرة الأولى.
«أنا ما فهمتش.»
الصوت كمل:
«فؤاد هو اللي سرق المكتب. وهو اللي دبّر الحادثة. لكنه لم يكن يريد . كان يريد شيئًا واحدًا…»
ثم جاء صوت طرق شديد على الباب.
«المفتاح.»
محمود نظر لياسر.
«أي مفتاح؟»
نادين رفعت المفتاح الموجود في الصندوق.
«ده.»
أدخلته في فتحة بجانب جهاز التسجيل.
انفتح درج سري.
وفي داخله دفتر حسابات.
أسماء.
أرقام.
تحويلات.
وتسجيلات تثبت أن فؤاد كان يدير شبكة إجرامية لسنوات، وأنه استخدم شركة ستيرلنج لغسل الأموال.
محمود قلب الصفحات.
ثم توقف.
وجد توقيعًا.
توقيع والده.
لكن بجانبه توقيع شخص آخر.
فؤاد.
وفي الصفحة الأخيرة كانت جملة واحدة:
«الوارث الحقيقي هو من يحمل الدم، وليس الاسم.»
نادين بصت لمحمود.
«يعني إيه؟»
قبل أن يرد، سمعوا صوتًا خلفهم.
«يعني إن محمود مش صاحب الثروة.»
استداروا.
كان فؤاد واقفًا عند الباب.
لكن شكله كان مختلفًا.
ماكانش رجلًا عجوزًا ضعيفًا.
كان واقفًا بثبات، وحوله رجال مسلحون.
قال:
«أنا صاحب كل حاجة.»
محمود رفع .
«إنت أبويا.»
«أبوك مات لأنه اختار يقف ضدي.»
«وخدت ياسر.»
«خدته عشان أحمي السر.»
ياسر ضحك.
«تحميني؟»
فؤاد بص له.
«لو كنت ، كان كل شيء انتهى.»
ثم نظر لمحمود.
«لكن أبوك خبّى الحقيقة في المكتب.»
نادين قالت:
«الحقيقة اللي في الدفتر هتوقعك.»
ابتسم فؤاد.
«مين قال إنكم هتخرجوا بالدفتر؟»
وقبل ما يرفع ، دوّى صوت سيارات الشرطة من الخارج.
فؤاد اتجمد.
نادين بصت لمحمود.
«إنت اتصلت بالشرطة؟»
محمود هز رأسه.
«لا.»
ياسر ابتسم.
«أنا.»
فؤاد صرخ:
«إنت!»
«كنت عارف إنك هتجيب رجالتك.»
ياسر رفع هاتفه.
«وكنت عارف إنك هتتكلم.»
فؤاد اندفع ناحية ياسر.
لكن محمود وقف بينهما.
«خلصت يا عمي.»
وبعد دقائق، دخلت الشرطة وألقت القبض على فؤاد ورجاله.
بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
تمت تبرئة والد محمود من كل الشبهات.
واستُعيدت ممتلكات العائلة.
أما المكتب القديم، فبقي في بيت محمود.
لكن نادين رفضت أن تحصل على أي أموال إضافية منه.
قالت له:
«أنا اشتغلت شغلتي وخلاص.»
ابتسم محمود.
«وأنا كنت فاكر إنك بتحبي الفلوس.»
«بحبها.»
ضحكت.
«بس مش لما تيجي ومعاها مصيبة.»
اقترب منها.
«والمصيبة اللي حصلتلك معايا؟»
بصت له.
«دي لسه ماخلصتش.»
ابتسم.
«إنتِ متأكدة؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
نادين أشارت إلى المكتب.
«لأن لسه فيه درج ما فتحناهوش.»
محمود اتجمد.
«إيه؟»
ضحكت.
«بهزر.»
فضل يبصلها ثواني.
ثم ضحك لأول مرة من قلبه.
بعدها بأيام، قررت نادين تترك عالم تقييم التحف لفترة.
لكنها احتفظت بالمفتاح الصغير.
أما محمود، فاحتفظ بالمكتب.
وفي الليلة الأخيرة، قبل ما نادين تمشي، وقفت أمامه وقالت:
«على فكرة…»
«نعم؟»
«الكلمة اللي قلتها لك أول يوم؟»
ابتسم.
«ابن الكلب؟»
نادين ضحكت.
«أيوه.»
«قوليها تاني.»
بصت له باستغراب.
«ليه؟»
اقترب منها وقال:
«المرة دي مفيش مكتب ولا تجويف ولا مافيا.»
سكت لحظة.
«بس عايز أسمعها منك.»
ضحكت نادين.
«إنت مجنون.»
«يمكن.»
«وابن كلب.»
ابتسم محمود.
«أهو كده أحسن.»
وبعد شهور قليلة، اتجوز محمود ونادين.
أما القصر القديم، فاتحول إلى متحف صغير يحمل اسم عائلة محمود، والمكتب ظل في منتصف القاعة.
وتحت الزجاج، وُضعت لوحة صغيرة مكتوب عليها:
«أحيانًا، أغلى الأسرار لا تكون مخبأة في الخزائن…
بل في الأشخاص الذين نثق بهم.»
أما نادين، فكانت كلما مرت أمام المكتب تبتسم.
لأنها كانت تعرف أن حياتها كلها اتغيرت بسبب شتيمة صغيرة خرجت منها في لحظة غضب.
والرجل الذي سمعها…
لم يغضب.
بل وقع في حب صاحبتها.
لعنة المكتب السري
حكايات شروق خالد




