منوعات

لعنة المكتب السري حكايات شروق خالد

«ساعديني تفتحي التجويف.»

«ولو قلت لأ؟»

محمود فضل يبص لها ثواني طويلة.

وبعدين قال بصوت هادي جدًا:

«أنا كمان بقول لأ لحاجات كتير.»

وسكت.

«والحاجات اللي بقول لها لأ… عادةً ما بترجعش تاني.»

حكايات شروق خالد

نادين فضلت واقفة مكانها، مش عارفة ترد عليه.

كانت فاهمة كويس إن الراجل اللي قدامها مش بيهزر.

لكن في نفس الوقت، كان فيه حاجة في عينيه مش شبه التهديد.

كان فيه خوف.

خوف حقيقي.

وده اللي لفت انتباهها أكتر من أي حاجة تانية.

بصت للمكتب.

وبعدين للدرج.

«لو أنا وافقت أفتح التجويف…»

قاطعها:

«مش هلمسه.»

«ولا حد من رجالتك هيلمسه.»

«ولا واحد.»

«ومش هتمنعني من الاتصال بمحامي لو لقيت حاجة غير قانونية.»

ابتسم محمود ابتسامة خفيفة.

«اتصلي بمين ما تحبي.»

نادين ضيقت عينيها.

«وفي حاجة تانية.»

«قولي.»

«لو حسيت إن حياتي في خطر، همشي فورًا.»

لأول مرة، اختفت الابتسامة من وشه.

«لو حسيتِ إن حياتك في خطر، أنا اللي هخرجك من هنا بنفسي.»

الجملة خلتها تسكت.

كان بيتكلم بجد.

مدت إيدها ببطء ناحية الدرج.

«وريني مكان الآلية.»

محمود ما اتحركش.

«إنتِ اللي اكتشفتيها. إنتِ اللي هتفتحيها.»

رجعت نادين تركع قدام المكتب.

فتحت الدرج بالكامل، وبدأت تتحسس الخشب بأطراف صوابعها.

«المشكلة إن التصميم مش معمول عشان يتفتح بسهولة.»

«كنت متوقع.»

«وده معناه إن اللي عمله كان عايز يخبي حاجة مهمة جدًا.»

محمود سكت.

نادين ضغطت على الدبوس النحاسي مرة تانية.

ثم سحبته قليلًا.

سمعت صوت طقة خفيفة.

«سمعت؟»

محمود قرب.

«أيوه.»

«ابعد.»

وقف مكانه.

نادين حطت أذنها على الخشب.

طَق…

طَق…

طَق…

الصوت جاي من جوه.

رفعت رأسها ببطء.

«في ميكانيزم تاني.»

«فين؟»

«مش عارفة.»

بدأت تفحص الحواف واحدة واحدة.

وفجأة لمست جزءًا صغيرًا في أسفل الدرج.

ضغطت عليه.

الخشب تحرك.

ظهر خط رفيع جدًا.

نادين شهقت.

«لقيته.»

محمود قرب خطوة، لكن نادين رفعت إيدها تمنعه.

«استنى.»

«ليه؟»

«لأن التجويف ممكن يكون فيه حاجة تانية.»

«زي إيه؟»

«ممكن يكون فيه آلية قفل.»

نظر إليها.

«قفل؟»

«أيوه. ولو التصميم قديم، ممكن يكون فيه زنبرك أو مسمار مخفي.»

محمود سكت.

نادين أخرجت أداة رفيعة من حقيبتها.

أدخلتها بحذر في الفتحة.

حركتها يمينًا.

ثم شمالًا.

وفجأة…

طَق!

الجزء السفلي من المكتب تحرك سنتيمترًا.

ظهر تجويف أسود.

لكن مفيش حاجة ظهرت جواه.

نادين قربت مصباحها الصغير.

وفي اللحظة اللي الضوء دخل فيها التجويف، اتجمدت.

«يا نهار أبيض…»

محمود قال:

«إيه؟»

نادين ما ردتش.

مدت إيدها ببطء.

وطلعت صندوقًا صغيرًا ملفوفًا بقماش قديم.

كان الصندوق أسود، وعليه شعار محفور.

نفس الشعار الموجود على أرجل المكتب.

محمود أخده منها.

أول ما شافه، وشه اتغير.

«ده هو.»

نادين بصت له.

«إنت متأكد؟»

مرر إصبعه على الشعار.

«كنت طفل عندي عشر سنين لما شفت الصندوق ده آخر مرة.»

سألته:

«كان عند مين؟»

«عند جدي.»

«وإيه اللي جواه؟»

رفع عينيه لها.

«ماعرفش.»

نادين استغربت.

«إزاي يعني؟»

«جدي مات قبل ما يقول لي.»

حط الصندوق على المكتب.

«لكن قبل  بيوم، قال لي جملة واحدة.»

«إيه هي؟»

صوته انخفض.

«قال لي: لو الصندوق رجع يومًا… ما تفتحهش قدام حد.»

نادين بصت للصندوق.

ثم قالت:

«واضح إنك ما بتسمعش كلام جدك.»

ابتسم محمود.

«واضح إنك إنتِ كمان.»

بصت له باستغراب.

«يعني إيه؟»

«إنتِ كان ممكن تمشي من هنا من أول ما شفتيني.»

«صح.»

«لكنِك لسه هنا.»

«عشان أنا فضولية.»

«لأ.»

اقترب منها.

«عشان إنتِ عايزة تعرفي الحقيقة زيي بالضبط.»

نادين ما ردتش.

لأن كلامه كان صح.

حط محمود إيده على غطاء الصندوق.

لكنه ما فتحوش.

نادين لاحظت حاجة.

«استنى.»

«إيه؟»

أشارت إلى الجانب السفلي.

«في حاجة مكتوبة هنا.»

مسح محمود التراب بإبهامه.

ظهرت كلمات محفورة بخط قديم.

قرأها بصوت منخفض:

«لمن يفتح هذا الصندوق… لا تثق في دمك.»

نادين شعرت بقشعريرة.

«يعني إيه؟»

محمود ما ردش.

لأن موبايله رن.

بص للشاشة.

ملامحه اتغيرت فورًا.

«مين؟»

لم يجب.

فتح المكالمة.

«اتكلم.»

جاءه صوت من الطرف الآخر.

نادين ما سمعتش الكلام، لكنها شافت وجه محمود يتحول من الهدوء إلى غضب شديد.

«إنت متأكد؟»

صمت.

«فين؟»

صمت تاني.

ثم قال:

«محدش يقرب منه.»

وقفل المكالمة.

نادين وقفت.

«في إيه؟»

محمود رفع عينيه لها.

«الراجل اللي كان مسؤول عن تصفية تركة ستيرلنج…»

سكت لحظة.

« من نص ساعة.»

نادين شهقت.

«إيه؟»

« في مكتبه.»

«مين ؟»

«ماحدش عارف.»

ثم نظر للصندوق.

«لكن في حاجة أسوأ.»

«إيه؟»

أخرج من جيبه هاتفه، وفتح صورة.

ناولها لنادين.

كانت الصورة لمكتب القصر.

نفس المكتب.

نفس النقوش.

لكن الصورة كانت متصورة قبل دقائق.

نادين قربت الهاتف من وجهها.

«دي…»

«أيوه.»

«مكتبنا.»

«بالضبط.»

بصت للصورة.

في الخلفية كان فيه شخص واقف عند باب المكتبة.

وجهه مش واضح.

لكن في إيده كان ماسك حاجة صغيرة.

نادين قربت الصورة.

وفجأة اتسعت عينيها.

«ده…»

محمود قال:

«إيه؟»

أشارت إلى يد الرجل.

«هو ماسك صندوق.»

سكت محمود.

«صندوق شبه ده بالضبط.»

نادين رجعت تبص للصندوق الموجود قدامهم.

وبعدين للصورة.

ثم همست:

«بس الصورة دي اتصورت قبل ما نفتح التجويف.»

محمود ثبت عينيه عليها.

«بالضبط.»

ساد الصمت.

ثم سمعا صوتًا من الدور السفلي.

خطوات.

بطيئة.

خطوة…

ثم خطوة تانية.

ثم صوت باب بيتقفل.

نادين بصت لمحمود.

«إحنا لوحدنا؟»

محمود لم يجب.

مد إيده داخل سترته.

ولأول مرة، رأت نادين شيئًا جعل قلبها يتوقف تقريبًا.

.

أخرج محمود مسدسًا صغيرًا، ووقف أمامها.

«خليكي ورايا.»

«مين اللي دخل؟»

«مش عارف.»

ثم أضاف بصوت منخفض:

«بس الشخص اللي دخل القصر… كان عارف إن الصندوق هنا.»

وفجأة…

انطفأت أنوار القصر كلها.

وفي الظلام، جاء صوت رجل من أسفل السلم:

«يا محمود…»

تجمد محمود.

الصوت أكمل:

«كنت عارف إنك هترجع له في الآخر.»

نادين همست:

«إنت تعرفه؟»

محمود لم يرد.

لأن الصوت كان صوت شخص يعرفه جيدًا.

شخص كان من المفترض أنه مات من سبعة عشر عامًا.

حكايات شروق خالد

نادين حسّت إن نفسها اتقطع.

بصت لمحمود، ولأول مرة من ساعة ما دخلت القصر، شافت الخوف الحقيقي في عينيه.

مش خوف على نفسه.

خوف من اللي جاي.

الصوت طلع من تحت السلم تاني:

«محمود… انزل.»

محمود رفع المسدس، وأشار لنادين إنها تفضل وراه.

«ما تطلعيش صوت.»

همست:

«مين ده؟»

قال من غير ما يبص لها:

«أخويا.»

نادين اتجمدت.

«أخوك؟»

«أخويا اللي مات من سبعتاشر سنة.»

صمتت.

من تحت، صدر صوت ضحكة قصيرة.

«لسه بتخاف من صوتي يا محمود؟»

محمود شد على المسدس.

«إنت مش أخويا.»

«ليه؟»

الصوت ضحك.

«عشان أنا مت؟»

بدأت خطوات بطيئة تطلع السلم.

خطوة.

ثم خطوة.

نادين قربت من محمود رغماً عنها.

«إحنا لازم نخرج.»

«مفيش خروج.»

«ليه؟»

«الأبواب اتقفلت أوتوماتيك.»

نادين بصت له.

«إنت بتقول إيه؟»

«القصر فيه نظام أمان. أول ما الكهرباء الرئيسية اتقطعت، كل الأبواب الخارجية اتقفلت.»

«طيب نفتحها يدوي.»

«ممكن.»

«يبقى ننزل.»

«هو مستنينا ننزل.»

بصت له.

«يعني إيه؟»

«يعني اللي تحت عايزنا نروح له.»

سكتت نادين.

وفجأة ظهر ظل عند أعلى السلم.

الرجل كان واقف في الظلام.

ملامحه ما كانتش واضحة.

لكن صوته كان واضح جدًا.

«محمود.»

محمود رفع .

«قف مكانك.»

الرجل وقف.

ثم قال:

«بقالك سبعتاشر سنة بتدور عليّ.»

محمود قال:

«إنت مين؟»

ضحك الرجل.

«لسه بتسأل؟»

وبعدين أضاء مصباحًا صغيرًا في يده.

نور خافت وقع على وجهه.

نادين شهقت.

الرجل كان في أواخر الأربعينات.

شعره أسود فيه خصلات رمادية.

وعينه اليسرى فيها ندبة طويلة.

لكن ملامحه…

كانت شبه محمود بشكل مخيف.

نادين بصت لمحمود.

«ده فعلًا أخوك؟»

محمود ما ردش.

الرجل ابتسم.

«أنا ياسر.»

صوت محمود خرج مخنوقًا:

«ياسر مات.»

«لا.»

رد ياسر.

«ياسر اختفى.»

ثم نزل عينيه للصندوق.

«والنهارده رجع.»

محمود رفع  أكثر.

«لو قربت خطوة، هضرب.»

«كنت متأكد إنك هتقول كده.»

وبهدوء، رفع ياسر إيده.

«بس قبل ما تضربني، افتح الصندوق.»

محمود قال:

«ليه؟»

«عشان تعرف مين اللي  أبونا.»

ساد الصمت.

نادين بصت لمحمود.

«أبوكم ؟»

محمود قال:

«أبونا مات في  عربية.»

ياسر ضحك.

«دي الحكاية اللي صدقتها سبعتاشر سنة؟»

ثم أشار إلى الصندوق.

«الحقيقة جوا.»

محمود قرب منه خطوة.

«لو بتكدب…»

«افتحه.»

نادين تدخلت:

«استنى.»

محمود بص لها.

«إيه؟»

«الصندوق عليه تحذير.»

أشارت للنقش.

«مكتوب: لا تثق في دمك.»

ياسر ابتسم.

«كويس إنك لاحظتي.»

نادين بصت له.

«إنت اللي كتبتها؟»

«لا.»

«مين؟»

«جدنا.»

محمود عبس.

«ليه؟»

ياسر قال:

«لأن جدنا كان عارف إن واحد من العيلة

التاني.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى