
أربع سنين كاملة، كنت أنا اللي شايلة بيتهم على إيدي.
بوقتي.
وبفلوسي.
وبمجهودي.
وفي اللحظة دي، أنا أخدت كل ده منيهم.
لكن ولا واحد فيهم كان يتخيل إيه اللي هيحصل لما الصبح ييجي.
وصلت الشقة قبلهم بساعة كاملة بعد ما أخدت تاكسي بقية الفلوس القليلة اللي كانت معايا.
دخلت الأوضة الضيقة، بصيت للحيطة اللي جنب السرير، وللكراتين اللي كانت كتمة نفسي. في اللحظة دي، دمعومي ما نزلتش… كان فيه هدوء غريب بيحل محل الخوف اللي كان جاسم على صدري لأربع سنين.
فتحت الدولاب، سحبت شنطة سفر قديمة، وبدأت ألم هدومي القليلة.
وأنا بلم هدومي، عينيا وقعت على الأجندة السودة اللي كنت شايلها تحت المرتبة. الأجندة دي ماكنتش مذكرات… كانت سجل حسابات.
كل قرش خرج من معاشي، كل فاتورة كهربا ومية وإنترنت دفعتها على أساس إنه “موقف مؤقت”، والخطاب القانوني لتوكيل الشقة اللي حسام خلاني أوقعه، واللي كان فيه بند بيثبت إن المبلغ اللي دفعه من حصة بيتي القديم كان على سبيل “الأمانة” المادية المشروطة برعايتي.
حسام ومنى افتكروا إني ست كبرت وما بفهمش في الورق. بس عبد الرحمن، جوزي الله يرحمه، كان محامي، وعلمني إن الورق هو السلاح الوحيد اللي بيحمي الضعيف لما الأقربين يخونوا.
على الساعة تسعة بالليل، اتفتح باب الشقة بعنف.
دخلت منى وحسام وشهم أصفر من الغضب. حسام كان بيصرخ:
— إيه الجنان اللي عملتيه ده يا هانم؟! سيبتينا في الموقف ده قدام الناس وضيعتي علينا العزومة؟!
منى دخلت وراه، ووشها أحمر من الغضب:
— إنتي فاكرة نفسك بتعاقبينا؟ اتفضلي لمي حاجتك واطلعي برة! إحنا مش متحملين وجودك خلاص!
وقفت بهدوء، وحطيت الأجندة السودة على الترابيزة جنب الشنطة الملمومة.
بصيت لمنى وقلت بصوت هادي ورزين:
— أنا فعلاً طالعة يا منى… بس مش زي ما أنتم فاكرين.
حسام ضحك بسخرية:
— ومشتتة! هتروحي فين يعني؟
قربت من الترابيزة، فتحت الأجندة، وشاورت على الورق المترتب بعناية:
— دي أصول الفواتير والتحويلات اللي تمت من حسابي لحسابك يا حسام على مدار أربع سنين… وده العقد المبدئي لبيع بيتي القديم، والبند الرابع اللي بيثبت إن ليّا حصة تقدر بـ 70% من الشقة دي بالورق والقانون.
انتفخ وش حسام، والصدمة شلت لسانه، بينما منى رجعت لورا خطوة وهي بتبص للورق:
— إيه… إيه الكلام ده؟
كملت بنفس الهدوء:
— أنا اتصلت بالأستاذ مجدي محامي أباكم قبل ما أوصل الشقة. المحضر اتقيد، ودعوى استرداد المبالغ والتمكين من الحصة المادية جاهزة للرفع الصبح. من بكرة، الحسابات البنكية اللي كنت بتسحب منها عشان العزومات والمظاهر هتتجمّد بحكم تحفظي.
منى صرخت:
— إنتي بتعملي فينا كده يا ماما؟! بعد كل اللي عملناه عشانك؟
بصلتها في عينيها بثبات لأول مرة من أربع سنين:
— أنتم ما عملتوش حاجة عشاني… أنتم استنزفتوني. واليوم، القروض اتسددت بالكامل.
سحبت شنطتي، ومشيت ناحية الباب. حسام حاول يقف قدامي وهو بيترعش، بس ما قدرش ينطق كلمة واحدة وهو شايف القوة والجمود في عينيا.
فتحت الباب، وبصيت لهم للمرة الأخيرة:
— الأكل اللي في العربيات كان بـ 980 دولار… بس الحرية اللي أنا اشتريتها الليلة دي مالهاش تمن.
نزلت السلم، وأنا سامعة صوت المحامي مستنيني تحت في العربية. لأول مرة من أربع سنين، خرجت للهواء المفتوح… وأنا مش ضيفة ولا خادمة، أنا فاطمة اللي استردت روحها وحقها.
ركبت العربية جنب الأستاذ مجدي. المستندات كانت مترتبة في ملف أسود على رجله، والنظارة الطبية بتعكس أضواء الشارع السريعة.
بصلي وقال بنبرة هادية فيها تقدير:
— كل حاجة جاهزة يا حاجّة فاطمة. الإنذار القانوني هيتوصل لحسام على مكتبه الصبح الساعة تسعة، وبكرة الظهر هيكون فيه أمر قضائي بالتحفظ على الحصة العقارية ومراجعة التحويلات المالية.
هزيت رأسي وأنا ببص من الشباك. الشوارع كانت فاضية، ونسيم الليل البارد كان بيدخل من الفتحة الصغيرة للزجاج… حسيت إنه بيمسح كل سنين القهر اللي عشتها جوة الشقة دي.
في نفس الوقت، جوة الشقة، كان حسام بيقلب في الورق بإيدين بتترعش. منى كانت واقفة جنبه، ووشها أصفر زي الشمع.
— حسام… الكلام ده صح؟ هي فعلاً تقدر تجمد حساباتنا؟
حسام ضرب المكتب بإيده بغضب، وصوته طالع مكتوم:
— أبُوها الله يرحمه ما سابلهاش فلوس بس… ساب لها دماغ محامي! الورق اللي سابته هنا صورة، الأصول كلها مع مجدي. البند اللي وقعت عليه وأنا باخد فلوس بيتها كان صريح… الشقة دي قانوناً أغلبيتها باسمها، وإحنا مجرد مقيمين!
منى قعدت على أقرب كرسي، وعينيها دمعت من الصدمة:
— يعني إيه؟ يعني هنترمى في الشارع؟
— لأ… مش هنترمى في الشارع، بس كل قرش دخل حسابي أو اتقال إنه “مساعدة” هيترد بالقانون، غير إن الشقة هتتحط تحت الحراسة لحد ما نسدد حصتها!
في الصباح الباكر، استأجرت شقة صغيرة ومفروشة بنظافة في حي هادي بالقاهرة. الشمس كانت داخلة من البلكونة، صبيت كوباية الشاي بالبابونج، وقعدت في الهدوء اللي حرمت نفسي منه أربع سنين.
الموبايل بدأ يرن.
كانت منى.
ما ردتش من أول مرة. سبته يرن لحد ما فصل.
ولما رن للمرة التانية، فتحت الخط وحطيته على السبيكر من غير ما أتكلم.
صوت منى كان طالع مكسور، عياط متواصل ونبرة ترجي عمرها ما استخدمتها معايا:
— ماما… أرجوكي ردي عليا. حسام جاله إنذار في الشغل، والحسابات اتجمدت. إحنا آسفين يا ماما… والله آسفين. ارجعي بيتك، الشقة بتاعتك، وإحنا اللي هنخدمك تحت رجليكي!
سحبت نفس طويل، ورشفت رشفة هادية من الشاي، وقلت بنبرة حاسمة ومش ممرورة:
— البيت اللي كان بيلمنا اتدمر يوم ما افتكرتي إن إطعام أمك وإكرامها “جميلة” بتمنيها عليها يا منى. أنا مش راجعة… والقانون بياخد مجراه. اللي بيني وبينكم دلوقتي مش كره… ده حساب مقفول.
قفلت الخط، وخلعت شريحة التليفون القديمة ورطبت إيدي بريحة البابونج الدافية.
لأول مرة من أربع سنين، أدركت إن العمر لما بيعدي، مش معناه إننا نرضى بالهوان… معناه إننا بقينا أقوى وأقدر على إننا نختار راحتنا، مهما كان التمن.
عدّت ست شهور على الليلة دي.
في شقتي الجديدة الصغيره، الشباك كان مفتوح على جنينة هادية، والشمس بتدخل تنوّر الأوضة كل يوم الصبح. مفيش كراتين مكتومة، مفيش حيطة، ومفيش صوت صريخ أو أوامر.
الأستاذ مجدي خلص كل الإجراءات القانونية. الشقة اتباعت في المزاد العلني بأمر محكمة، وأخدت حصتي كاملاً بالفوائد والتعويض عن المبالغ اللي اتسحبت مني بدون وجه حق. حسام اضطر يأجر شقة صغيرة في منطقة بعيدة، ومستقبله في الشغل اتأثر بعد المشاكل والقضايا اللي طاردته.
في يوم، وأنا نازلة أشتري حاجاتي الخفيفة من السوبر ماركت القريب، شفت منى واقفة عند المحل.
كان شكلها متغيّر… طفاه التعب والمصاعب اللي كانت فاكرة إنها بعيدة عنها. أول ما شافتني، كأن قدمها اتسمرت في الأرض. قربت مني ببطء، وعينيها مليانة دموع وكسرة.
“ماما…” قالتها بصوت مرتعش.
وقفت، وبصلتها بهدوء. ما كانش في قلبي غل ولا كره، بس كان فيه سور عالي ومبني بالمنطق والكرامة.
“آدم بيسأل عليكي كل يوم…” كملت وهي بتحاول تمسك إيدي، “أنا عرفت قيمة كل نقطة عرق عملتيها عشاننا يا ماما. أنا اتعلمت الدرس… بس الثمن كان غالي أوي.”
سحبت إيدي بالراحة، وقلت لها بنبرة هادية بس ثابته:
“الدرس ما كانش ببلاش يا منى… بس كان لازم تدرسوه. أنا سامحتك بقلبي كأم، بس مش هرجع أعيش في مكان يلغي وجودي. آدم يقدر يجي يزورني في أي وقت، وأبوابي مفتوحة له… لكن حياتي الخاصة ملكي أنا وبس.”
سيبتها وكمّلت طريقي.
أنا فاطمة… عندي اتنين وسبعين سنة. اتعلمت إن القوة مش إنك تصنع مشاكل، القوة إنك تعرف إمتى تقول “لأ”، وإمتى تمشي وتسترد نفسك قبل ما العمر يسرق الباقي منك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



