
— لأ.
— أمال الدم كان إيه؟
بصتلي.
— دمك.
قلبي وقع.
— إيه؟
— أخدت عينة منك وإنت نايم.
— وإنتِ عملتي كده ليه؟
— عشان أبعدهم عنك.
لكن قبل ما أتكلم…
سمعنا صوت عربية بتقف جنبنا.
باب العربية اتفتح.
محمود نزل منها، وهدومه كلها دم.
— أحمد!
جري علينا.
— لازم نمشي فورًا.
— ليه؟
بص لسارة.
— لأنهم عرفوا مكاننا.
ثم قال الجملة اللي خلتني أنسى كل حاجة:
— والمستشفى اتبلغت إن الطفل مش ابنك.
سارة شهقت.
— إيه؟
محمود قال:
— التحليل الرسمي اتغير.
بصيت له.
— يعني إيه؟
— حد بدّل عينة التحليل.
— ومين؟
محمود سكت.
ثم قال:
— الدكتور سامح.
اتجمدت.
الدكتور اللي وثقت فيه.
الراجل اللي بلغني إن ابني اختفى.
الراجل اللي كان واقف قدام شاشة المراقبة.
قلت:
— يعني هو اللي سرق الطفل؟
محمود هز راسه.
— لأ.
— أمال مين؟
بصلي في عيني.
— الدكتور سامح هو اللي سلّم الطفل للراجل اللي خطفه.
سارة بدأت تنهار.
— أحمد…
— إيه؟
قالت:
— الدكتور سامح مش لوحده.
— مين معاه؟
سكتت لحظة.
ثم همست:
— مدير شركتك.
بصيت لها.
— مستحيل.
— هو اللي كان بيمول كل حاجة.
سكت.
وفجأة فهمت ليه الشركة أرسلتني للقاهرة في الوقت ده بالذات.
وليه كل الأحداث بدأت بعد وصولي.
وليه كانوا عايزين يعرفوا كل تحركاتي.
الموضوع ماكانش صدفة.
أنا ما كنتش جاي مصر عشان صفقة.
أنا كنت جاي…
عشان هم يقدروا يوصلوا لي.
وموبايل محمود رن.
رد.
ثواني، ووشه اتغير.
— إيه؟
سكت.
وبعدين بصلي.
— الطفل رجع المستشفى.
— إزاي؟
قال بصوت منخفض:
— حد مجهول سلّمه للأمن.
— فين؟
— في نفس الحضانة.
قرب مني.
— لكن في حاجة تانية.
— إيه؟
— الطفل كان ماسك ورقة في إيده.
— مكتوب فيها إيه؟
محمود بص لسارة.
ثم قال:
— «أبويا الحقيقي مش أحمد.»
سكتنا كلنا.
وسارة…
وقعت منها الشنطة.
لأنها كانت عارفة مين كتب الجملة دي.
حكايات شروق خالد
سارة فضلت واقفة مكانها، ووشها أبيض كأن الدم انسحب منه.
بصيت لها وأنا حاسس إن قلبي هيقف.
— إنتِ عارفة مين كتب الجملة دي؟
ما ردتش.
قربت منها.
— سارة… مين أبو ابني الحقيقي؟
هزت راسها وهي بتعيط.
— أحمد، بالله عليك اسمعني قبل ما تحكم عليا.
— أسمع إيه؟! من أول ما رجعتي لحياتي وكل كلمة بتقوليها بتطلع وراها مصيبة!
محمود تدخل:
— لازم تعرف الحقيقة كلها.
بصيت له بعصبية.
— وإنت آخر واحد يتكلم عن الحقيقة.
سارة مسحت دموعها.
— الطفل ابنك.
سكت.
— أمال الورقة؟
— حد كتبها عشان يخليك تشك فيا.
— مين؟
سكتت.
بصت ناحية الطريق.
وبعدين قالت:
— أبوك.
اتجمدت.
— أبويا مات.
— عارفه.
— أمال إزاي؟
— قبل ما يموت، أبوك كان مجهز خطة كاملة.
محمود قال:
— الورقة دي جزء من الخطة.
طلعت الورقة من إيد محمود.
كان عليها اسم واحد تحت الجملة.
يوسف المنصوري.
اسم أبويا.
بصيت للاسم.
— دي مش ممكن تكون مكتوبة بعد موته؟
محمود هز راسه.
— ممكن.
— يعني إيه؟
— لأن الخط مش خط أبوك.
أخدت الورقة منه.
فضلت أبص عليها.
— مين خطه؟
محمود قال:
— سارة.
بصيت لها.
— إنتِ كتبتيها؟
هزت راسها بسرعة.
— لأ!
محمود قال:
— حد بيحاول يقلد خطها.
سارة قربت مني.
— أحمد، أنا عمري ما خنتك.
بصيت في عينيها.
لأول مرة من ساعة ما رجعت لحياتي، حسيت إن خوفها حقيقي.
قلت:
— طب قوليلي كل حاجة.
سارة سكتت.
وبعدين قالت:
— قبل طلاقنا بست شهور، أبوك كلمني.
— وقالك إيه؟
— قال إن فيه ناس بتراقبك.
— مين؟
— عيلة الشاذلي.
— ليه؟
— لأنهم كانوا عايزينك تكمل شغل أبوك.
ضحكت بسخرية.
— وأنا أصلًا ما كنتش أعرف أبويا بيشتغل في إيه.
— بالضبط.
سكتت لحظة.
— أبوك أخفى عنك كل حاجة.
— وإنتِ؟
— أنا عرفت بعد ما فتشت في مكتبه.
— ليه فتشتي؟
دموعها نزلت.
— لأن في يوم رجع البيت وعليه دم.
سكت.
— دم مين؟
— ما عرفتش.
— وبعدها؟
— بأسبوع، عربية حاولت تخبطني.
بصيت لها بصدمة.
— إنتِ ما قلتيليش!
— لأن أبوك طلب مني ما أقولكش.
— وإنتِ سمعتي كلامه؟
— كنت بحاول أحميك.
فضلت ساكت.
فجأة موبايلي رن.
رقم المستشفى.
رديت.
— ألو؟
صوت الدكتور سامح.
— أستاذ أحمد، لازم تيجي المستشفى حالًا.
— ليه؟
— الطفل رجع.
— عارف.
— لأ… إنت مش فاهم.
سكت لحظة.
— الطفل لما رجع، كان معاه ملف كامل.
— ملف إيه؟
صوته ارتعش.
— ملف والدك.
قلبي خبط.
— وإيه اللي فيه؟
قال:
— شهادة وفاة مزورة.
اتجمدت.
— يعني؟
— يعني والدك ممكن يكون لسه عايش.
قفلت المكالمة.
بصيت لسارة.
— أبويا عايش.
سارة حطت إيدها على بوقها.
— مستحيل.
محمود قال:
— لو ده حقيقي، يبقى كل اللي حصل كان مجرد بداية.
ركبنا العربية واتجهنا للمستشفى.
طول الطريق، كنت ساكت.
لكن جوايا سؤال واحد:
لو أبويا عايش…
مين الراجل اللي دفناه من عشر سنين؟
وصلنا المستشفى.
دخلنا الحضانة.
ابني كان نايم.
وقفت قدام الزجاج، وعينيه كانت مغمضة.
الممرضة قالت:
— لقينا الورقة دي في إيده.
أخدتها.
فتحتها.
كانت مكتوبة بخط مختلف.
«أحمد…
لو عايز تعرف مين أنا، بص تحت السرير رقم 7.»
بصيت لسارة.
ثم دخلت الحضانة.
مشيت لحد السرير رقم 7.
انحنيت.
كان فيه صندوق صغير.
فتحته.
جواه صورة قديمة.
أنا وسارة في يوم فرحنا.
لكن ورا الصورة كان مكتوب:
«الصورة دي اتاخدت قبل ما تعرف إن سارة كانت حامل.»
اتجمدت.
لأن التاريخ الموجود على الصورة…
كان قبل جوازنا بثلاث شهور.
بصيت لسارة.
— إنتِ كنتِ حامل قبل ما نتجوز؟
سارة بدأت تعيط.
— أيوه.
حسيت الدنيا بتلف.
— والطفل؟
هزت راسها.
— مات.
— أمال ابني ده؟
— مش هو.
رجعت خطوة.
— إيه؟
سارة قالت:
— ابننا الحقيقي مات قبل ما يتولد.
محمود دخل علينا.
— يبقى مين الطفل الموجود في الحضانة؟
سارة بصت للطفل من خلال الزجاج.
ثم قالت بصوت مكسور:
— ابن الشخص اللي أبوك كان بيحاول يحميه.
— مين؟
قبل ما تجاوب، باب الحضانة اتفتح.
وظهر راجل كبير على كرسي متحرك.
رفعت عيني عليه.
الراجل كان أصلع، ووشه شاحب، وعنده ندبة طويلة جنب عينه.
لكن رغم السنين…
عرفته.
صوتي خرج من غير ما أقصد:
— بابا؟
الراجل رفع عينه ليا.
وقال:
— اتأخرت يا أحمد.
سارة شهقت.
ومحمود تراجع خطوة.
وأنا حسيت إن كل حاجة في حياتي من يوم ولادتي لحد اللحظة دي…
كانت مبنية على كذبة واحدة.
أبويا مد إيده ناحيتي.
وقال:
— تعالى يا ابني.
— ليه عملت فيا كل ده؟
ابتسم بحزن.
— عشان أحميك من أمك.
بصيت لسارة.
وهي انهارت في العياط.
لكن أبويا قال جملة واحدة خلتني أفهم إن الكارثة الحقيقية لسه ما بدأتش:
— لأن سارة مش ضحية.
— سارة هي اللي بدأت التجربة.
حكايات شروق خالد
يوسف المنصوري فضل ساكت كام ثانية، وعينه ثابتة على سارة.
— سارة مش ضحية… سارة هي اللي بدأت التجربة.
أحمد حس إن الأرض اتهزت من تحته.
— إنت بتقول إيه يا بابا؟
يوسف تنهد وقال:
— بقول الحقيقة… بس مش الحقيقة اللي إنت فاكرها.
سارة كانت واقفة مكانها، وشها شاحب، لكن لأول مرة ماكانش في عينيها خوف.
قالت بهدوء:
— كمل يا يوسف.
بص لها، وقال:
— هي بدأت التجربة وهي عندها تسعتاشر سنة… بس مش بإرادتها.
أحمد قرب منه.
— يعني إيه؟
— أبوها كان واحد من الباحثين في مشروع الشاذلي. ولما اكتشف إن التجارب الأطفال، حاول يوقفهم. لكنهم هددوه ببنته.
سارة قاطعتهم:
— وأنا وافقت أكون آخر حالة اختبار… مقابل إنهم يسيبوا أبويا يعيش.
أحمد بص لها بصدمة.
— وإنتِ مخبية ده عني كل السنين دي؟
دموعها نزلت.
— كنت خايفة لو عرفت… تكرهني.
أحمد قرب منها، ومسح دموعها.
— أنا ممكن أكره كل الدنيا… بس مش إنتِ.
يوسف كمل:
— التجربة فشلت… أو ده اللي هم افتكروه. لكن سارة كانت أول إنسانة جسمها قدر يحتفظ بالجين المعدل من غير ما يموت.
محمود ابتسم لأول مرة.
— وعشان كده كانوا عايزين الطفل.
يوسف هز راسه.
— الطفل كان الحلقة الكاملة. لكنهم ماكانوش عايزين يربوه… كانوا عايزين يستخدموه.
أحمد بص ناحية سرير الطفل.
— يبقى ابني؟
يوسف قال:
— ابنك يا أحمد.
أحمد حس إن نفسه رجع له.
— والورقة اللي مكتوب فيها “أبويا الحقيقي مش أحمد”؟
محمود رفع الورقة.
— مزورة. اتكتبت علشان توقعك في الشك وتفصل بينك وبين سارة.
أحمد بص لسارة.
وفجأة فهم.
كل الأسرار…
كل الكذب…
كل المطاردات…
كل اللي حصل في القاهرة…
كان هدفه واحد.
إنهم يشكوا في بعض.
وفي اللحظة دي، صوت عربيات الشرطة ملأ المكان.
حمدي دخل وهو بيقول:
— خلصت.
أحمد سأله:
— خلصت إزاي؟
— الشركة اتقفلت. المدير اعترف. والدكتور سامح اتقبض عليه. والملفات الأصلية بتاعة التجارب وصلت للنيابة.
سارة غمضت عينيها.
بعد سنين طويلة…
لأول مرة…
ماكانش في حد بيجري وراها.
ولا حد بيهددها.
ولا حد بيقول لها إنها مجرد “حالة”.
يوسف قرب من أحمد وقال:
— أنا عارف إنك بتكرهني.
أحمد سكت.
— عايز تعرف ليه سيبتك تفتكرني ميت؟
أحمد بص له.
يوسف قال:
— لأنهم كانوا بيراقبوك. لو عرفوا إني عايش، كانوا هيستخدموك علشان يوصلوا لي… ولو عرفوا إن سارة حامل، كانوا الطفل.
أحمد قال:
— كان ممكن تثق فيا.
يوسف ابتسم بحزن.
— كنت خايف عليك أكتر ما كنت واثق في الدنيا.
وبعدها مد إيده لأحمد.
أحمد فضل متردد لحظة…
وبعدين مسك إيده.
مش لأنه نسي السنين اللي فاتت.
لكن لأنه اختار إن الماضي مايبقاش أقوى من المستقبل.
بعد ست شهور…
المحكمة أصدرت أحكامها.
عيلة الشاذلي اتفككت.
كل اللي شاركوا في التجارب اتحاسبوا.
المستشفى اتقفلت واتفتحت بعدها إدارة جديدة.
أما يوسف، فبدأ رحلة علاج طويلة.
وحمدي اختفى من حياة أحمد زي ما ظهر فيها…
من غير ما يطلب مقابل.
أما محمود…
ففي يوم، أحمد لقى ظرف على مكتبه.
جواه صورة قديمة لسارة وهي بتضحك.
وعلى ظهر الصورة مكتوب:
“المرة دي… سيبهم يعيشوا.”
أحمد ابتسم.
وفهم إن محمود كان وداعه.
وفي البيت…
كانت سارة قاعدة جنب سرير طفلهم.
أحمد دخل، وحمل ابنه بين إيديه.
الطفل فتح عينيه وبص له.
سارة ابتسمت وقالت:
— فاكر أول مرة قلت لك إنك هتبقى أب؟
أحمد ضحك.
— فاكر… وكنت فاكر إن دي أكبر مصيبة حصلتلي.
سارة ضربته بخفة على كتفه.
— مصيبة؟
قرب منها وقال:
— لأ… أحلى حاجة حصلتلي.
سكت لحظة، وبص لها.
— بس في حاجة واحدة لسه ندمان عليها.
— إيه؟
— إني سيبتك تمشي من حياتي من تلات سنين.
سارة عينيها لمعت.
— وإنت عايز تصلحها؟
أحمد حط ابنه بينهم وقال:
— أنا مش عايز أصلح اللي فات.
وبص في عينيها.
— أنا عايز أبدأ من جديد.
سارة ابتسمت وهي بتعيط.
— بس بشرط.
— إيه؟
— مفيش أسرار تاني.
أحمد ضحك.
— موافق.
وفجأة الطفل بدأ يعيط.
الاتنين بصوا لبعض…
وبعدين ضحكوا.
أحمد شال ابنه وقال:
— أهو أول اختبار في حياتنا الجديدة بدأ.
سارة قربت منه، وسندت راسها على كتفه.
وفي اللحظة دي، أحمد فهم إن كل اللي حصل…
الخيانة اللي ماكانتشي خيانة،
والدم اللي ماكانش دم سارة،
والطفل اللي حاولوا يسرقوه،
والأب اللي عاش سنين مستخبي،
والتجربة اللي دمرت حياة ناس كتير…
كان كله جزء من كابوس طويل.
لكن الكابوس انتهى.
ولأول مرة من سنين…
أحمد نام وهو مطمن.
وسارة نامت وهي عارفة إن محدش هيقدر ياخد منها ابنها.
وفي الصبح…
صحوا على صوت ضحك طفل صغير.
وكان ده الصوت الوحيد اللي كانوا محتاجينه علشان يعرفوا إنهم أخيرًا…
نجوا.
اتجوزت طليقتي من جديد
حكايات شروق خالد




