
وبعدين قال:
— مش هنا.
ندى ضحكت بمرارة.
— نفس الجملة.
كل ما أسألك عن حقيقة تقول لي مش هنا.
مش وقته.
مش لازم تعرفي.
خايف عليكي.
إنت تعبتني يا آدم.
سكت.
ثم قال بهدوء:
— الراجل اللي في الصورة اسمه شريف.
ندى استنت.
الاسم ماقالش لها حاجة.
— ومين شريف؟
آدم أخد نفس طويل.
وقال:
— الراجل ده كان السبب في كل اللي حصل لعيلتك.
حست ندى إن قلبها رجع يدق بعنف.
— يعني إيه؟
— كان رئيس الشبكة.
سكتت.
آدم كمل:
— أبوكي ماكانش الرأس الكبيرة.
كان مجرد واحد بيشتغل تحت إيده.
فادي كمان.
وحتى الناس اللي خطفوا حسام…
كانوا تابعين له.
ندى بصت للصورة.
— طب ليه واقف مع عيلتي؟
آدم سكت.
وده كان كفاية يخوفها.
قالت:
— ليه يا آدم؟
رفع عينه ليها.
— لأن أمك كانت تعرفه.
الدنيا وقفت.
— أمي؟
— أيوه.
— تعرفه إزاي؟
قال:
— قبل ما تتجوز أبوكي.
رجعت ندى خطوة.
— إيه؟
آدم قال:
— أمك ماكانتشي مجرد ست اتجوزت وخلفت وقعدت في البيت.
كانت تعرف أسرار الشبكة من البداية.
كانت بتحاول تجمع أدلة ضدهم.
ندى هزت راسها.
— مستحيل.
— الصورة دي اتصورت قبل ما حسام يختفي بشهور.
— مين بعتها؟
آدم قال:
— معرفش.
وقتها…
موبايل ندى رن.
هي وآدم بصوا للشاشة في نفس اللحظة.
رقم مجهول.
ردت.
— ألو؟
في الأول…
ماكانش فيه صوت.
ثم…
صوت راجل قال بهدوء:
— مبروك يا ندى.
اتجمدت.
— مين؟
الراجل ضحك.
— واضح إنك لسه بتسألي نفس السؤال كتير.
آدم قرب منها بسرعة.
لكن ندى رفعت إيدها تمنعه.
الصوت قال:
— شوفي الصورة كويس.
ندى بصت للصورة.
قال:
— الراجل اللي واقف ورا عيلتك…
لسه واقف.
قلبها وقف.
— إنت مين؟
الراجل ضحك ضحكة باردة.
— أنا الراجل اللي أمك ماتت علشان تهرب منك.
المكالمة اتقفلت.
ندى فضلت واقفة.
الموبايل في إيدها.
ووشها أبيض.
آدم خطف الموبايل.
— قال لك إيه؟
رفعت عينيها ليه.
— هو عايش.
آدم اتجمد.
— مين؟
— شريف.
سكت.
ندى قالت:
— الراجل اللي ورا كل حاجة…
لسه عايش.
في اللحظة دي…
وصلت عربية سوداء وقفت في آخر الشارع.
آدم شد ندى وراه.
لكن العربية ما اتحركتش.
ثواني…
وبعدين الباب اتفتح.
راجل كبير نزل منها.
شعره أبيض.
لابس بدلة غامقة.
ندى بصت له.
وبعدين للصورة.
نفس الشخص.
نفس الراجل اللي كان واقف ورا عيلتها.
آدم همس:
— ندى… اطلعي فوق.
لكن ندى ما اتحركتش.
الراجل بدأ يقرب.
آدم وقف قدامها.
لكن الراجل وقف على مسافة.
وبص لندى مباشرة.
ثم قال:
— شبه أمك.
ندى شهقت.
— إنت…
ابتسم.
— أيوه.
— إنت شريف؟
هز راسه.
— كنت مستني اليوم ده من سنين.
آدم قال بغضب:
— لو قربت منها…
شريف رفع إيده.
— اهدى يا آدم.
ندى بصت لآدم.
ثم لشريف.
— عايز مني إيه؟
شريف ابتسم.
— ولا حاجة.
— أمال رجعت ليه؟
بص لها وقت طويل.
ثم قال:
— علشان أقول لك حاجة واحدة.
قرب خطوة.
آدم شد ندى لورا.
لكن شريف وقف.
وقال:
— أمك ما ماتتش علشان تحميكي مننا.
ندى اتجمدت.
— أمال؟
ابتسم.
— ماتت علشان تحميكي مني.
دموع ندى نزلت.
— إنت قتلتها؟
شريف بص لها.
وبعدين قال:
— أمك خانتني.
— كانت بتحمي بنتها.
— وكانت عارفة إن بنتها…
ممكن تدمر كل حاجة.
ندى سكتت.
شريف قال:
— لكن أبوكي خبّى السر.
بصت له.
— سر إيه؟
ابتسم.
— اسألي نفسك ليه كل الناس كانوا عايزين يحموا ندى؟
ليه آدم دخل حياتك؟
ليه حسام فضل مستخبي؟
ليه أمك ماتت؟
ليه فادي رجع؟
كل ده…
علشان حاجة واحدة.
ندى قربت منه.
— إيه هي؟
شريف ابتسم.
وقال:
— إنتِ.
آدم صرخ:
— كفاية!
لكن شريف ما بصلهوش.
فضل مركز مع ندى.
— إنتِ مش مجرد بنت واحد كان شغال في الشبكة.
إنتِ السبب الوحيد اللي ممكن يوقع كل اللي باقي منها.
ندى بصت له بصدمة.
— أنا؟
— أمك كانت مخبية حاجة باسمك.
قبل ما تموت.
حاجة محدش قدر يلاقيها.
ندى قالت:
— أنا ماعنديش حاجة.
شريف ابتسم.
— يمكن إنتِ مش فاكرة.
الجملة دي…
خلت قلبها يقف.
نفس الجملة.
اللي قالها آدم في المطار.
«إنتِ مضيتي الورق بنفسك…
بس ماكنتيش تعرفي إنتِ بتمضي على إيه.»
بصت لآدم.
وفجأة…
كل حاجة ركبت.
الأوراق.
إمضتها.
الماضي.
أمها.
شريف قال:
— أبوكي مات وهو فاكر إنه دفن السر.
أمك ماتت وهي بتحاول تحمي السر.
وحسام اتخطف علشان يعرفوا مكانه.
وإنتِ…
كنتي الوحيدة اللي محدش شك فيك.
ندى قالت بصوت مرتعش:
— أنا ماعرفش حاجة.
شريف ابتسم.
— لسه.
ثم لف.
ومشى ناحية عربيته.
آدم صرخ:
— شريف!
لكن الراجل وقف قبل ما يركب.
وبص لندى للمرة الأخيرة.
وقال:
— عندك 48 ساعة تفتكري.
وبعدين ركب العربية.
العربية اتحركت.
واختفت.
ندى فضلت واقفة.
آدم قرب منها.
— ندى…
بصت له.
— كنت تعرف؟
سكت.
السكوت…
كان الإجابة.
ندى حسيت إنها اتكسرت للمرة الألف.
— آدم…
قال بسرعة:
— كنت أعرف جزء.
— جزء إيه؟
— إن أمك سابت حاجة.
— وماقولتليش؟
قفل عينه.
ندى ضحكت بوجع.
— طبعًا.
أكيد ماقولتليش.
إنت عمرك ما بتقول.
آدم قرب.
— المرة دي كنت هقول لك.
— إمتى؟
سكت.
قالت:
— لما الراجل يظهر قدام بيتي؟
آدم قال:
— أنا غلطت.
— عارف.
— وأنا مش بطلب منك تسامحيني.
— كويس.
سكت.
ندى مسحت دموعها.
وبعدين بصت ناحية الطريق اللي اختفت فيه العربية.
قالت:
— بس المرة دي…
مش ههرب من الحقيقة.
آدم رفع عينه.
— ندى…
قالت:
— أنا مش هسيب حد يقرر حياتي تاني.
لا إنت.
ولا فادي.
ولا أبويا.
ولا الراجل ده.
دخلت البيت.
لكن المرة دي…
آدم ما مشيش.
طلع وراها.
ندى بصت له عند الباب.
— ليه جيت؟
قال:
— علشان مهما حصل…
مش هسيبك لوحدك.
سكتت.
كانت تقدر تقوله امشي.
وكانت عارفة إنه لو طلبت منه…
هيمشي.
لكن لأول مرة…
ماقالتش.
—
في الأيام اللي بعدها…
بدأت ندى تدور.
مش لوحدها.
حسام كان معاها.
سارة.
وحتى آدم.
فتحوا ملفات أمها القديمة.
صور.
رسائل.
دفاتر.
أوراق كانت مستخبية في أماكن غريبة.
لحد ما في يوم…
ندى افتكرت حاجة.
علبة موسيقى قديمة.
كانت أمها بتحبها جدًا.
من وهي صغيرة…
كانت ممنوعة تلمسها.
بعد ما أمها ماتت…
ندى احتفظت بيها.
طلعتها من صندوق قديم.
وضعتها على الترابيزة.
حسام بص لها.
— إيه دي؟
قالت:
— كانت بتاعة ماما.
قلبتها.
لاحظت مسمار صغير مختلف عن الباقي.
آدم قرب.
فك المسمار.
وفجأة…
العلبة اتفتحت من جوه.
كان فيها تجويف سري.
جواه…
فلاشة صغيرة.
وصورة.
الصورة كانت لأم ندى.
ووراها مكتوب:
«لبنتي…
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا فشلت أحميكي.
بس أوعي تخافي من الحقيقة.
الخوف هو السلاح الوحيد اللي كانوا بيكسبوا بيه.
ولو آدم لسه جنبك…
اعرفي إني أنا اللي طلبت منه يفضل.»
ندى اتجمدت.
رفعت عينيها ناحية آدم.
هو بص للرسالة.
واضح إنه عارف.
لكن قبل ما تتكلم…
كملت قراءة.
«أنا عارفة إنه كدب عليكي.
وعارفة إنك ممكن تكرهيه يوم.
لكن صدقيني…
الولد ده ضحى بحياته علشان يبعدك عنهم.
ولو في يوم عرفتي كل حاجة…
ما تحكميش عليه من أول كذبة.
احكمي عليه من كل مرة كان يقدر يسيبك فيها…
وماسبكيش.»
ندى ماقدرتش تكمل.
قعدت على الكرسي.
وبكت.
آدم وقف بعيد.
ماقربش.
كأنه مش مستحق حتى يواسيها.
ندى رفعت عينيها له.
— إنت كنت تعرف أمي؟
قال:
— أيوه.
— من إمتى؟
— من قبل ما أعرفك.
— وليه ماقولتليش؟
قال:
— علشان وعدتها.
ندى بصت للرسالة.
ثم قالت:
— كل حياتي كانت مبنية على وعود بين ناس غيري.
آدم هز راسه.
— عارف.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— بس خلاص.
رفعت الفلاشة.
— المرة دي أنا اللي هقرر.
—
الفلاشة كان عليها تسجيلات.
أسماء.
حسابات.
صور.
اعترافات.
كل حاجة كانت أم ندى جمعتها ضد الشبكة.
الدليل اللي شريف كان بيدور عليه طول السنين.
حسام قال:
— نسلمهم للشرطة.
ندى هزت راسها.
— لأ.
آدم بص لها.
— ليه؟
قالت:
— علشان شريف مش هيسيبنا.
وفعلًا…
قبل ما يقدروا يعملوا أي حاجة…
وصلت رسالة.
«عارف إنكم لقيتوا الفلاشة.
سلّموها…
وسلموا حياتكم معاها.»
ندى بصت للموبايل.
لكن المرة دي…
ماخافتش.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت:
— خلاص.
آدم بص لها.
— إيه؟
قالت:
— هو فاكر إني لسه ندى القديمة.
البنت اللي تخاف.
اللي تستنى حد ينقذها.
اللي تصدق أي كدبة علشان ماتخسرش الناس.
بصت لآدم.
— بس هو مايعرفش إنهم قتلوا ندى القديمة من أول يوم بدأت فيه الحقيقة تظهر.
—
بعد أيام…
تم تسليم الأدلة للشرطة.
وتم فتح القضية رسميًا.
شريف حاول يهرب.
لكن المرة دي…
ماكانش عنده مكان يستخبى فيه.
الملفات كانت كفاية.
الشهادات كانت كفاية.
وحسام أخيرًا قدر يحكي اللي حصل له.
وفي ليلة…
وصل اتصال لندى.
آدم رد.
وسمع صوت شريف.
— مبروك.
افتكر إنك كسبت.
آدم قال:
— انتهى كل شيء.
شريف ضحك.
— لأ يا آدم.
الحقيقة عمرها ما بتنتهي.
وقفل.
بعد ساعات…
وصل خبر القبض عليه.
ندى فضلت واقفة قدام التلفزيون.
بتسمع الخبر.
مش حاسة بالانتصار.
ولا بالفرحة.
كانت حاسة بحاجة واحدة بس.
الراحة.
راحة إن الماضي…
أخيرًا…
بطل يجري وراها.
—
مر سنة.
سنة كاملة.
حسام بقى أحسن.
يونس كبر شوية.
وبقى بينادي ندى:
— ندى ماما الصغيرة.
وكانت كل مرة تضحك وتقول له:
— لأ يا حبيبي، أنا طنط.
فيقول:
— بس إنتِ بتحبيني زي الماما.
وكان قلبها يدوب.
أما سارة…
بقت أختها اللي ما اختارتهاش.
لكن الحياة هي اللي بعتها لها.
وآدم…
آدم فضل موجود.
مش زوجها.
مش غريب.
لكن موجود.
على مسافة محترمة.
ماطلبش منها ترجع.
ولا ضغط عليها.
كل اللي عمله…
إنه أثبت لها كل يوم…
إن المرة دي مافيش أسرار.
وفي يوم…
كانت ندى قاعدة في الجنينة.
آدم جه.
وقف قدامها.
— ينفع أقعد؟
بصت له.
— اقعد.
قعد جنبها.
ثواني من الصمت.
وبعدين قال:
— فكرتي؟
ندى ابتسمت.
— في إيه؟
— فينا.
بصت قدامها.
السماء كانت هادية.
وقالت:
— فكرت.
آدم شد نفسه.
— ووصلتي لإيه؟
لفت له.
— إن أنا لسه بحبك.
عينيه اتغيرت.
لكنها رفعت إيدها.
— استنى.
سكت.
قالت:
— الحب مش معناه إن كل حاجة اتصلحت.
ولا معناه إني نسيت.
أنا اتوجعت منك يا آدم.
أكتر من أي حد.
هز راسه.
— عارف.
— ومش هقدر أرجع زي زمان.
— مش بطلب منك.
بصت له.
— بس…
سكتت لحظة.
— ممكن نبدأ من جديد.
آدم ما اتكلمش.
كأنه خايف الكلمة تختفي.
ندى قالت:
— المرة دي من غير مهمة.
من غير أسرار.
من غير حد يقول لك تخبي عليا حاجة.
آدم دموعه لمعت.
— أوعدك.
ابتسمت.
— لأ.
بص لها باستغراب.
قالت:
— ماتدينيش وعد.
اثبت لي.
ابتسم.
ولأول مرة من شهور…
مد إيده ناحيتها.
ندى بصت لإيده.
وسكتت.
ثم…
حطت إيدها في إيده.
مش علشان الماضي اتمسح.
ولا علشان الجرح اختفى.
لكن علشان قررت إن المستقبل…
يمكن يستحق فرصة.
بعد كل الكدب.
بعد كل الأسرار.
بعد الموت.
والخوف.
والفقد.
وقفت ندى.
وبصت للبيت.
حسام كان بيلعب مع يونس.
وسارة بتنادي عليهم من جوه.
آدم وقف جنبها.
ندى بصت له.
وقالت:
— تعرف إيه أغرب حاجة؟
— إيه؟
ابتسمت.
— إن الطفل اللي شوفته في المطار وافتكرت إنه ابنك…
طلع ابن أخويا.
آدم ضحك.
— وأنا من أول لحظة كنت مستني اليوم اللي تعرفي فيه.
بصت له.
— وكان ممكن تقول لي.
ابتسامته اختفت.
قالت بسرعة:
— عارفة.
بس خلاص.
المرة دي…
خلاص.
ثم مشيت.
آدم مشي جنبها.
مش قدامها.
ومش وراها.
جنبها.
وده كان كل اللي محتاجاه.
لأن ندى محمود…
بعد 11 سنة من الكدب…
اتعلمت إن الحقيقة ممكن توجع.
لكنها بتحرر.
وإن الناس ممكن يكسروك…
وبعدين يحاولوا يصلحوا اللي عملوه.
وإن التسامح مش ضعف.
لكن اختيار.
والأهم…
إن محدش يملك يقرر نهاية قصتك غيرك.
رفعت ندى عينيها للسماء.
وافتكرت أمها.
وأبوها.
وكل اللي ضاعوا منها.
ثم بصت لحسام.
وآدم.
ويونس.
وعرفت أخيرًا…
إنها مش البنت الوحيدة اللي كانت فاكرة نفسها لوحدها.
هي عندها عيلة.
عيلة ضاعت منها سنين.
لكن رجعت.
بطريقة مختلفة.
ومستقبل مختلف.
وحياة جديدة.
أما الماضي…
فأخيرًا…
بقى مجرد صفحة.
قفلتها ندى بإيدها.
وفتحت صفحة جديدة.
المرة دي…
من غير كدب.
من غير أسرار.
ومن غير خوف.
حكايات شروق خالد
تمت
جوزي كذب عليا 11 سنة
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




