
همست:
“مين؟”
وفجأة ظهر سامح.
كان واقف عند الباب وبيبتسم.
وفي إيده مسدس.
قال:
“مساء الخير.”
أبويا وقف قدامي.
سامح ضحك.
“بعد كل السنين دي… أخيرًا اتجمعتم.”
قلت:
“إنت اللي ضربت حسن؟”
ابتسامته اختفت.
“لأ.”
اتصدمت.
“أمال مين؟”
قال:
“اللي ضرب حسن مش واحد من رجالي.”
سكت لحظة.
وبعدين بص لأبويا.
“اللي ضربه هو الشخص الوحيد اللي حسن كان بيثق فيه أكتر مني.”
بصيت لأبويا.
أبويا وشه شحب.
سامح قال:
“حسن ماكانش بيهرب من الموت يا بنتي.”
قرب خطوة.
“كان بيهرب من الحقيقة.”
وفي اللحظة دي سمعت صوت تليفوني يرن.
طلعت الموبايل بإيد مرتعشة.
رقم مجهول.
رديت.
ماحدش اتكلم.
وبعدين سمعت نفسًا ضعيفًا.
وصوتًا أعرفه حتى لو وسط ألف صوت:
“متصدقيش أبوكي.”
اتجمدت.
“حسن؟”
الصوت قال:
“أنا لسه عايش.”
وسكت لحظة.
“بس لو عايزة تخليني عايش… لازم تعرفي مين أمك كانت بتحميه.”
الخط اتقفل.
بصيت لأبويا.
وبعدين لسامح.
وفي اللحظة دي أدركت إن الحقيقة اللي كنت بدور عليها عن موت حسن…
كانت أقل بكتير من الحقيقة اللي مستخبية عن عيلتي.
حكايات شروق خالد
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أتكلم.
صوت حسن كان لسه بيرن في ودني:
“متصدقيش أبوكي.”
بصيت لأبويا.
وبعدين لسامح.
وقلت:
“مين أمي كانت بتحميه؟”
أبويا قعد على الكرسي، وحط وشه بين إيديه.
“أمك كانت بتحمي حسن.”
اتصدمت.
“حسن؟”
هز راسه.
“قبل ما يموت أبو حسن، كان فيه ناس بتحاول تقتله وتاخد كل اللي بناه. أمك كانت عارفة كل حاجة. ولما اكتشفت إنك بنتها، خافت إن أعداء حسن يستخدموكي ضده.”
سألته:
“وأنت؟”
رفع عينه.
“أنا خفت عليها… وخفت منك.”
سامح ضحك بسخرية.
“كفاية كدب يا عماد.”
أبويا بص له بغضب.
سامح كمل:
“الحقيقة إن عماد هو اللي سلّم حسن لسامح… بس مش عشان يقتله. كان عايز يختفي حسن ست شهور، ويخلي الناس كلها تفتكر إنه مات.”
بصيت لأبويا.
“ليه؟”
أبويا قال:
“عشان أقدر أوصل للراجل اللي كان بيحرك سامح.”
“مين؟”
سامح ابتسم.
“أنا.”
اتجمدت.
سامح كمل:
“أنا اللي رتبت الانفجار. وأنا اللي دفنت الراجل مكان حسن. وأنا اللي خليت كل الناس تصدق إنه مات.”
سألته:
“طب ليه حسن لسه عايش؟”
ابتسامته اختفت.
“لأنه كان أذكى مني.”
فجأة دوّى صوت عربيات برا.
سامح لف ناحية الباب.
وباب البيت اتفتح بعنف.
دخل حسن.
كان وشه شاحب، وإيده على كتفه، لكنه واقف.
حي.
عينيه وقعت عليا.
مافكرتش.
جريت عليه.
حضنته بكل قوتي، وفضلت أعيط.
هو لف دراعه حواليا وقال:
“خلاص.”
ضربته على صدره.
“خلاص إيه؟! إنت موتني ست شهور!”
ضحك رغم ألمه.
“عارف.”
“وكنت بتراقبني؟”
“أيوه.”
“وكنت بتسمعني وأنا بكلم قبرك؟”
سكت.
“حسن!”
قال:
“كنت كل مرة أموت ألف مرة وأنا شايفك بتعيطي.”
بعدنا عن بعض.
بصيت في عينه.
“ومين الراجل اللي كان بيمول سامح؟”
حسن بص لأبويا.
وبعدين قال:
“أبويا.”
اتجمدت.
“أبوك مات من سنين.”
قال:
“الكل فاكر كده.”
طلع حسن ملف من جيبه.
فتح أول صفحة.
كانت صورة رجل كبير.
وتحتها اسم.
“فؤاد المنشاوي.”
والد حسن.
الراجل اللي الناس كلها كانت فاكرة إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
حسن قال:
“هو اللي كان بيدير كل حاجة من ورا الستار. ولما اكتشف إني ناوي أخرج من عالمه وأعيش حياة طبيعية معاكي، قرر يخلص مني.”
بصيت له.
“يعني كل ده كان عشان أنا؟”
هز راسه.
“عشان أنا اخترتك.”
وفجأة سمعنا صوت من السماعة الخارجية:
“يا حسن!”
حسن رفع عينه.
الصوت كمل:
“كفاية لعب.”
خرجنا للشارع.
رجل مسن كان واقف بعيد، محاط برجالة مسلحة.
حسن وقف جنبي.
بص للرجل وقال:
“كنت عارف إنك هتظهر.”
الرجل ابتسم.
“وأنا كنت عارف إنك هترجع لها.”
بصيت لحسن.
هو مسك إيدي.
وقال:
“دي آخر مرة هستخبى فيها.”
بعد دقائق وصلت الشرطة، ومعاها تسجيلات وأوراق كان حسن مجهزها من شهور.
اتقبض على سامح، وعلى كل اللي شاركوا في الانفجار والتخطيط له.
أما فؤاد المنشاوي، فاختفى قبل وصول الشرطة، لكن كل الأدلة كانت ضده، وبعد أسابيع اتقبض عليه وهو بيحاول يهرب بره البلد.
وأبويا؟
اعترف بكل حاجة.
ماكانش بريئًا، لكنه ماكانش القاتل اللي تخيلته.
كان غلطان، وخايف، وحاول يصلح غلطه بالطريقة الغلط.
بعد شهور من التحقيقات، اتقفلت القضية.
وأخيرًا…
حسن بقى حر.
حر من المطاردة.
حر من الاختباء.
وحر من الكذبة اللي عشتها ست شهور.
بعد سنة، رجعت معاه نفس المقابر.
لكن المرة دي ماكانش فيه مطر.
ولا دموع.
وقفنا قدام القبر اللي كان عليه اسمه.
حسن بص للرخام وقال:
“غريبة الدنيا.”
ضحكت.
“ليه؟”
قال:
“ست شهور كنت مدفون هنا وأنا عايش.”
بصيت له.
“وأنا ست شهور كنت عايشة وأنا ميتة.”
مسك إيدي.
“دلوقتي إحنا الاتنين عايشين.”
ابتسمت.
“بس عندي شرط.”
“إيه؟”
“ممنوع تختفي تاني.”
ضحك.
“وعد.”
اتكأت على كتفه.
ولأول مرة من ست شهور، مشيت بعيد عن القبر وأنا مطمنة.
ماعدتش بخاف من الموت.
ولا من الأسرار.
لأن الرجل اللي ظننته مات…
رجعلي.
والحقيقة اللي كنت فاكرة إنها هتدمر حياتي…
كانت السبب إني أبدأ حياتي من جديد.
أما حسن؟
فضل ماسك إيدي طول الطريق.
وكأنه بيعوضني عن كل جمعة قضيتها وحدي قدام قبره.
ومن يومها، كل ما المطر ينزل، كنت أفتكر اليوم اللي شوفته فيه واقف قدام قبره.
وأقول لنفسي:
أحيانًا…
الحكاية اللي بنفتكر إنها انتهت بالدفن…
بتكون لسه بتبدأ.
زوجي المدفون كان واقف قدام قبره
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




