روايات وقصص

أثر من ريحة الغاليين حكايات شروق خالد

بابا عمل لي فستان حفلة التخرج بتاعي من فستان فرح ماما الله يرحمها.. ومدرستي اتريقت عليّه وكسفتني قدام الكل.. لحد ما دخل ضابط شرطة القاعة!

كان عندي خمس سنين بس لما ماما توفيت بعد صراع مع المرض. بعدها، بقيت أنا وبابا لوحدنا في الدنيا. الحياة مكنتش سهلة خالص. الفلوس كانت دايماً على القد، بس بابا عمره ما حسسني أبداً إني ناقصاني حاجة. كان شغال سباك، وبياخد أي شغل إضافي يلاقيه عشان يتأكد إني معايا كل اللي بحتاجه.

لما قربت حفلة التخرج من الثانوي، كنت عارفة كويس إننا ما نقدرش نشتري فستان غالي من المحلات. كنت مجهزة نفسي أستلف فستان من صاحبتي أو أدور على حاجة بسيطة من محلات الهدوم المستعملة. مكنتش عايزة أشيل بابا هم زيادة فوق همه.

بس لما قلت له، ابتسم وقال لي: “سبيلي موضوع الفستان ده يا بنتي، متخافيش خالص.” مكنتش فاهمة قصده إيه وقتها. بس بعدها بحوالي شهر، لاحظت إنه بيسهر كل يوم لحد متأخر بالليل في الصالة. البيت بيكون هادي، بس بكون سامعة صوت ماكينة الخياطة شغالة. كنت بسأله بيعمل إيه، كان يبتسم ويقول لي دي مفاجأة.

وفي يوم بالليل، ناداني أخيرًا وقال: “تعالي قيسي ده.” أول ما شوفت الفستان، اتسمرت في مكاني. وبعدين عيطت من الفرحة. كان تحفة فنية. قماش أوف وايت ناعم وجميل. مرسوم عليه ورد أزرق رقيق منسوج في القماش. وتفاصيل صغيرة مطرزة بالإيد بحب وعناية.

وهنا فهمت هو عمل إيه. بابا أخد فستان فرح ماما الله يرحمها وحوله لفستان التخرج بتاعي! بص لي وقال بصوت حنون: “ماما كانت هتبقى طايرة من الفرحة لو شافتك. أنا عارف قد إيه كانت بتحلم تشوفك في اليوم ده.. خلي حتة منها تكون معاكي الليلة دي.”

دخلت الحفلة وأنا حاسة إني شايلة جزء من أمي معايا. ولأول مرة من سنين، حسيت إنها واقفة جنبي وبتحميني. وبعدين، في نص الحفلة، كل حاجة اتغيرت.

مدرسة العربي، “أبلة نادية”، قربت مني. كانت بتكرهني من أول يوم دخلت فيه المدرسة دي. عمري ما فهمت ليه. مهما عملت، كان فيه دايماً حاجة فيا بتضايقها. طريقة كتابتي في الكشكول. طريقة حلي للواجب. حتى اللبس اللي بلبسه. كانت دايماً تلاقي حاجة تنتقدني عليها، وتتريق عليا وتعمل نفسها مش شايفاني شاطرة. كنت بحاول أتجاهلها على قد ما أقدر.

بس الليلة دي، مكنتش بتهمس بصوت واطي. كانت عايزة الكل يسمع ويفطس على نفسه من الضحك. بصت لفستاني وقالت بسخرية وقرف: “إيه الخرق والملايات اللي إنتِ لابساهالي دي؟!” القاعة كلها بدأت تسكت. وكملت بصوت عالي: “وبجد فاكرة إنك ممكن تدخلي مسابقة ملكة الحفلة وأنتِ لابسة المنظر ده؟!”

جسمي كله اتجمد مكاني. كنت واقفة ولابسة الفستان اللي بابا قعد أسابيع يعمله من أخر الذكرى اللي فضلتلي من أمي. وهي كانت بتضحك عليا بقلب بارد. بعض زمايلي بصوا بعيد بحرج، والتانيين فضلوا مبصصين عليا.

وفجأة… باب القاعة اتفتح. دخل ضابط شرطة جوه القاعة. مبصش حواليه ولا تردد لحظة واحدة. مشى بخطوات ثابتة ومباشرة ناحية أبلة نادية. وهنا فهمت حاجة مهمة قوي. أحياناً، الظالم مش بيفلت بأفعاله السيئة للأبد.

أول ما الضابط قرب منها وقالها على اللي حصل — وإنها لازم تروح معاه على القسم فوراً — اللون طار من وشها وبقت بيضا زي الطباشير. والقاعة كلها سكتت ومبقاش فيه ولا صوت. الكل في الحفلة كان باصص باستغراب ومش فاهم حاجة.

أبلة نادية بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت بيترعش وهي بتحاول تتماسك قدام زملائها والمدير: “حضرتك.. حضرتك بتهزر يا باشمهندس؟ جايلى هنا ليه وفي الحفلة بتاعت المدرسة؟ أنا عملت إيه أصلاً؟!”

الضابط طلع ورقة رسمية من جيبه وبص لها بصرامة وقال بصوت عالي سمعه الكل: “أنا النقيب طارق من مباحث الإنترنت وقسم الشرطة. ومطلوب القبض عليكِ بتهمة الإيذاء الإلكتروني، واختراق الحسابات الشخصية وسرقة صور خاصة وفيديوهات مفبركة للتشهير ببعض الطالبات هنا!”

الكل في القاعة صرخ بصوت واحد من الصدمة. أبلة نادية جابت ألوان واتغير وشها، وقالت بصراخ هستيري: “كذب! دي أكيد وثائق ومستندات غلط، أنتوا بتتبلوا عليا!”

هنا دخل بابا من باب القاعة وراه شخص تاني لابس بدلة شيك ومعه تابلت مفتوح. بابا كان لابس قميصه البسيط وواضح عليه التعب، بس عيونه كانت بتلمع بقوة وعزة نفس. قرب مني، طبطب على كتفي بحنان، وبعدين بص لأبلة نادية وقال: “مش كدب يا فندم.. البيه اللي ورايا ده مهندس أمن معلومات، وإحنا اكتشفنا من شهر إن المدرسة دي هي اللي كانت بتدبر لبنتي كل المشاكل في المدرسة، وبتبعت لها رسائل على موبايلها، وبتسرق صورها الشخصية من على صفحة المدرسة عشان تعمل لها أكونتات وهمية وتشوه سمعتها بين زمايلها!”

أبلة نادية وقعت على ركبتها قدام الكل، وقالت بصوت مكسور ومرعوب وهي بتعيط: “أنا.. أنا كنت بغير منها.. كانت دايماً شاطرة والكل بيحبها.. أرجوك يا سيادة المقدم بلاش فضايح!”

الضابط مسك دراعها وقالش بحسم: “تفضلي معانا بهدوء عشان تقولي الكلام ده قدام النيابة.” أمن المدرسة والشرطة أخدوها وخرجوا بيها برة القاعة، والكل كان باصص عليها بقرف واشمئزاز.

القاعة كلها اتحولت لصفقات حامية جداً، وكل زملائي جم اتجمعوا حواليا. بنت كانت دايماً بعيدة عني قربت مني وبصت لفستاني وقالت بدموع: “الفستان ده تحفة يا بختك بباباكي.. ده أحلى فستان في الدنيا كلها!”

بصيت لبابا اللي كان واقف بيضحك لي وعيونه مليانة دمعة فرحة، جريت عليه وحضنته بكل قوتي وأنا بعيط، وهمست في ودنه: “أنا معايا أحلى وأجدع أب في الدنيا كلها.. وماما أكيد دلوقتي فرحانة بينا فوق.”

#حكايات_شروق_خالد

وفي صباح اليوم التاني، صحيت على ريحة الشاي بلبن والفطير المشتري، لقيت بابا قاعد في الصالة ومولع الكاسيت على الأغاني القديمة اللي ماما كانت بتحبها. أول ما شافني طالع من أوضتي، ابتسم ابتسامته الواسعة اللي بتنسيني التعب كله، وقال: “صباح الورد على عروسة امبارح.. يلا تعالي افطري عشان ورانا مشوار مهم.”

سألته باستغراب: “مشوار إيه يا بابا على الصبح؟” قال بغمزة: “تعالي بس كلي اللقيمات دي، وهتعرفي لوحدك.”

خلصت فطار بسرعة، ولبست ونزلنا مع بعض. ركبنا العربية القديمة بتاعته، وفضلنا ماشيين لحد ما وقفنا قدام الكلية اللي كنت طماعة أحلم أدخلها من زمان.. “كلية الألسن”.

بصيت له بعدم تصديق وأنا ببلع ريقي، وقلت: “يا بابا.. إحنا جينا هنا ليه؟ التنسيق لسه مطلعش، والمصاريف كمان…!” قاطعني وهو بيطبطب على كتفي بحنان وقال: “تنسيق إيه يا هبلة؟ أنا مكنتش بشتغل ليل نهار في السباكة وكل الشغل الإضافي ده عشان فستان الحفلة وبس.. أنا كنت شايل هم مستقبلك اللي هتشرفيني فيه، ومصاريف السنة الأولانية كلها متدبرة وجاهزة، وربنا كريم هيكمل الباقي.”

نزلت دمعة من عيني غصب عني، بس المرة دي كانت دمعة فرحة مش طالعين من وجع. حضنته بكل قوتي في الشارع قدام باب الكلية، وقعدت أدعي ربنا يخليه لي وما يحرمني منه أبداً.

ومن اليوم ده، عرفت إن الإنسان مش بقيمة فلوسه ولا بلبسه الغالي، بل بقيمة السند اللي في ضهره والقلب الطيب اللي بيخاف عليه. ودخلت الكلية وأنا حاطة هدفي قدامي، عشان أرفع راس بابا زي ما رفع راسي قدام الكل، وأخلي روح ماما ترتاح وهي شايفانا من فوق بنحقق المستحيل مع بعض.

أثر من ريحة الغاليين
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى