
الناظرة أمل بصت لي نظرة طويلة، وحسيت إن قسوة الإدارة بدأت تسيح قدام الموقف الإنساني الصعب ده. رفعت سماعة التليفون اللي على مكتبها وقالت لخدمة العملاء أو الأخصائية الاجتماعية: “أستاذة سناء، تعالي لي فوراً على المكتب لو سمحتِ، وهاتي معاكي ملفات أبحاث الحالة الاجتماعية للطلاب… آه، تعالي بسررعة.”
بعد دقايق، دخلت الأخصائية الاجتماعية وهي مخلوعة وخايفة ليكون فيه مصيبة حصلت.
بصت لها الناظرة وقالت بجدية: “اقفلي الباب وراكي يا سناء. البطل الصغير ده…” وشارت على زياد، “… عمل واجب إنساني احنا كإدارة مدرسة قصرنا فيه. طلعي لي أسامي الاثني عشر طالب دول من الكارت.”
قعدنا كلنا جوه المكتب، والجو اتحول من جلسة تحقيق، لجلسة اعتراف جماعي بوجع خفي كان مستدار جوه الحيطان دي من مدة طويلة. الأخصائية الاجتماعية لما سمعت الأسامي، حطت إيديها على بوقها وقالت: “يا نهار أسود! دول تلات حالات منهم نازلين في كشوف الشؤون بتاعة المدرسة إن ظروف أهلهم صعبة جداً، وفيه بنتين أبوهم متقاعد وما بيقبضش معاش منتظم من كذا شهر!”
زياد رفع راسه وبص لي بعيون كلها رجاء، كأنه بيقول لي: “شفتي يا ماما؟ أنا ما كنتش باخد عبثاً، أنا كنت بستر زمايلي.”
قربت منه، وطبطبت على كتفه، ونزلت لمستواه على الكرسي الواسع اللي كان قاعد عليه، ومسكت إيده الساقعة وقايلها بصوت دافي: “أنا زعلانة منك عشان أخدت يا زياد… أخذ حقوق الناس ملهاش مبرر، وكان المفروض تقول لي، وأنا كنت هعمل لك أكل أكتر في الشنطة وتديه لصحابك بكل عزة نفس من غير ما تاخد ولا تخاف… فهمت؟”
هز راسه بسرعة ودموعه نزلت على خدوده وقال بصوت مكتوم: “حاضر يا ماما… بس أرجوكي ما تخليهمش يجوعوا تاني بكره.”
ابتسمت بدموع في عيني، وبصيت للناظرة أمل وأم أحمد، وقولت بصوت قوي: “بكرة الصبح، أنا هجيب معايا كرتونة كبيرة مليانة سندويتشات وحاجات مغذية تكفي الفصل كله، ومش هكتب عليها اسم حد… بس الأهم دلوقتي، إننا لازم نشوف حل حقيقي ومستدام للعيال دي، لأن أخذ حقوق الناس عيب… بس الجوع كافر.”
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
هزت الناظرة أمل راسها ببطء، ووقفت من مكانها، وجات ناحيتنا. حطت إيدها بحنان على كتف زياد، وقالت بصوت مأثر: “حقك علينا يا زياد.. وحقك أنتِ كمان يا مدام هدى. المدرسة هنا قصرت، وبدل ما نكون سند للعيال دي، طلعنا آخر من يعلم.”
بصت الناظرة للأخصائية الاجتماعية أستاذة سناء وقالت بحزم: “من النهارده، مافيش طالب في المدرسة دي هيقعد من غير فطار. هنعمل اجتماع طارئ لمجلس الأمناء، وهنعمل صندوق تبرعات سري يغطي وجبات الكانتين لكل طالب محتاج، من غير ما نحسس أي عيل بحاجة ولا نكسر نفس أهله.”
أم أحمد مسؤولة الكانتين مسحت دموعها بطرف مئزرها، وقالت بصوت مليان عزم: “وأنا يا فندم، من بكرة، أي سندويتشات هتبات أو تتفضل، هعمل لها باكيتات نظيفة، وكل يوم الصبح زياد هيعدي عليا ياخدها ويوزعها على زمايله كأنه مشرف الكانتين بنفسه، مش آخذ!”
بص زياد لأم أحمد، وبعدين بص لي وعيونه بتلمع بدموع الفرحة والراحة.
“يعني أنا مش موقوف يا ماما؟” سألني بصوت طفولي خايف.
حضنته جامد لصدري، وبست راسه قدام الكل، وقلت: “موقوف يومين عشان اللي عملته.. بس مرفوع في عيني للسماء عشان قلبك الطيب اللي حس بغيره. المرة الجاية يا زياد، لما تحب تعمل خير، الجأ لأمك أو لمدرسك، وإحنا هنعمله في النور ومن غير ما نخبي.”
ابتسم وهو ماسك في دراعي جامد.
وفعلاً، عدت يومين الإيقاف، ورجع زياد المدرسة.. بس المرة دي، مكنش رايح وراسه في الأرض من الكسوف، ده كان داخل وشنطته مليانة مش بسكوت متاخد، دي كانت مليانة حب وخير، ومحفظة بوجبات دافية لكل عيل كان خايف يفتح شنطته وتكون فاضية.
ومن يومها، مدرسة النهضة اتغيرت، وبقى فيها مبدأ واحد الكل ماشي عليه: “مفيش بيننا طفل جعان، ومفيش بيننا أخذ حقوق، لأن الضهر اللي ليه أهل، عمره ما بيتكسر أبداً.”
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
الوجبة السابعة والعشرون
حكايات شروق خالد




