
نظرت لى ليليان، ودموعها تنحدر على خدها بصمت، ثم رفعت يدها الأخرى لتلمس وجه جنّة النائمة بسلام، وقالت بصوت مهتز: “مراد.. أنت بتقول إنهم كانوا عايزين بنتنا.. لو فريد وصل لها، كان هيعمل فيها إيه؟”
“مش هيحصل”، قاطعتها بحسم قاطع وبريق من الغضب
فى عينى. “فريد حفر قبره بايده الليلة دي.”
تركتها فى رعاية طاقم المستشفى وتحت حراسة صارمة من رجالى الأمناء، وخرجت إلى ليلة القاهرة المشتعلة، وأنا على أتم الاستعداد لحرق عروشهم جميعاً من أجل عيون ابنتى التى لم أتعرف عليها إلا للتو، ومن أجل العائلة التى لن أسمح لأحد بأن يسرقها منى مرة أخرى.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه
ركبت السيارة بجوار غازى، وكان الصمت فى الصالون أثقل من الجبال، لكنه كان صمت ما قبل العاصفة.
“المعلومات بتقول إه يا غازى؟” سألت بصوت هادئ ومخيف.
“فريد متواجد فى المخزن القديم بتاع الميناء يا باشا.. المكان هناك مقطوع، وكان فاكر إن بعيد عن عيوننا، بس رجالتنا حاصرت المكان من كل الاتجاهات ومفيش دبانة تقدر تطير بره.”
“تحرك”، كلمة واحدة كانت كفيلة لتنطلق السيارة بسرعة
جنونية فى شوارع القاهرة الخالية إلا من قطرات المطر المتناثرة.
خلال أقل من نصف ساعة، كنا أمام المبنى المهجور. الإضاءة الخافتة كانت تنعكس على جدرانه المتشققة، وسيارتان سوداوتان تقفان فى الخارج. قبل أن تتوقف سيارتنا تمامًا، كان رجالى يحيطون بالمكان كحلقة نار لا غ م فرار منها.
نزلت من السيارة، وخطواتى الثقيلة تصنع صدىً مرعبًا على الأسفلت المبلل. غازى ومجموعة من رجالى تقدموا معى، وبإشارة واحدة من يدى، تحطمت الباب الحديدى للمخزن تحت وطأة ضربة قوية.
دخلنا بخطوات واثقة. كان فريد جالسًا على كرسى وسط المخزن، وحوله ثلاثة من رجاله الأشداء، وعندما رأى الباب يقتلع هكذا، تجمدت القهوة فى يده وارتسمت على وجهه علامات الرعب الخالص.
“مراد..!” هتف فريد بصوت مرتعش وهو يحاول التظاهر بالثبات ويشير لرجاله برفع الأدوات. “أنت اتجننت؟ إيه اللى جبك هنا؟ فاكر نفسك فوق القانون؟”
رفعت يدى ببطء، وفي ومضة واحدة، كان رجالى قد وجهوا قوتهم بدقة مباشرة إلى رؤوس رجاله، مسقطين أدواتهم على الأرض قبل أن يفكروا حتى فى استخدامها. تحول لون وجه فريد إلى البياض الناصع.
اقتربت منه بخطوات بطيئة، ولم أرحمه من نظرة عينى المشتعلة بالشرر. وقفت أمامه مباشرة، وعلى بعد
سنتيمترات معدودة من وجهه، ومالت برأسى قليلًا.
“القانون؟” قلت بصوت هامس يحمل كل طاقة الغضب فى داخلى. “القانون بيبدأ وينتهي هنا يا فريد.. لما واحد زيك تسوّل له نفسه يقرب من بنتي ويزور توقيعي عشان يشتت عيلتي.. وقتها مببقاش راجل أعمال، بابقا كابوسك.”
حاول فريد أن يبتلع ريقه بصعوبة، ويداه ترتجفان على مسند الكرسى. “أنت.. أنت بتقول إيه.. أنا معرفش حاجة عن بنتك.. ولا عن الحادثة.. دي مجرد ترهات!”
أخرجت الظرف الملطخ بآثار الحادث من جيبى، وألقيته فى وجهه مباشرة.
“سواقك الشخصي ‘عمر’ اعترف بكل حاجة قبل ما يتنفس أنفاسه الأخيرة.. واعترف إنك أنت اللى أمرته يخبط عربية ليليان عشان تأخذوا الطفلة وتضغطوا عليّا بيها.”
رأيت الذعر ينفجر فى عيني فريد، فحاول الوقوف، لكن بقبضتى الحديدية هجمت عليه، وأمسكته من تلابيب قميصه بعنف، وأقفته مرغمًا.
“اسمعنى كويس يا فريد”، قلت بصوت كفحيح الأفعى. “حاولت تحرمنى من مراتي زمان.. وسكت. حاولتا تاذيني في شغلي.. وسكت. لكن تقرب لدمي.. لبتنى اللى لسه ماشوفتش الدنيا؟ عهد عليّا، لو طلعت الشمس وبقيتا على وش الأرض، هخلَى اسمك يتسحى من تاريخ ميامي والقاهرة كله.”
رميته بعنف على الأرض، وسقط على ركبتيه وهو يئن من الألم والخوف.
“اربطوه”، أمرت غازى باقتضاب. “خدوه على المخزن السري.. وسبولي بكرة الصبح، خليني أعلمه كيف يلعب مع الكبار.”
استدرت وتركتهم خلفي، وخرجت إلى الهواء الطلق. صحيح أن فريد دفع جزءًا من الثمن، لكن الموقف لم ينته بعد.. لأنني لن آرام إلا وأنا جالس بجوار ليليان وجنّة فى بيتنا، آمنين مطمئنين، بعيدًا عن كل وحوش العالم.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه
ركبت السيارة بجوار غازى، وتحركنا مباشرة فى طريق العودة نحو مستشفى المعادى. طوال الطريق، كان عقلى مشغولاً بشيء واحد فقط: كيف أضمن ألا يقترب أى خطر من ليليان وجنّة مرة أخرى. فريد انتهى، ورجاله أصبحوا فى قبضتنا، لكن الأمان الحقيقي لا يتحقق إلا بأن نكون معًا تحت سقف واحد.
وصلت إلى المستشفى، وصعدت بخطوات واسعة إلى غرفة ليليان. عندما فتحت الباب، كانت نائمة بعمق على السرير الأبيض، بينما كانت جنّة تلهو ببرائة فى سرير الأطفال المخصص لها بجوارها، نائمة كالملائكة وكأنها لم تشهد شيئاً من كوابيس الليلة الماضية.
اقتربتُ من سرير جنّة، وانحنيت لأقبض على كفها الصغير
بحذر شديد. فتحت عينيها الواسعتين ببطء، ونظرت إلىّ بنفس نظرة الكبرياء والحدة التى ورثتها عني، ثم أغلقت عينيها مجددًا لتستغرق فى النوم. ابتسمت لأول مرة من قلبي منذ خمسة عشر شهرًا.
فتحت ليليان عينيها ببطء، وبمجرد أن رأتني واقفاً بجوار طفلتنا، تحركت فى مكانها متألمة قليلاً من آثار الحادث.
“مراد…” قالت بصوت خافت مجهد. “طمنّي.. فريد عمل إيه؟ هل جنّة فى أمان؟”
جلست على الكرسي بجوار سريرها، وأمسكت بيدها الدافئة بحنان. “كل شيء انتهى يا ليليان. فريد وراجلته بقوا فى مكان مش هيطلعوا منه أبداً، وبنتنا بقت فى أمان تام.. مفيش أى كائن على وجه الأرض يقدر يقرب منكم بعد اليوم.”
ترددت قليلاً، وكأن هناك أسئلة كثيرة تتزاحم فى رأسها، لكنها اكتفت بأن تضغط على يدي بقوة ودموع الراحة تنحدر
على خديها.
“كنت خايفة يا مراد.. كنت فاكرك بعتني واتخلیت عني وعن بنتنا..”
“أنا عمري ما تخلّيت عنكم يا ليليان، كنت بحميكِ بطريقتي الغلط زمان، لكن العوض جه لحد عندي.. وبدءاً من اللحظة دي، مفيش قوة تقدر تفرقنا تاني.”
بعد ثلاثة أيام، خرجت ليليان من المستشفى بصحبة جنّة. عدنا إلى بيتنا القديم، وكأن الزمن استدار ليعيدنا إلى النقطة التي افترقنا فيها، لكن هذه المرة بصحبة قطعة من قلوبنا.
بينما كنت جالساً فى صالة الحضانة أطعم جنّة بينما كانت ليليان تقف تبتسم لنا من باب الغرفة، أدركت أن الحياة ربما تسرق منا أحياناً سنوات بسبب الخوف والظروف، لكن الحقيقي والصادق منها يعود دائماً.. ليصنع بداية جديدة لا نهاية لها.
نهاية القصة
طفلة الموعد الأخير
حكايات شروق خالد




