
#حكايات_شروق_خالد
مرت أيام العيد بسرعة، وخلصت إجازة الكريسماس ورأس السنة، وكل واحد رجع لحياته وعمله. هشام مرجعش كلمني، وماتصلش يسأل، وأنا كمان ماحاولتش أفتح سيرة. كنت حاسة براحة غريبة أول مرة أحسها من ساعة ما محمود مات؛ البيت كان هادئ، وكنت بنزل المركز كم يوم في الأسبوع أساعد هدى في توزيع البطاطين والمساعدات للناس اللي البرد كان قاسي عليهم.
في أول يناير، كنت قاعدة بقلب في التليفزيون بالليل، ولقيت الباب بيخبط.
فتحت، وكانت المفاجأة.. رشا مراته واقفة على الباب، وماسكة شنطة سفر صغيرة في إيدها، وعينيها حمرا كأنها كانت بتعيط، وراها هشام واقف وراها وساكت خالص ومهبط راسه في الأرض.
بصيت لهم باستغراب وقلت ببرود: “خير؟ حصل حاجة؟”
رشا دخلت من غير ما تستأذن، وقعدت على الكرسي في الصالون، وبدأت تعيط بجد. هشام دخل وراها وقفل الباب بحذر، ووقف قدامي زي الولد الصغير اللي عامل مصيبة.
قالت رشا بصوت مكسور: “يا ماما.. احنا اسفين حقك عليا أنا.. أنا اللي كنت عصبية وكنت ضاغطة على هشام، وماما تعبت بجد ومكنش ينفع نسيبها، بس ده ميكنش مبرر أبداً للطريقة اللي كلمتك بيها يومها.”
بصيت لهشام، ولقيته بيقول بصوت واطي ومتردد: “رشا اتخاصمت مع أهلها في أول السنة.. وماما هناك عملت مشكلة عشان كنا عايزين نقضي كم يوم عندهم وبعدين نيجي عندك.. الدنيا باظت خالص يا ماما، ومفيش حد وقف جنبنا غيرك.”
هزيت رأسي وأنا واقفة مكتوفة الإيدين: “ودلوقتي افتكرتوا إن ليكم أم؟ لما بعتّي لي وقولتيلي أنا مش مدعوة، كنتِ فاكرة إن الدنيا هتمشي بمزاجكم؟ الفلوس راحت للمكان الصح يا هشام، ومتحاولش تفتح السيرة دي تاني.”
قرب مني هشام ونزل على ركبتيه قدام الكرسي اللي كنت قاعدة عليه، ومسك إيدي: “والله يا ماما ما فارقين معايا الفلوس.. أنا كل اللي وجعني إنك زعلانة مني، وإننا بقينا أغراب كده. تعالي عيشي معانا، أو تعالي نقعد سوا.. مش هيهمني لا كلام الناس ولا أي حاجة.”
سحبت إيدي بالراحة، وبصيت في عينيه وقلت بلهجة حازمة لكن هادية: “يا هشام، أنا مش زعلانة إنكم قضيتوا العيد عند أهلها.. الزعل مش على الأكل ولا العزومة، الزعل على الأصول وقلة الذوق في الكلام. أنا ست عايشة لوحدي آه، بس عندي كرامتي اللي محدش يجرحها.”
رشا قامت وقفت، ونزلت دموعها بزيادة: “والله يا ماما أنا ندمانة، وI learned my lesson (اتعلمت الدرس).. أنا بس كنت جاية أطلب منك تسامحينا، ومش طالبة منك مليم واحد من فلوس عمي محمود، دي حاجتك وحقك وحق تبرعه.”
بصيت للاثنين، وشوفت الندم بجد في عيونهم يمكن لأن الدنيا ضاقت بهم وملاقوش سند غيري، ووقتها حسيت بقلب الأم اللي مهما زعل بيحن في الآخر.
وقفت وقلت لهم: “تشربوا إيه؟”
هشام رفع راسه وفتح بؤه بابتسامة صغيرة كأنها طوق نجاة: “اعملي لنا شاي يا ماما.. والنبي.”
قعدنا سوا للساعات الأولى من الفجر، اتكلمنا بصراحة ولأول مرة من سنين حسيت إن العيلة دي ممكن تبدأ صفحة جديدة بجد، صفحة قوامها الاحترام والصراحة، مش المصلحة والهروب وقت الضيق.
من يومها، بقيت أشوفهم أكتر، وليلي وנוح بقوا بيجوا يقضوا معايا الويك إند، ورشا بقت تيجي تساعدني في المطبخ وتسأل عليا دايماً. وفهمت درس غالي أوي؛ إن اللي يقفل باب في وشك، ربنا بيفتح له ألف باب للخير، وإن الكرامة هي أغلى حاجة ممكن الإنسان يحافظ عليها في آخر أيامه.
خلف أبواب العزلة
حكايات شروق خالد




