
وفي اللحظة دي، مدبرة القصر العجوز فتحت الباب ودخلت وهي بتلهث:
“يا سيف بيه! فيه ست واقفة بره القصر على البوابة، وبتقول إنها عايزة تقابل حضرتك ضروري!”
سيف وقف مكانه ونطق بصوت جحيمي: “ست مين دي اللي بره؟! ملك؟!”
الخدامة هزت راسها برعب وقالت: “مش عارفة يا باشا.. رافعة حاجة على وشها وواقفة على البوابة ومتحركتش خطوة.. بتقول لازم تكلمك بنفسها وتقولك كلام مهم عن الليلة اللي اختفت فيها المدام!”
قبل ما تخلص كلامها، كان سيف بيندفع لبره، نزل سلالم القصر جري ووراه الحراس. فتح باب القصر الكبير، وبص في الضلمة لحد ما شافها..
ست واقفة في العتمة، لابسة عباية سوداء طويلة ومغطية وشها بطرحة ثقيلة، واقفة ثابتة زي التمثال.
سيف قرب منها بغضب وصرخ بصوت عالي: “إنتِ مين؟! وملقيتي تتنلي تقفي هنا وتعملي هوسة غير دلوقتي؟! انطقي.. فين مراتي؟!”
الست رفعت إيدها ببطء شديد، وشالت الطرحة من على وشها..
سيف اتجمد مكانه؛ دي كانت واحدة من أقدم الحكيمات اللي كانوا بيخدموا في قصر والده زمان في الصعيد!
الست بصتله بابتسامة غريبة، وقالت بصوت هادئ:
“كنت مفكر إنك تملك كل حاجة يا سيف بيه؟ فاكر إن الفلوس والرجال والاسم يقدروا يشتروا كل النفوس ويقفلوا كل البيبان؟”
سيف بلع ريقه بصعوبة: “قصدك إيه؟ ملك فين؟ راحت فين من حارة مسدودة مفيهاش أي مخرج؟!”
الحكيمة قربت منه خطوة وقالت:
“الحارة اللي انتهت عندها، كانت هي البداية الحقيقية للي متعرفهوش.. ملك مكنتش هاربة، دي كانت راجعة لأصلها.. وأنت بقوتك دي كلها، خبطت في الباب الغلط.. اسمعني كويس يا سيف بيه، اللي زيك بيحسب إنه بيملك الكل، بس في الآخر بيكتشف إنه كان بيحرك عرائس خشب.. ومرتك راحت في الحتة اللي مستحيل يدخلها عسكري من رجالتك!”
سيف حس إن الدنيا بتلف بيه، وصرخ بصوت جاب آخره: “انطقي.. راحت فين؟!”
الست مدت إيدها وطلعت من جيبها حاجة صغيرة رمتها على الأرض قدام رجله..
كانت دبلة ملك الدهب.. مكسورة نصين.
وفجأة، اتقفلت أبواب القصر الحديدية وراهم لوحدها بقوة مرعبة، وسُمع صوت ضحكة بعيدة!
#حكايات_شروق_خالد
سيف انحنى بسرعة وبرك على ركبة ونص، ومد إيده جاب الدبلة المكسورة. حس بسخونة الذهب ووجع غريب بيعصره من جوه. لما رفع عينه عشان يسألها تاني، كانت الست اختفت. مكانها كان فاضي تماماً كأنها كابوس.
وقف زي المصدوم، باصص للدبلة في كف إيده، ورجع لجو جوه القصر بخطوات ثقيلة. الحراس كانوا واقفين بيتحاكوا في الخوف والتوتر اللي ملا المكان.
زعق فيهم بصوت مهزوز لأول مرة: “ابعتوا عربيات ومطاردة لكل شبر في الصعيد! دوروا في البلد اللي جت منها الست دي.. كل شبر!”
بس قبل ما يتحرك حد، الهوا بره القصر قلب بعاصفة غريبة، ونور اللمبات في القصر طفى واشتغل كذا مرة لوحده. الموبايل في جيب سيف رن.. رقم مجهول.
رد بسرعة وهو بيلهث: “مين؟!”
جاوبه صوت ناعم، صوت ملك.. بس هادي ببرود غريب ومفهوش أي خوف:
“بتدور عليا فين يا سيف؟ مش أنت قلت إن مفيش مكان أروح له؟ أنا لا هربت.. ولا تهت في حارة مسدودة.. أنا خرجت من الناحية اللي عينك وعين رجالتك أعمى عن تشوفها.”
سيف صرخ في التليفون: “ملك! إنتِ فين؟! تعالي هنا حالا وهعملك اللي تعوزيه!”
ملك ضحكت.. ضحكة هادية رنت في ودانه:
“فلوسك واسمك وقصرك خليهم لغيري.. أما أنا، بقيت في دني تاني خالص، دنيا مفيهاش سيطرة ولا جبروت.”
الخط قطع، وسيف رمى التليفون على الأرض كسره حتت، وبص حواليه في القصر الواسع اللي بقى فاضي عليه.. وحس ولأول مرة إنه أغنى راجل في مصر.. وأفقر إنسان في الدنيا.
مرت السنين…
سيف الدين الهواري، الراجل اللي كان بيخاف منه الكل، بقى عايش زي المجنون جوه قصره الواسع، وكل هدفه في الحياة يوصل لخيط واحد يوديه لمراته. لكن ولا رجاله، ولا أمواله، ولا سلطته عرفوا يلاقوا أي أثر للباب اللي دخلت منه.
وفي ليلة ربيعية هادية، في بيت بسيط في قلب الصعيد، كان فيه ناس بتعيش بسلام وبساطة.
#حكايات_شروق_خالد
وبعد سنين طويلة من العزلة والجنون، في ليلة شتوية باردة جوه القصر الواسع اللي بقا شبه المقبرة، سيف كان قاعد على كرسيه لوحده، الملايين حواليه ملهاش أي قيمة، والنفوذ راح، والكل هرب من جحيم عصبيته.
في اللحظة دي، جرس بوابة القصر رن.. رنة هادية ومألوفة.
سيف قام بصعوبة، رجليه بتجر بعضها من الكبر والتعب، وفتح الباب بنفسه وهو بيلهاث.
على عتبة الباب، مكنش فيه حراس ولا رجال.. كان فيه شاب، عيونه فيها نفس نظرة ملك وثباتها، ولابس تيشيرت بسيط، وفي إيده شنطة سفر قديمة.. نفس الشنطة اللي خرجت بيها ملك ليلة هربها.
الشاب بص لسيف ببرود وقال بصوت هادي:
“أنا ابن ملك.. وجاي أقول إن الحكاية خلصت، وإن الوقت جه عشان تسيب الاسم ده للأبد.”
سيف فتح بؤقه عايز ينطق، عايز يلمسه، عايز يقول أي كلمة.. بس صوته راح. وفي اللحظة دي، طار طائر أبيض من فوق القصر، وابتعد في السما الواسعة، كأن الروح رجعت للمكان بعد سنين من سجن الجبروت.
الهروب الأخير
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




