
«ربنا يخليكي ليا يا بنتي.»
لكن جلال قام فجأة، وخبط بإيده على الترابيزة.
«كفاية تمثيل! هاتوا الشريط والورق!»
الراجلين اتحركوا ناحيتنا، لكن في اللحظة دي سمعنا صوت صفارات شرطة جاية من الشارع.
جلال اتجمد مكانه.
محمود بصلي بدهشة، وأنا طلعت موبايلي من جيبي.
كنت قبل ما ندخل البيت القديم بعت رسالة لصاحبتي ندى، اللي شغالة محامية، وطلبت منها لو ما كلمتهاش خلال نص ساعة تتصل بالشرطة وتبعتلهم عنوان البيت.
ندى وصلت للعنوان ومعاها قوة من الشرطة، بعد ما شرحت لهم إن فيه ضغط واحتجاز وإن عندنا مستندات ممكن تكون مرتبطة بواقعة قديمة.
دخل الضابط ومعاه القوة، وقال بصوت حازم:
«محدش يتحرك من مكانه!»
جلال حاول يستعيد هدوءه بسرعة.
«خير يا حضرة الضابط؟ دي مشاكل عائلية، وإحنا بنحلها.»
الضابط بص للورق اللي في إيدي، وبعدها بص لمحمود.
«إحنا وصلنا بلاغ بضغط وإساءة، وفيه مستندات لازم تتفحص. الكل هيتفضل معانا علشان نسمع أقواله.»
جلال حاول يعترض، لكن الضابط أمر بتفتيش المكان.
وأثناء التفتيش، واحد من أفراد القوة لقى شنطة صغيرة في عربية جلال، جواها أوراق قديمة وصور لمحمود وسعاد، ومعاها مفتاح تاني مطابق للمفتاح اللي طلعناه من العلبة.
جلال وشه اصفر.
محمود بص للشنطة، وقال:
«المفتاح ده كان بتاع المكتب اللي في شركة أبويا القديمة.»
الضابط سأله:
«والمكتب ده موجود فين؟»
محمود رد:
«في وسط البلد. بس الشركة اتقفلت من سنين، والمكتب المفروض إنه اتسلم لحد تاني.»
الضابط طلب التحفظ على الأوراق والمفتاح، وأخد جلال ورجالته للقسم لسماع أقوالهم والتحقيق في الضغط والإساءة والمستندات اللي ظهرت.
لكن قبل ما جلال يخرج من الباب، لف وبصلي وقال:
«إنتِ فاكرة إنك كسبتي يا مريم؟ الحقيقة اللي بتدوري عليها ممكن تدمرك أكتر ما هتنفعك.»
رديت عليه بثبات:
«أنا عشت طول عمري محرومة من الحقيقة، ومش هخاف منها دلوقتي.»
خرج جلال، لكن كلامه فضل يرن في ودني.
بعد الليلة دي، أخدت محمود المستشفى علشان نطمن عليه. الدكتور أكد إنه محتاج راحة وعلاج، وإن حالته محتاجة متابعة، خصوصًا بعد اللي حصل له.
قعدت جنبه لحد الصبح، وأنا ماسكة إيده.
ولما فتح عينيه، ابتسملي ابتسامة ضعيفة وقال:
«إنتِ لسه هنا يا مريم؟»
ضحكت وسط دموعي.
«أومال كنت هسيبك لمين؟ إنت لسه ما حكيتليش كل حاجة.»
محمود مسح على إيدي وقال:
«هحكيلك كل حاجة يا بنتي، بس لازم نوصل للمكتب الأول.»
تاني يوم، ندى قدرت تساعدنا في تقديم طلب رسمي لفحص المستندات القديمة، والشرطة بدأت تتحقق من صلتها بالوقائع اللي محمود حكاها.
وبعد أيام، قدرنا نوصل للمكتب القديم في وسط البلد، بمساعدة المحامي اللي كان بيتابع تركة العيلة زمان.
فتحنا الباب بالمفتاح اللي لقيناه في العلبة.
المكتب كان مليان تراب، والأثاث قديم، لكن في آخر الأوضة كان فيه دولاب حديد صغير.
المفتاح التاني فتحه.
جواه لقينا ملف كبير عليه اسم فؤاد الشناوي.
فتحت الملف، وبدأت أراجع الورق واحدة واحدة، لحد ما وقعت عيني على شهادة ميلاد قديمة، وصورة لأمي وهي شايلة طفلة صغيرة، وعلى ضهر الصورة مكتوب:
«مريم، بنتي اللي هتفضل أمانة في رقبتي لآخر يوم في عمري.»
لكن المفاجأة كانت في التقرير الطبي الموجود تحت الصورة.
كان تقريرًا من مستشفى في القاهرة، بتاريخ قريب من يوم ولادتي، ومكتوب فيه اسم سعاد، واسم الشخص اللي أقر باستلام أوراقها بعد الولادة.
الاسم كان محمود عبد الرحيم.
رفعت عيني لمحمود، وقلت:
«هو إنت كنت مع أمي يوم ما اتولدت؟»
دموعه نزلت وهو بيهز راسه.
«أيوه يا بنتي. كنت شايلك بإيدي، وكنت فاكر إن الدنيا كلها بقت ملكي يومها.»
سألته:
«أمال ليه كل الورق ده كان في مكتب فؤاد؟»
محمود بص للتقرير وقال:
«علشان فؤاد كان صاحب أمك في الشغل، وكان بيساعدها في إجراءات المستشفى. لكن لازم نتأكد من كل المستندات، لأن الورق لوحده مش كفاية نحكم على كل حاجة.»
ندى بدأت تجمع المستندات وتراجعها مع الجهات المختصة، واتفقنا إننا مش هنصدق أي رواية قبل ما الحقيقة تظهر بالأدلة.
لكن وأنا بقلب في الملف، لقيت ظرف صغير مستخبي في الجيب الداخلي.
كان عليه بخط أمي:
«إلى مريم… لا تفتحيه إلا لما تعرفي الحقيقة كاملة.»
فتحت الظرف، وطلعت منه ورقة قصيرة، مكتوب فيها:
«يا بنتي، لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى لازم تعرفي إن محمود مش بس الراجل اللي حبني، ده كمان الشخص اللي أنقذ حياتك يوم ما كنتِ رضيعة.
لكن فيه سر أخير، سر ما قدرتش أحكيه لأي حد، حتى محمود نفسه.
الشخص اللي كان وراء الحادث اللي أودى بحياة فؤاد الشناوي مش جلال…»
وقفت عن القراءة.
بصيت لمحمود، اللي كان بيبصلي بصدمة.
كملت آخر سطر:
«المسؤول الحقيقي كان شخصًا من أقرب الناس لينا، شخص كنتِ بتشوفيه كل يوم وإنتِ صغيرة…»
إيدي بدأت تترعش، والورقة وقعت من إيدي.
لأن تحت السطر ده، أمي كانت كاتبة اسم الشخص.
الاسم اللي خلاني أصرخ من الصدمة، لأن عمري كله كنت فاكرة إن الشخص ده فارق الحياة من زمان!
فضلت باصة للورقة، وعيني مش قادرة تستوعب الاسم المكتوب في آخر سطر.
عادل الشناوي!
عم فؤاد الشناوي، الراجل اللي كل الناس قالت إنه فارق الحياة من أكتر من عشرين سنة، واللي كنت فاكرة إنه مجرد اسم في حكايات قديمة سمعتها من أمي وأنا صغيرة!
بصيت لمحمود وقلت وأنا برتعش:
«يا بابا، هو مش عادل الشناوي فارق الحياة من زمان؟!»
محمود أخد الورقة من إيدي، وقرا الاسم أكتر من مرة، وبعدها قعد على الكرسي وهو حاطط إيده على راسه.
«يا نهار أبيض! عادل كان عايش بره مصر سنين طويلة، والناس كلها كانت فاكرة إنه فارق الحياة. بس إزاي أمك عرفت إنه هو اللي كان وراء حادث فؤاد؟»
في اللحظة دي، ندى، صاحبتي المحامية، قالت:
«مش هنقدر نتهم حد بالواقعة لمجرد إن الاسم مكتوب في جواب قديم. لازم نتحقق من الأدلة، ونوصل للشخص ده، ونعرف إيه اللي حصل فعلًا.»
احتفظنا بالورقة وباقي المستندات، وقدمناها للجهات المختصة. وبعد مراجعة السجلات القديمة، ظهرت مفاجأة جديدة.
عادل الشناوي ما فارقش الحياة!
كان عايش باسم مختلف في الإسكندرية، وبيملك شركة صغيرة، وبيحاول يعيش بعيد عن عيلته القديمة.
والأغرب إن التحقيقات كشفت إن وفاته المزعومة كانت جزءًا من خطة قديمة علشان يختفي بعد حادثة فؤاد.
بعد أيام من البحث والتحريات، قدرت الشرطة توصله، واتقبض عليه للتحقيق في الواقعة القديمة، بعد ظهور أدلة جديدة وشهادات مرتبطة بالحادثة.
لكن عادل أنكر كل حاجة في البداية.
وقال إنه ما يعرفش أي حاجة عن حادث فؤاد، وإن سعاد كانت بتحاول تضغط عليه علشان تاخد فلوس.
وقتها، افتكرنا شريط الكاسيت اللي لقيناه في البيت القديم.
كان لسه مع الشرطة، واتعملت نسخة منه علشان يتفحص في المعمل المختص.
وبعد محاولات لاستعادة الجزء التالف من التسجيل، قدروا يسمعوا صوت أمي وهي بتقول:




