
“مش جاي أطلب منك تسامحيني دلوقتي يا ملك، ولا جاي آخدكم بالعافية،” نزلت عيني لمستوى حمزة وياسين اللي كانوا بيبصوا لي ببرود طفولي بريء، “أنا جاي أعترف بالحقيقة، وجاي أصلح اللي أقدر أصلحه.. أنا عرفت كل حاجة، وعرفت أمي عملت إيه فيكي وفي أبويا الله يرحمه.”
كلمة “أبوك الله يرحمه” خلت ملك تتجمد مكانها. عيونها اتسعت بصدمة، وقالت بصوت هامس: “أنت… عرفت إيه عن أبوك؟”
“عرفت إنها سرقت شركته، وحولت فلوسه، وضحكت عليا زي ما ضحكت عليكي،” رفعت عيني وبصيت لها بجدية تامة. “الليلة دي، كل حاجة هتتغير.. مستعد أهدم إمبراطورية أمي وأرميها في السجن لو ده هيمنحكم جزء صغير من حقكم.”
في اللحظة دي، تليفوني في جيبي رن رنين متواصل وحاد. طلعت الشاشة.. كان “ممدوح” المحامي.
فتحت الخط بسرعة، وصوت ممدوح كان جاي مرعوب ومش متوازن:
— “فارس بيه! الحقنا! البوليس في القصر.. ووالدتك.. والدتك بلغت عنك!”
قلبي وقف مكاني: “بلغت عني بإيه؟!”
“بأنك هددتها بالقتل، وسرقت مستندات سرية من خزنة الشركة، وهربت.. المصيبة إن كل المستندات والقضايا اتحركت ضدك بسرعة الجنون.. النيابة أصدرت أمر ضبط وإحضار ليك حالا!”
قفلت الخط وأنا حاسس إن الدنيا بتلف بيا. أمي مش بس مجرمة.. دي سبقتني بخطوة، وقررت تدمرني تماماً قبل ما أنطق بحرف واحد.
ملك لاحظت الشاحب اللي ظهر على وشي، وسألت بقلق مكتوم: “في إيه؟”
بصيت لها وللولاد نظرة أخيرة حسيت إنها ممكن تكون الأخيرة ليا حرا طليق، وقولت بصوت مكسور: “أمي لعبت لعبتها النهاردة.. بس اللعبة دي، يا أنا يا هي.”
درت بضهري ونزلت السلم جري، وأنا مش عارف أنا رايح فين، بس كنت متأكد من حاجة واحدة: المعركة الكبرى بدأت، ولن أسمح لها بالانتصار هذه المرة أبداً.
ركبت العربية وعربيات البوليس كانت حوالين القصر بتاعي، ففهمت إن الهرب ملوش فايدة والموقف أكبر بكتير من إني أتداركه بالطرق القديمة. أمي كانت جاهزة ومجهزة الخطة بحرافة شديدة؛ ورتّبت كل خيوط اللعبة بحيث تظهرني قدام القانون والنظام إني الابن العاق اللي طمع في أملاك أمه وثار عليها.
اتصلت بممدوح فوراً، وصوته كان واخد نبرة رعب:
— “فارس بيه! إنت فين؟ البوليس بيفتش كل مكان يخصك، والحسابات والشركات اتقفل عليها بقرار تحفّظ فوري!”
— “اسمعني كويس يا ممدوح،” قلت له بصوت حاسم وجاد، “الورق الأصلي اللي بيثبت جريمتها في حق أبويا، وفي حق ملك، موجود فين؟”
— “في الخزنة السرية اللي في المكتب القديم.. بس أمي حطت حراسة أمنية مشددة، ومحدش يقدر يدخل هناك غير بأمر قضائي أو موافقتها.”
— “خلاص، مفيش وقت للروتين والقانون اللي هوجهها بيه بعد ما دمرت حياتي،” قفلت السكة قبل ما يرد، ودوّست بنزين وناصي في اتجاه القصر مباشرة.
لما وصلت، كان القصر منوّر بأنوار الشرطة الزرقاء. نزلت من العربية بخطوات ثابتة وثقيلة، والكل كان بيبص لي بدهشة. الحرس حاولوا يمنعوني، لكن نظرة عيني كانت مرعبة لدرجة إنهم تراجعوا لورا. دخلت من البوابة الرئيسية، وطلبت من ضابط البوليس المسؤول إننا ندخل جوه عشان أتكلم.
أمّي كانت قاعدة في الصالون الكبير، لابسة بدلتها الأنيقة، حاطة رجل على رجل، وبكل برود الدنيا بتبصلي وقالت للظابط:
— “أهو وصل.. المجرم بنفسه اللي حاول يبتزني ويهددني في بيتي.”
الظابط بصلي وقال: “فارس مهران، أصدر أمر بضبطك وإحضارك بتهمة التهديد والسرقة والتعدي. اتفضل سلم نفسك بهدوء.”
رفعت إيدي وابتسمت ابتسامة مكسورة لكنها واثقة، وبصيت في عيون أمي اللي كانت بتلمع بالغرور والنصر.
— “تمام يا باشا، أنا جاهز أسلم نفسي.. بس قبل ما تكلبش إيدي، ليا حق قانوني واحد.. حق الاطلاع على المستندات الرسمية اللي بتثبت ملكية القصر والشركة اللي هي واقفة فيها دي.”
أمي اتغيرت ملامح وشها لحظة، وقالت بصوت حاد: “مستندات إيه؟ دي أوراقي وأملاكي الخاصة، والولد ده بيخرف وعايز يشتت الأنظار عن جريمته!”
— “مش هخرف يا هانم،” قلتها وأنا بقرب من الحائط اللي فيه اللوحة الكبيرة لأبويا، وضغطت على الزر السري اللي بيفتح الخزنة. “أبويا الله يرحمه علمني حاجة واحدة.. إن الحق ممكن ينام سنين، بس بيموتش.”
الخزنة اتفتحت، وطلعت منها “فلاشة” صغيرة وملف قديم أصفر مربوط بشريط أحمر.. الجواب الأصلي اللي كتبته ملك، ومعاه مستندات بنكية وسجلات سرية بتحمل إمضاء أمي لوحدها في يوم وفاة أبويا، وهي بتحول كل حاجة لحساباتها بالخارج.
الكل سكت في الصالون. الظابط أخد الملف، وبص فيه بتمعن، وبعدين رفع عينه بصدمة لأمي.
أمّي اتجننت، وقفت وقالت بصوت مأزوم وعالي: “دي أوراق مزورة! العيل ده بيحاول يلبسني قضية عشان فلوسي!”
— “مش مزورة يا أمي،” بصيت لها ودموع القهر بتلمع في عيني، “دي الحقيقة اللي ضحكتي بيها عليا طول عمري.. دي الحقيقة اللي حرمتني من مراتي ولادي، وخلتني أعيش جوه قصر من زجاج مكسور.”
الظابط بص لأمي وقال بصوت رسمي: “يا فندم، بناءً على المستندات الظاهرة والتحريات الأولية، سيادتك متهمة بالنصب والتزوير وإخفاء أدلة جنائية.. اتفضلي معانا.”
الكل كان بيبص للدراما وهي بتنتهي بفصل أخير من الصدمة والانهيار. أمّي أخدوها والكلابشات في إيديها، وبصتلي نظرة أخيرة كلها كره ووعيد، لكن مكنش فارق معايا أي حاجة في الدنيا دي كلها إلا حاجة واحدة بس.
بعد ساعات، كنت واقف قدام شقة ملك في حدائق القبة مرة تاني.
خبطت على الباب بهدوء، ولما فتحت، بصيت لها وعيوني مليانة راحة لأول مرة.
— “انتهت يا ملك.. أمي اتقبض عليها، وكل حقوقك وحقوق الولاد رجعت.. وحق أبويا كمان.”
ملك بصتلي باستغراب ودموعها في عينيها، وقالت بصوت هادئ: “وفارس.. هتعمل إيه دلوقتي؟”
— “ولا حاجة.. كل اللي هعمله إني هبدأ من جديد، بقلب نضيف، وجنب العيلة اللي ضيعتها بغبائي.. لو تقبلي تديني فرصة ثانية.”
حمزة وياسين طلعوا من وراها، وبصوا لي، وتيو (حمزة) رفع حاجبه الشمال بابتسامة خفيفة، وكأنه بيقولي: “مقبول العذر.. بس عقلنا هالمرّة.”
فتحت دراعاتي، ونزلوا في حضني، وملك ابتسمت وسط دموعها، وعرفت إن الحياة مهما قست، دايماً بتديك فرصة تانية عشان تصلح اللي اتكسر.
شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



