
قلت: “ده حقك.”
بصتلي وقالت: “كان نفسي أسمع منك الكلمة دي من زمان.”
رجعت البيت، وفضلت أفكر في كلامها.
كنت طول عمري فاكر إن الجواز مسؤولية فلوس وأكل وشرب وسكن، وإن طالما بدفع المصاريف يبقى أنا عملت اللي عليا.
لكن سحر علمتني إن الإنسان ممكن يكون محتاج منك حاجة أبسط بكتير؛ إنك تحسسه إنه مش لوحده، وإن وجوده لسه مهم، وإن مرضه أو ضعفه مش بيقلل من قيمته.
وفي يوم جمعة، كنت قاعد مع ياسين، وبنلعب بالعربيات الصغيرة على الأرض، وفجأة سألني:
“بابا، إنت بتروح فين كل يوم؟”
قلت: “بروح أطمن على طنط سحر.”
سألني: “هي بتحبني؟”
ابتسمت وقلت: “أوي.”
قال: “طب ليه هي مش عايشة معانا؟”
السؤال فاجأني.
بصيت له، وحاولت أشرح له على قد سنه: “عشان طنط سحر مريضة، وليها بيت بتعيش فيه، وإحنا لازم نطمن عليها ونساعدها.”
فكر شوية، وبعدها قال: “لما أخف، هاجيب لها لعبة.”
حسيت بدموعي بتتجمع.
قلت له: “إن شاء الله يا حبيبي.”
وقتها فهمت إن الرحمة مش حاجة بنتولد بيها كاملة، لكنها حاجة بنتعلمها من اللي حوالينا، ومن الطريقة اللي بنعامل بيها الناس وقت ضعفهم.
بعد فترة، سحر طلبت مني أجيب لها ياسين مرة تانية.
رحنا لها، وكان معاها علبة صغيرة ملفوفة بورق ملون.
أول ما شافتنا، قالت: “تعالى يا ياسين، أنا جايبة لك حاجة.”
ادتهاله، وطلع منها كتاب تلوين صغير وأقلام.
الولد فرح جدًا، وقعد جنبها يوريها كل رسمة بيعملها.
سحر كانت بتضحك معاه، وأنا قاعد أتفرج عليهم، وحاسس إن اللحظة دي أغلى من أي حاجة كنت فاكرها مهمة.
لما جه وقت المشي، ياسين حضنها وقال: “هجيلك تاني يا طنط.”
سحر حضنته برفق، وقالت: “ربنا يخليك يا حبيبي.”
وبعد ما خرجنا، لقيتها بتبص من الشباك وبتلوح لنا.
المنظر ده فضل في بالي طول الطريق.
كنت عايز أرجع أقول لها إن كل حاجة هتبقى كويسة، لكني اتعلمت إني مبقاش أدي وعود مش في إيدي أضمنها.
بدل كده، بقيت أديها وقتي واهتمامي، وأحاول أخلي الأيام اللي نقدر نقضيها سوا أقل وجعًا.
لكن رغم كل محاولاتي، المرض كان ليه أيام صعبة.
وفي ليلة من الليالي، اتصلت بيا السيدة اللي بتساعد سحر في البيت، وقالت إن سحر تعبانة ومحتاجة تروح المستشفى.
وصلت لها، ولقيتها مرهقة جدًا، ومش قادرة تقف لوحدها.
ساعدتها لحد العربية، ووديتها المستشفى.
الليلة دي كانت طويلة، وأنا قاعد بره غرفة الكشف، مش عارف أعمل إيه غير إني أدعي ربنا يخفف عنها.
بعد الفحوصات، الدكتور شرح لي إن حالتها محتاجة متابعة دقيقة، وإن الاستجابة للعلاج ممكن تختلف من فترة للتانية.
دخلت لها، لقيتها صاحية، وبتبص للسقف.
لما شافتني، قالت: “إنت لسه هنا؟”
قلت: “أيوه، أنا هنا.”
ابتسمت وقالت: “كنت فاكرة إنك هتمشي عشان عندك شغل.”
قربت منها وقلت: “الشغل يستنى.”
قالت: “إنت اتغيرت يا مصطفى.”
نزلت عيني وقلت: “يمكن اتأخرت في إني أفهم.”
سكتت شوية، وبعدين قالت: “أنا مش عايزاك تحس إنك لازم تعوضني عن كل حاجة. مش هتعرف ترجع السنين، وأنا مش عايزاك تعيش أسير اللي فات.”
قلت: “أنا مش بحاول أرجع السنين يا سحر. أنا بحاول أبقى إنسان أحسن في الأيام اللي جاية.”
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت: “يبقى كفاية عندي إنك فهمت.”
فضلت جنبها، ولما نامت، مسكت الكراسة اللي كانت بتكتب فيها.
كنت متردد أفتحها، لكن لقيتها مفتوحة على صفحة مكتوب فوقها: “حاجات نفسي أعملها.”
قرأت أول سطر:
“نفسي أعيش يوم من غير ما أحس إني مريضة.”
والسطر اللي بعده:
“نفسي أخرج مع ماما ونقعد في جنينة ونشرب شاي.”
وبعده:
“نفسي ياسين يكبر ويعرف إن الحياة مش باللي بناخده من الناس، لكن باللي بنسيبه جواهم.”
وفي آخر الصفحة، كان مكتوب:
“نفسي مصطفى يبطل يلوم نفسه، ويتعلم يحب الناس وهو لسه عنده فرصة.”
قفلت الكراسة، وحطيتها مكانها.
وبصيت لها وهي نايمة، وحسيت إن فيه حاجات كتير كنت فاكر إني فاهمها، لكني كنت جاهل بيها تمامًا.
مرت الأيام، وبدأت حالة سحر تستقر نسبيًا، وكانت بتكمل علاجها حسب خطة الدكتور، مع متابعة مستمرة.
وفي يوم، اتصلت بيا وقالت: “مصطفى، أنا عايزة أروح شقتي.”
قلت: “إنتِ لسه خارجة من المستشفى، خلينا نتأكد من الدكتور الأول.”
قالت: “أنا عارفة، وأنا مش هعمل حاجة من غير رأيه. بس نفسي أرجع مكاني، وأنام في سريري.”
اتكلمت مع الدكتور، وبعد ما اتأكدنا إن رجوعها مناسب مع توفير الرعاية اللازمة، رجعناها البيت.
أول ما دخلت الشقة، أخذت نفسًا طويلًا وقالت: “ريحة بيتي وحشتني.”
ساعدتها تقعد، وفتحت لها الشباك شوية، وجبت لها مخدة كانت بتحبها.
بصتلي وقالت: “إنت فاكر كل الحاجات دي؟”
قلت: “فاكر أكتر مما تتخيلي.”
ابتسمت، وبعدها طلبت مني أجيب لها الصندوق الخشب اللي كانت بتحط فيه صورنا.
جبتهولها، وقعدت تخرج الصور واحدة واحدة.
فضلت تتفرج عليها، وتحكي لي عن كل صورة، وأنا كنت بسمعها من غير ما أقاطعها.
لما وصلت لصورة فرحنا، فضلت باصة لها فترة طويلة.
قالت: “كنا صغيرين أوي.”
قلت: “كنا فاكرين إن الدنيا هتفضل سهلة.”
ضحكت وقالت: “لأ، أنا كنت عارفة إن الدنيا صعبة، بس كنت فاكرة إننا هنفضل إيد واحدة.”
الكلمة خلتني أسكت.
بعد شوية، رفعت الصورة وقالت: “أنا مش عايزة أمحي الذكريات الحلوة عشان النهاية كانت صعبة. إحنا عشنا أيام حلوة فعلًا، وده مش هيتغير.”
قلت لها: “ولا هيتغير إنك كنتِ أحسن حاجة حصلت لي.”
بصتلي وقالت: “متقولش كلام كبير يا مصطفى. أنا عايزاك تعيش صح، مش تفضل تقول إنك خسرتني.”
قلت: “هحاول.”
ابتسمت: “أهو ده الكلام اللي عايزاه.”
وفي اليوم ده، قبل ما أمشي، طلبت مني أكتب لها رقم تليفون أختها على ورقة، وطلبت كمان أكتب رقم الدكتور ومواعيد الزيارات.
استغربت وقلت: “إنتِ ليه بتكتبي كل ده؟”
قالت: “عشان أبقى منظمة، ومحدش يتعب وهو بيدور على حاجة.”
وبعدين بصتلي وأضافت: “وعشان أنا عايزة أحس إني لسه قادرة أرتب حياتي بنفسي.”



