
بصتلي وقالت: “بس افتكر إن الحب مش بيكفي لوحده. لازم يبقى معاه رحمة، ومسؤولية، وصدق.”
هزيت راسي.
وبعدين قالت: “أنا مش عايزاك تفتكرني بس وأنا مريضة. افتكرني وأنا بضحك، وأنا بزعل منك عشان نسيت تجيب العيش، وأنا بعمل لك الأكل اللي بتحبه، وأنا بقول لك إنك هتنجح حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده.”
ابتسمت رغم دموعي.
قلت: “هفتكرك في كل حاجة يا سحر.”
قالت: “يبقى كفاية.”
في اليوم ده، رجعت البيت، وطلعت الكراسة من الشنطة، وحطيتها في درج مكتبي، من غير ما أفتحها.
وبعدها دخلت عند ياسين، لقيته نايم، فغطّيته وبوسته على راسه.
وقفت جنبه شوية، وقلت لنفسي إن كل يوم بيعدي فرصة جديدة إني أكون أب أفضل، وإن اللي فات لازم يعلمني، مش يحبسني.
لكن وأنا خارج من أوضته، تليفوني رن.
كان اتصال من المستشفى.
قلبي بدأ يدق بسرعة، ورديت.
سمعت الممرضة بتقول: “أستاذ مصطفى، لو سمحت تعالى المستشفى. سحر طلباك.”
محستش برجلي وأنا نازل السلم.
ركبت العربية، وفضلت طول الطريق أدعي ربنا يطمن قلبي.
لما وصلت، جريت على الأوضة.
كانت سحر صاحية، وأمها قاعدة جنبها، وفي إيديها سبحة صغيرة.
قربت منها، فقالت: “تعالى اقعد جنبي.”
قعدت ومسكت إيديها.
قالت: “أنا عايزة أقول لك حاجة، ومش عايزاك تقاطعني.”
قلت: “حاضر.”
أخذت نفسًا طويلًا، وبدأت تتكلم بصوت هادي، لكنه كان مليان إحساس.
“يا مصطفى، أنا عارفة إنك كنت خايف. وعارفة إن المرض غيّر حياتك زي ما غيّر حياتي. وأنا مش هقول لك إنك كان لازم تكون قوي طول الوقت، لأن محدش بيقدر يكون قوي طول الوقت.”
سكتت شوية، وبعدها كملت:
“بس كنت أتمنى إنك متخلينيش أحارب لوحدي. كنت أتمنى إنك لما تتعب، تقولي إنك تعبان، ولما تحس إنك مش قادر، نطلب المساعدة سوا. كنت أتمنى إنك متفتكرش إن الحل الوحيد هو إنك تبعد.”
دموعي نزلت، وقلت: “أنا آسف.”
رفعت إيديها قليلًا، كأنها بتطلب مني أهدى.
“أنا مش بقول لك الكلام ده عشان أوجعك. أنا بقوله عشان دي كانت الحقيقة. وأنا مش عايزة أخبي الحقيقة عشان أرضيك.”
هزيت راسي، وفضلت أسمعها.
قالت: “أنا سامحتك، بس عايزاك تفهم إن التسامح مش معناه إن الوجع مكنش موجود. التسامح معناه إني مش عايزة الوجع يفضل ماسك في قلبي.”
مسكت إيديها بكل رفق وقلت: “أنا فاهم يا سحر.”
بصتلي، وبعدها قالت: “كويس. يبقى خليك فاكر إنك تقدر تبدأ من جديد، حتى لو مش هتقدر تغير الماضي.”
قعدنا ساكتين شوية.
وبعدين قالت: “أنا تعبانة وعايزة أنام.”
عدلت لها المخدة، وساعدتها ترتاح، وقعدت جنبها لحد ما غمضت عينيها.
في اللحظة دي، بصيت لأمها، لقيتها بتبكي بهدوء.
قلت لها: “متقلقيش يا طنط، إحنا جنبها.”
مسحت دموعها وقالت: “ربنا يطمن قلبك يا ابني.”
خرجت من المستشفرجعت البيت.
كان الليل هادي




