قصص

وسادة الحاجة فاطمة#حكايات_شروق_خالد

أما الليرات الذهبية الخمس، فلم أفرط في واحدة منها لمجرد الإنفاق اليومي. احتفظت بها كأمانة غالية، وقررت أن أستغل جزءاً من أرض القرية لإنشاء مشروع صغير لتربية الدواجن وتصنيع المنتجات الغذائية البسيطة. بفضل الله ثم بفضل هذا الاستثمار، استطعت أن أوفر مستقبلاً كريماً لابني وأن أضمن له تعليماً ممتازاً دون أن نمر بأزمات مالية خنقنا بها الزمان.
زوجي، الذي كان يغيب بالشهور في القاهرة للعمل، استطاع أخيراً ترك عمله المجهد هناك والعودة إلى القرية ليدير معي الأرض والمشروع. وفي كل مرة كان يجلس فيها في شرفة البيت، كان ينظر إليّ بامتنان ويقول: “أمي كانت شايفة اللي أنا مكانتش شايفه.. ربنا عوضك عن صبرك وتعبك معاها.”
المخدة القديمة المهرية نفسها لم أرمِها. قمت بتنظيفها وترميم غرزها بيدي، واحتفظت بالرسالة داخل إطار خشي يعلق على حائط الغرفة. كانت تلك الرسالة تذكرني دائماً في لحظات التعب واليأس بأن لا شيء يضيع عند الله، وأن المعاملة بالحسنى والرحمة بقلب صادق لا بد أن تثمر في النهاية، حتى لو من أضعف وأوهن الأشياء.
اليوم، كبر ابني وأصبح شاباً جامعياً يتفوق في دراسته، وكلما مر من أمام إطار الرسالة المعلق على الحائط، توقف لبرهة وقرأ الكلمات التي كتبتها جدته، ليتذكر دائماً معنى الوفاء والبر.
الحاجة فاطمة لم تكن مجرد عجوز رعيتها في آخر أيامها، بل كانت طوق نجاة أرسله الله لي في مرحلة قاسية من عمري. علمتني أن الصبر الحقيقي ليس مجرد تحمل للأعباء، بل هو يقين بأن العوض آتٍ لا محالة، وأن الله لا ينسى قطرة عرق واحدة سقطت بصدق وإخلاص.
البيت الذي كان يوماً شاهداً على وحدتها وتعبها، تحول اليوم إلى واحة دافئة تملؤها السكينة والضحكات. وكلما نظرت إلى أفق الأرض الخضراء التي أصبحت ملكاً لنا، تذكرت يديها المخشوشنتين وابتسامتها الهادئة، فأرفع يدي لأسأل الله لها الرحمة والمغفرة، وأحمد الله ألف مرة على تلك الوسادة الممزقة التي غيرت مجرى حياتنا إلى الأبد.
#حكايات_شروق_خالدوعلى الرغم من مرور كل هذه السنين، إلا أنني لم أنسى أبداً ذلك الجار العجوز، عم “صابر”، الذي كان يسكن في أول الحارة وكان شاهداً على صمتي وصبري طوال تلك السنوات.
في أحد الأيام، وبعد أن استقرت أمورنا وهدأ العاصفة تماماً، مرّ عم صابر من أمام باب دارنا، فوقف ونادى عليّ بصوته المبحوح والطيب:
* “يا مريم يا بنتي.. البقاء لله وحده، بس أنا كنت مستني الوقت المناسب عشان أقول لك كلمتين كان لازم أعرفهم من زمان.”
نظرت إليه باهتمام وقلت: “خير يا عم صابر؟ اتفضل اسرح.”
ابتسم وقال وهو يتكئ على عصاه: “أنا كنت عارف الله يرحمها الحاجة فاطمة كويس قوي، وقبل ما تتعب بشهرين بالتمام والكمال، طلبت مني أعدي معاها على الشهر العقاري في المركز. وقتها سألتها باستغراب: (يا حاجّة، ولادك حواليكي، ليه كاتبة كل حاجة لمريم لوحدها؟). فبصت لي بنظرة قوية وقالت لي جملة لسه فضل في وداني لحد النهاردة: (يا صابر.. اللي شالني في مرضي وقرفي ومحدش سأل فيا غيره، هو اللي يستاهل يورث طينتي وبيتي، الباقيين هيروحوا للفلوس لكن مريم هتحافظ على العرض والأرض).”
أجهشت في البكاء مجدداً، ليس حزناً، بل تأثراً بأنها كانت واعية ومدركة لكل خطوة خطتها، وأنها لم تترك أمراً للصدفة. شكرت عم صابر على أمانته وصدقه، ودخلت البيت وأنا أتحسس إطار الرسالة المعلّقة.
اليوم، حين يجتمع أهل القرية في المناسبات، لم يعد أحد يتهامس شفقة عليّ كما في الماضي، بل صاروا يضربون المثل بـ “مريم وحماتها”، وكيف أن الوفاء والخدمة الخالصة لوجه الله لا تُنسى ولا تضيع أبداً.
الحاجة فاطمة رحلت بأجسادنا، لكن سيرتها العطرة ما زالت تفوح في أرجاء البيت، تملؤه بركة وخيراً، وتؤكد لي في كل يوم أن الطيبة تصنع المعجزات، وأن الله دائمًا يجازي الصابرين عوضاً يليق بكرمه الذي لا ينفد.

وسادة الحاجة فاطمة
حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى