
مرت الأسابيع بعد اليوم ده، وحياتنا جوة الفيلا اتغيرت من غير ما حد يحس.
أمي كانت لسه خايفة، كل ما تلمح خيال سليم بيه تبعدني عنه، بس أنا كنت أذكى من إني أستسلم بسهولة.
بقيت أنزل كل يوم الصبح، أول ما أسمع صوت خبط الأوزان من تحت.
أقف عند أول السلم، أعد اللفات:
واحد.. اتنين.. تلاتة..
في يوم، الصوت وقف فجأة.
لقيت خياله الضخم على الحيطة قدامي، وسمعت صوته الرخيم جاي من تحت:
– “هتفضلي واقفة عندك كتير؟ ولا بيني قرر يتدرب خلاص؟”
نزلت جري.
كان قاعد على بنش التمرين، ماسك أثقال صغيرة في إيده.
بصلي وقال:
– “العضلات مش بتيجي بالساهل يا زينب.. بتيجي بالالتزام، وإنك ما تخافيش من التعب.”
مسك إيدي الصغنونة، وحط فيها وزن صغير جداً أصفر اللون:
– “جربي ترفعي ده.”
جيت أرفعه كان تقيل عليا، بس حاولت.
سليم بيه ضحك.. كانت أول مرة أشوفه بيضحك.
ضحكة هادية خبت ملامح وجهه القوية لثواني.
– “شاطرة.. المرة الجاية ارفعيه عشر مرات.”
من اليوم ده، بقيت أنا وسليم بيه أصحاب بأسلوب غريب.
هو الراجل اللي ناس كتير بترتبك من اسمه، وأنا البنت الصغيرة اللي بتدخل عليه أوضته في أي وقت تسأله عن الأرنب بيني، أو تقعد جنبه وهو بيراجع أوراق شغله المعقدة.
بس الدفا ده ما كانش هيطول..
في ليلة ممطرة، زي الليلة الأولى بالضبط، صحيت على صوت دوشة مكتومة، وصوت أمي في المطبخ!
قمت من على السرير ونطيت بسرعة من غير ما أفكر.
قلبي كان بيدق زي الطبلة، والأرنب “بيني” مقفول عليه في قبضة إيدي الصغيرة.
نزلت السلم الضيق اللي بيودي على المطبخ، وكان النور مطفي، بس الضوء الأحمر بتاع سيارات الحراسة برة الفيلا كان بيدخل من الشبابيك زوايا معوجة ومقلقة على الحيطان.
أمي كانت واقفة ورا الترابيزة الكبيرة، ضامة جسمها ومخبية وشها في إيديها وبتعيط بكسرة وصوت مكتوم.
– “أمي! فيه إيه؟”
سحبتني بسرعة تحت الترابيزة، وضمتني لحضنها جامد لدرجة إني حسيت بضلوعها بترتعش.
– “اهدي يا زينب.. اهدي يا حبيبتي، ما تطلعيش صوت خالص.”
الصوت كان جاي من الصالون الكبير..
صوت حاجات بتتكسر، ورجالة بتزعق بأصوات غريبة وعالية، وبعدها صوت هادي ومستقر.
صوت سليم بيه:
– “إنت فاكر لما تدخل بيتي بالطريقة دي هتقدر تخرج منه بسهولة يا توفيق؟”
رد عليه صوت تاني خشن ومليان غضب:
– “البيت ده مش بيتك لوحدك يا سليم! السلسلة دي لازم تنتهي الليلة، ومفيش حد من رجالتك هيقدر يلحقك!”
فجأة، سمعنا دوشة جديدة ورزعة باب جامدة.
أمي صرخت بصوت واطي ومسكت فيا أكتر.
أنا ما كنتش خايفة على نفسي، كنت خايفة على سليم بيه.. الراجل اللي علمني إني ما أخافش من التعب.
تسحبت بالراحة من تحت إيد أمي رغم محاولتها إنها تمسكني، وبصيت من تحت مفرش الترابيزة النازل للنص.
شفته..
سليم بيه كان واقف في نص الصالون، قميصه الأبيض متبهدل وعليه أثر أحمر عند كتفه، بس عينيه الرمادي كانت ثابتة زي الصخر.
كان واقف بثبات غريب، وحواليه أربعة رجالة لابسين أسود، والتوتر مالي المكان.
توفيق، الراجل اللي كان واقف قدامه، ابتسم ابتسامة مريبة واتقدم خطوة ناحية سليم مباشرة:
– “أستودعك الله يا سليم بيه..”
قبل ما يحصل أي شيء، أنا اتصرفت من غير ما أفكر.
مسكت الأوزان الحديد الصغيرة الصفراء اللي سليم بيه كان ادهالي الصبح وكنت شايلاها في جيبي، ورميتها بكل قوتي باتجاه الفازة الكبيرة القزاز اللي على الترابيزة القريبة منهم.
الفازة وقعت على الأرض واتكسرت بدوي كبير خضّ كل اللي في الأوضة!
توفيق اتلفت بذهول لثانية واحدة بس.
والثانية دي كانت كفاية لسليم بيه.
في لحظة، سليم تحرك بسرعة، وأوقف توفيق عن التقدم، وفي ثواني دخلت رجالة سليم بيه الصالون وسيطروا على الموقف بالكامل.
في لحظات، المكان كله بقى تحت السيطرة.
سليم بيه كان بينهج، ومسح الأثر اللي على كتفه بمنديل، وبص ناحية المطبخ.. ناحية المكان اللي الفازة اتكسرت جنبه.
أنا طلعت من تحت الترابيزة، ومسكت بيني من ودنه، ووقفت ببصله.
سليم قرب مني بخطوات بطيئة، نزل على ركبته قدامي، ورغم التعب، ابتسم ابتسامة دافية جداً، وهز رأسه:
– “العضلات طلعت بتنفع في الأوقات الصعبة فعلاً يا زينب..”
بصيت له وقلت بثقة طفولية:
– “أنا وبيني مش بنسيب صحابنا يا سليم بيه.”
ومن الليلة دي، ما بقتش مجرد بنت الشغالة في نظر سليم بيه..
بقيت صاحبة الدين اللي وقفت جنبه في أصعب لحظة، وبقت الفيلا كلها عارفة إن زينب وأمها تحت حمايته الشخصية لإخر يوم في عمره.
#حكايات_شروق_خالد
عدت السنين، والقصة بتاعة الليلة دي بقت زي الأسطورة اللي بيتكلموا عنها في الفيلا بصوت واطي:
“الطفلة اللي وقفت جنب سليم بيه بأرنب قماش وثقال أصفر.”
الفيلا ما بقتش مجرد مكان شغل لأمي، بقت بيتنا الحقيقي.
سليم بيه كافأ أمي وخلاها المشرفة الأولى على كل شؤون البيت والعمال، وأصر إن مصاريف دراستي كلها تكون عليه، من أفضل المدارس لحد ما دخلت كلية الحقوق.
كان دايماً يقولي:
– “أنا حميتك يا زينب، بس إنتي هتحميني وتحمي نفسك بالقانون.. النفوذ الحقيقي مش في القوة، النفوذ في العقل اللي بيعرف يخطط.”
وبالفعل، كبرت ودرست وصرت محامية.
في يوم تخرجي، القاعة كانت زحمة أهالي وطلاب، بس أول ما دخلت، لمحت راجل بطول فارع وشعر رمادي خفيف واصل على جانبي رأسه، لابس بدلة سودا شيك جداً، وقاعد في الصف الأول مع حراسة مشدودة برة القاعة.
كان سليم بيه..
وجنبه أمي وهي بتعيط من الفرحة وممسكة إيديه بتشكره.
أول ما أخدت الشهادة ونزلت من على المسرح، قربت منه.
سليم بيه ابتسم نفس الابتسامة الهادية اللي شفتها من وأنا عندي أربع سنين، وطلع من جيبه حاجة صغيرة ومدهالي..
كانت الأثقال الصفراء الصغيرة..
ممسوحة وملمعة ومحفوظة في علبة قطيفة كأنها قطعة ألماس.
– “مبروك يا سيادة المستشارة.. الأثقال دي هي اللي بدأت كل حاجة، والنهاردة إنتي بقيتي أقوى مني ومن أي حد.”
حضنته وحضنت أمي، وأنا مسكة الأثقال في إيد والشهادة في الإيد التانية.
البنت الصغيرة اللي كانت بتسأل عن العضلات كبرت، وفهمت إن القوة الحقيقية مش بس في العضلات اللي في الكتف..
القوة الحقيقية في الوفاء، وفي القلب اللي مش بينسى أصله ولا بيسيب صحابه.
#حكايات_شروق_خالد
الطفلة وزعيم المافيا
حكايات شروق خالد



