
وبعدين بصيت على اسمه تاني..
المرادي ماكنتش مصدوم..
أنا كنت مركز ومُحدد جداً.
عشان قبل ما الشمس تطلع، هعرف بالظبط كام بني آدم غلبان اتسرق عرقهم وتحت اسمي!
وفجأة الموبايل اتهز في إيدي..
جتلي رسالة من نفس الشخص اللي كنت ببحلق في توقيعه من ثانية:
“لازم نتكلم قبل ما تبدأ تسأل وتنبش…”
مسكت الموبايل، وعينيا راشقة في الرسالة. صوابعي كانت بتتعدل على الشاشة وأنا بيرد عليه كلمة واحدة:
“مستنيك في الفيلا.. دلوقتي.”
بصيت لـ “وفاء” اللي كانت مرعوبة من نظرة عينيا، وعمالة تتأسف وتترجى بدموع:
“يا بيه والله ما كنت أقصد، أنا هقوم ألم الطبق وأطلع على أوضتي، والنبي ما تقطع عيشي!”
نزلت على ركبتي قدامها على الأرض، ومسكت الطبق من إيدها بالراحة وحطيته على الرخامة.
“قومي يا وفاء.. قومي على حيلك. من النهاردة مفيش أكل من البواقي، ومفيش نوم على الأرض. حقك وحق عيالك سارة ومحمود راجعلك بالمليم، وفوقيه حبة حلوين كمان.. بس قوليلي: مين اللي كان بيديكي المرتب في إيدك كل شهر؟”
بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت بيترعش:
“أستاذ عصام.. هو اللي كان بيعدي عليا أول كل شهر يديني الظرف، ويقولي ده أخرك معانا، ولو فتحتي بؤك أو اشتكيتي للبيه الكبير هرميكي في الشارع ومش هتشوفي قرش تاني!”
عصام!.. عصام الشاذلي، ابن عمي واكتشافي، اللي انتشلته من الفقر ودخلته شركتي وخليته إيدي اليمين والمدير التنفيذي للجروب كلو!
بعد أقل من نص ساعة، سمعت صوت عربية عصام بتهدي بره القصر. الباب اتفتح، ودخل ببدلته الأنيقة وابتسامته الصفرا اللي كانت متعودة تطمني، بس المرة دي كانت باينة زي أفعى بتتسلل.
“خير يا حاج؟ مالك طلبتني في الفجر كدة ليه؟ في حاجة في شغل بكرة؟”
ما ردتش عليه.. شاورتله على المطبخ وقعدت على الكرسي.
دخل ورايا، وعينيه جت على وفاء اللي واقفة في الزاوية بتترعش، وجت على شاشة الموبايل اللي مفتوحة على ملفات الرواتب وتوقيعه المترخ مع كل عملية سحب.
وشه اتخطف.. ألوانه اتغيرت من الأبيض للأصفر للأسود في ثواني.
“إيه ده يا عصام؟” سألته بصوت هادي.. هدوء ما قبل العاصفة.
حاول يلم الدور وضحك بقلة حيلة:
“إيه يا باشا؟ إنت جايبني في أنصاص الليالي عشان خاطر شغالة؟ دي عمالة هامشية، والـ…”
قطعت كلامه وخبطت بإيدي على الترابيزة خبطة زلزلت المطبخ:
“العمالة الهامشية دي هي اللي شايلة بيتي! والناس الغلابة دول هما اللي شايلين مصانعك وشركاتك! بتسرق عرق الغلابة يا عصام؟ بتسرق أرامل ويتامى وأنت بتاخد ملايين بكتفك؟”
عصام لما حس إن الخناق ضاق عليه، وش التعلب المكسور اختفى، وظهر وشه الحقيقي.. بصلي بجلاد وقال:
“آه بياخدوا نص مرتباتهم! إنت فاكر نفسك إيه؟ عامل فيها النبي الحارس اللي بيوزع أرزاق؟ الناس دي لو شبعت مش هتشتغل! وبعدين أنا المجهود كله عليا، إنت قاعد في قصرك بتندب على المرحومة بقالك سنتين وسايبلي شقاك كلو، وأنا اللي ممشي الدنيا! آخد من هنا وأحط في جيبي، إيه المشكلة؟”
بصيتله بقرف.. الحسرة كتمت على نفسي، مش عشان الفلوس، عشان السنين اللي أمنته فيها على ضهري.
طلعت موبايلي وتكيت على زارور السبيكر.
صوت مأمور مباحث الأموال العامة طلع من التليفون:
“سعادة الباشا.. الرجالة واقفين بره باب الفيلا زي ما ألمحتلنا، ندخل؟”
عصام عينيه وسعت من الصدمة، ورجليه ما شالتهوش:
“إنت.. إنت بلغت عن ابن عمك عشان خاطر شوية خدامين؟”
قربت منه وبصيت في عينيه بثبات:
“أنا ما بلغتش عن ابن عمي.. أنا بلغت عن حرامي بيسرق لقمة عيش الغلابة باسمي. والشركة اللي بنيتها بعرقي مش هيتوسخ اسمها بقرش حرام واحد.”
الشرطة دخلت، وكلبتشت عصام وهو بيصرخ وبيهدد.
أول ما الهدوء رجع للمكان، بصيت لـ “وفاء” اللي كانت بتعيط بس المرة دي من الصدمة والذهول.
مسكت تليفوني وفتحت الأبلكيشن بتاع البنك، وتحولت دفعة فورية لحسابها بكل الفروق اللي اتسرقت منها على مدار السنين اللي فاتت وزيادة.
“يا وفاء.. الصبح بدري سواق الفيلا هياخدك لـ طنطا، تجيب سارة ومحمود ووالدتك، وشقتك الجاهزة في التجمع تستناكم من بكرة، ومرتبك هينزل كامل ومضاعف من بداية الشهر.”
وفاء نزلت على الأرض تبكي وتدعي، بس المرة دي رفعت راسها وهي حاسة إن ليها قيمة، وإن حقها الضايع رجعلها في نفس المطبخ اللي كانت خايفة تاكل فيه حبة رز!
#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




