
كانت أول مرة صوتها يعلى. مسكت إيدي الصغيرة في إيدها.”لو سمحت… ماتاخدوش.”
بصيت لها باستغراب.”هو محتاج دكتور.”
“أنا هبيعهملك كله.”
بصيت للصندوق.”إيه؟”
أشارت للحلوى.”كلها.”
وبعدين بدأت تفتح الصندوق بسرعة.”عندي تلاتة وأربعين واحدة.
أبيعهم لك كلهم. خدهم.”
كنت باصص لها ومش عارف أقول إيه. طفلة في تمن سنين بتساومني على تمن حلوى عشان تمنعني آخد أخوها للمستشفى. قلت بهدوء:
“مش هشتري الحلوى.”
وشها وقع.”طب… هعمل إيه؟”
“هتودي أخوكي للدكتور.”
هزت راسها بعنف.”ماما هتزعل.”
“مامتك مش موجودة هنا.”
“بس قالتلي ماخليش حد ياخده.”
الجملة دي خلتني أسكت.
قلت:
“مين قالك كده؟”
البنت بصت حوالين نفسها. ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينيها. وبصوت يكاد لا يُسمع قالت:
“الراجل.”
حسيت إن حاجة باردة عدت في ضهري.”أنهي راجل؟”
بصت ناحية الشارع. كان فيه رجل واقف بعيد، جنب عربية سوداء. لابس جاكت غامق، وحاطط إيده في جيبه. وأول ما عيني جت عليه…لف ومشي. قلت لحسن فورًا:
“خليك هنا.”
وبدأت أتحرك ناحيته. لكن قبل ما أخطو خطوتين، سمعت البنت بتصرخ:
“لأ!”
لفيت لها. كانت واقفة قدام أخوها. وشها شاحب. وقالت:
“ماتروحش وراه.”
“ليه؟”
قالت:
“عشان هو اللي قال لماما إنك هتيجي.”
وقفت مكاني.”إيه؟”
البنت بدأت تعيط.”هو كان مستنيك.”
نظرت للرجل اللي اختفى في آخر الشارع. وبعدين رجعت أبص للبنت.”إنتِ عرفتي منين إنه مستنيني؟”
مسحت دموعها بسرعة.”عشان قال اسمي.
”
لأول مرة من سنين…أنا حسيت إن حد سبقني بخطوة. لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن الرجل ده ماكانش أهم شخص في الحكاية. لأن الخيانة الحقيقية…كانت أقرب ليا بكتير مما أتخيل. وبعد ثواني، رن موبايلي. بصيت للشاشة. فؤاد. نفس الراجل اللي كان مستنيني في الاجتماع. فتحت الخط.”أيوه.”
جالي صوته هادي جدًا:
“ياسين… أنت لسه في الشارع؟
”
بصيت للبنت. وبعدين للرضيع. قلت:
“إنت عرفت منين أنا فين؟”
سكت. ثانيتين. تلاتة. وبعدين قال:
“إحنا لازم نتكلم.”
قفلت المكالمة. رفعت عيني لحسن. وقلت:
“هات العربية.”
وبعدين شلت الرضيع من العربية الصغيرة بحذر. البنت اتخضت.”إنت بتعمل إيه؟”
بصيت لها.”هاخد أخوكي المستشفى.”
قالت وهي بتعيط:
“وماما؟”
رديت وأنا شايل آدم:
“هندور عليها.”
لكن قبل ما أدخل العربية، البنت مسكت طرف بدلتي.
وبصوت مرتجف قالت:
“يا عمو ياسين…”
بصيت لها. قالت:
“لو لقيت ماما…”
سكتت.”ماتصدقهاش.”
تجمدت مكاني.”ليه؟”
رفعت عيني لي، وقالت:
“عشان ماما هي اللي باعت الحلوى.”
ثم أضافت جملة جعلتني أنظر إليها كأنني أسمعها لأول مرة:
“بس الفلوس مش كانت لينا.”#حكايات_شروق_خالدوقفت مكاني.”يعني إيه الفلوس مش كانت ليكم؟”
البنت بلعت ريقها، وبصت ناحية الشارع اللي اختفى فيه الراجل.”ماما كانت بتديني الحلوى كل يوم.”
“وبعدين؟”
“وتقول لي أقف هنا وأبيعها.”
“والفلوس؟”
نزلت عينيها للأرض.”كنت أديها للراجل.”
حسيت إن الدم غلي في عروقي.”أي راجل؟”
أشارت بإيدها المرتعشة ناحية آخر الشارع.”هو.”
حسن قرب مني وقال:
“يا باشا، لازم نمشي. الطفل حرارته عالية.”
بصيت لآدم. وشه كان مرهق، ونَفَسه سريع.”خده المستشفى.”
حسن مد إيده. لكن البنت مسكت في إيدي.
“أنا جاية معاه.”
“طبعًا.”
دخلت هي العربية جنب أخوها، وحسن انطلق بأقصى سرعة تسمح بيها الشوارع. قعدت قدام جنب السواق، وأنا طول الطريق مش قادر أخرج كلامها من دماغي. ماما هي اللي باعت الحلوى. بس الفلوس مش كانت لينا. كان واضح إن فيه حد بيستخدم طفلة صغيرة عشان يجمع فلوس. لكن السؤال اللي كان بيضرب في دماغي:
ليه أنا؟وليه الراجل قال للبنت إنه عارف إني هاجي؟وصلنا المستشفى. الأطباء أخدوا آدم فورًا. البنت حاولت تدخل وراهم، لكن الممرضة وقفتها.”استني هنا يا حبيبتي.”
صرخت:
“ده أخويا!”
حطيت إيدي على كتفها.”سيبيه للدكتور.”
بصت لي والدموع في عينيها.”هو هيموت؟”
سؤال بسيط. لكن وقع عليَّ تقيل. انحنيت لمستواها.”لأ.”
“إنت متأكد؟”
بصيت لها.”أنا هفضل هنا لحد ما الدكتور يخرج.”
سكتت. وبعدين قعدت على الكرسي.
بعد حوالي عشرين دقيقة، خرج الدكتور. قمت فورًا.”أخباره؟”
الدكتور بص لي، وبعدين للبنت.”الحرارة كانت عالية جدًا، لكن لحقناه في الوقت المناسب.”
أغمضت عيني لحظة. ولما فتحتهم، لقيت البنت بتتنفس براحة لأول مرة. الدكتور قال:
“هنحتاج نعمل له شوية تحاليل ونخليه تحت الملاحظة.”
قلت:
“اعملوا كل اللي يلزم.”
بصلي الدكتور باستغراب.”حضرتك قريبه؟”
قبل ما أرد، البنت قالت:
“هو أنقذنا.”
الدكتور ابتسم.”تمام.”
لكن وأنا راجع أقعد، موبايلي رن تاني. المرة دي الرقم كان مجهول. رديت.”مين؟”
مافيش رد. فقط صوت نفس هادي. وبعدين صوت رجل قال:
“كنت أتمنى إنك ماتنزلش من العربية يا ياسين.”
وقفت. بصيت حواليَّ.”إنت مين؟”
ضحك.”مش مهم أنا مين.”
“بالنسبة لي مهم.”
“إنت فاكر إن الطفلة دي ضحية؟
”
بصيت لها. كانت قاعدة لوحدها، ضامة إيديها لبعض. قلت:
“إنت تعرف عنها إيه؟”
قال:
“أكتر مما تتخيل.”
“اتكلم.”
“قبل ما تساعدها، اسأل نفسك سؤال واحد.”
سكت. قال:
“ليه بنت عندها تمن سنين عارفة اسمك؟”
اتجمدت. قفلت المكالمة. لفيت ناحية البنت.”إنتِ اسمك إيه؟”
بصت لي.”ملك.”
“ملك إيه؟”
سكتت. وشها اتغير.”ملك محمود.”
كررت الاسم في دماغي. محمود. اسم عادي. لكن كان فيه حاجة مش طبيعية.
لأن من حوالي عشر سنين…كان فيه شخص بنفس الاسم اشتغل عندي. رجل اختفى بعد ما سرق مني مبلغ ضخم، واختفت معاه أسرار تخص شغلي. اسمه كان…محمود عبدالسلام. بصيت لملك تاني.”أبوكي اسمه إيه؟”
سكتت فترة طويلة. وبعدين قالت:
“محمود.”
حسيت إن المستشفى كلها سكتت حوليا.”محمود إيه؟”
رفعت عيني لي.”محمود عبدالسلام.”
في اللحظة دي، فهمت إن الموضوع ماكانش صدفة.
الطفلة دي ماوقفتش في الشارع بالصدفة. والرجل اللي كان بيراقبها ماكانش موجود بالصدفة. وحتى مرض أخوها…بدأت أشك إنه مش صدفة. خرجت موبايلي واتصلت بحسن.”عايزك تعمل حاجة.”
“أمرك يا باشا.”
“هاتلي كل المعلومات اللي عندنا عن محمود عبدالسلام.”
سكت لحظة. وبعدين قال:
“محمود عبدالسلام؟”
“أيوه.”
“بس يا باشا… ده مات من سبع سنين.”
بصيت لملك.”إنت متأكد؟”
“متأكد.”
قفلت المكالمة.
وببطء، مشيت ناحية ملك. قعدت قدامها. وقلت:
“ملك…”
رفعت عيني لي.”أبوكي مات من سبع سنين.”
وشها ابيض. قالت:



