روايات وقصص

«الراحة انتهت… بس جوزي ما كانش يعرف إن البيت والشركة باسمي!» حكايات شروق خالد

مسحت دموعها وقالت:

«لأن أبوك قبل ما يموت كتب البيت باسم إسراء.»

دانيال بص لأبوه، وبعدها للورق.

«بس ليه؟»

المرة دي أنا اللي جاوبته.

«عشان أبوك كان عارف إنك هتبيع البيت.»

اتسمر مكانه.

«إيه؟»

«كان عارف إنك مديون.»

سكت.

«وعارف إنك واخد قروض من ورايا.»

اتراجع خطوة.

«إنتِ عرفتي منين؟»

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

«من كشف الحساب اللي وصلني على الإيميل من البنك.»

أبوه كان سايب لي وصية، ومعاها كل المستندات.

اكتشفت إن دانيال خلال آخر سنة كان بيصرف مبالغ ضخمة من حسابه، وبيحط جزء منها في مشروع مع واحد صاحبه.

المشروع فشل.

والديون اتراكمت.

وعشان كده كان مستعجل ياخد نص مرتبي.

مش عشان يساعد أخته.

ولا عشان التوأم.

هو كان عايز الفلوس عشان يسدد ديونه.

دانيال قرب مني وقال بصوت واطي:

«إسراء… أنا كنت هرجعلك الفلوس.»

ضحكت.

«إنت حتى ما قلتليش إن عليك ديون.»

«كنت خايف.»

«وخوفك خلاك تاخد نص مرتبي؟»

«أنا غلطت.»

«لأ.»

بصيت له في عينه.

«إنت ما غلطتش مرة. إنت اخترت.»

أمه قربت مني وهي بتعيط.

«إسراء، أنا آسفة.»

بصيت لها.

«إنتِ كنتِ عارفة كل ده وسكتي.»

«كنت خايفة على ابني.»

«وأنا؟»

سكتت.

«إنتِ عمرك ما خفتي عليا.»

دانيال نزل عينه للأرض.

لأول مرة من يوم جوازنا، ما كانش عنده إجابة جاهزة.

قلت:

«أنا وافقت أساعد منى من فلوسي، لو احتاجت حاجة فعلًا. لكن من النهارده مش هسمح لحد يستخدم مرتبي كأنه حق مكتسب.»

منى، أخته، اللي كانت قاعدة في الصالة، دخلت وهي شايلة واحدة من التوأم.

كانت عينيها مليانة دموع.

«إسراء… أنا ما طلبتش منه ياخد نص مرتبك.»

دانيال بص لها بسرعة.

منى كملت:

«أنا كنت محتاجة مساعدة بسيطة عشان اللبن والحفاضات، لكن دانيال هو اللي قال لي إنك هتتكفلي بكل حاجة.»

بصيت لدانيال.

«سمعت؟»

ما ردش.

منى قربت مني.

«أنا آسفة إن الموضوع وصل لكده.»

حضنتها وقلت:

«إنتِ مالكيش ذنب.»

وبعدين بصيت لدانيال.

«لكن إنت… ذنبك كبير.»

دخلت الأوضة، وجبت شنطة صغيرة.

حطيت فيها هدومي الأساسية.

دانيال اتخض.

«إسراء… إنتِ رايحة فين؟»

«عند أختي.»

«يعني إيه؟»

«يعني محتاجة أبعد شوية.»

«إنتِ هتسيبيني؟»

وقفت قدامه.

«إنت اللي سبتني من زمان يا دانيال.»

«أنا بحبك.»

بصيت له طويلًا.

«الحب مش إنك تعتبر تعب اللي قدامك حقك.»

سكت.

مسكت شنطتي ومشيت ناحية الباب.

قبل ما أخرج، سمعت صوته من ورايا:

«طب والبيت؟»

وقفت.

لفيت له.

«البيت بتاعي.»

بلع ريقه.

«وهتعملي إيه فيه؟»

ابتسمت.

«لما أرجع… هقرر.»

وخرجت.

لكن وأنا نازلة السلم، موبايلي رن.

كان رقم المحامي.

رديت.

«أيوه؟»

قال بصوت جاد:

«مدام إسراء، لازم أبلغ حضرتك بحاجة مهمة جدًا.»

قلبي دق بسرعة.

«حاجة إيه؟»

سكت ثانيتين، وبعدين قال:

«والد زوج حضرتك ما نقلش البيت باسمك بس.»

«أمال؟»

قال:

«هو نقل كمان أسهم الشركة اللي دانيال شغال فيها… كلها باسمك.»

اتجمدت مكاني.

«كلها؟»

«كلها.»

بصيت لفوق ناحية باب الشقة.

دانيال كان واقف هناك، باصصلي من بعيد.

وما كانش يعرف لسه…

إن الراجل اللي طول عمره فاكر نفسه صاحب كل حاجة…

كان بيشتغل أصلًا في شركة مراته هي المالكة الحقيقية ليها.

حكايات شروق خالد

بعد ما عرفت إن الشركة كمان بقت باسمي، رجعت البيت تاني يوم ومعايا المحامي.

دانيال كان مستنيني.

وشه كان مرهق، وعينيه حمرا من قلة النوم.

أول ما شافني قال:

«إسراء، أنا عارف إني غلطت.»

ما رديتش.

المحامي حط قدامه ملف.

«دي المستندات اللي تثبت ملكية مدام إسراء للأسهم والعقار.»

دانيال فضل باصص للورق وقت طويل.

وبعدين قال:

«أبويا كان مخطط لكل ده؟»

قلت:

«أبوك كان عارف إنك محتاج حد يوقفك قبل ما تخسر كل حاجة.»

هز راسه بحزن.

«وأنا خسرتك.»

بصيت له وقلت:

«أيوه.»

الكلمة كانت صعبة، بس كانت الحقيقة.

بعد أسبوع، رفعت قضية طلاق.

ما أخدتش منه فلوس زيادة.

وما حاولتش أفضحه قدام الناس.

كل اللي طلبته هو حقي.

أما منى، ففضلت على علاقتي بيها، وساعدتها في مصاريف التوأم من غير ما أحسسها في يوم إنها مديونة لي.

ودانيال؟

بدأ يسدد ديونه بنفسه.

وبعد شهور، بعتلي رسالة واحدة:

«كنت فاكر إن الراحة هي إنك تلاقي حد يشيل عنك كل حاجة. دلوقتي فهمت إن الراحة الحقيقية إنك ما تظلمش الشخص اللي بيحبك.»

قريت الرسالة وقفلت الموبايل.

ما رجعتش له.

بعد سنة، الشركة كانت كبرت بشكل كبير، وأنا بقيت المسؤولة عنها رسميًا.

وفي يوم، وأنا خارجة من مكتبي، لقيت منى مستنياني ومعاها التوأم.

ضحكت وأنا بشيل واحد منهم.

قالتلي:

«عارفة؟ دانيال لسه بيقول إن أكتر درس اتعلمه في حياته كان جملة واحدة.»

ضحكت.

«إيه؟»

قالت:

«الراحة انتهت.»

ضحكت من قلبي.

وقلت:

«لأ… الراحة بدأت.»

لأني أخيرًا فهمت إن أسوأ حاجة ممكن تحصل للست مش إنها تخسر جوزها.

أسوأ حاجة إنها تفضل مع راجل شايف تعبها حق مكتسب، وفلوسها ملكه، وتضحياتها واجب.

وأحيانًا…

لما الراحة تنتهي فعلًا،

بتبدأ الحياة.

«الراحة انتهت!» جوزي قالها وهو بيبصلي. «من النهارده نص مرتبك هيروح لأختي — هي عندها توأم لسه مولودين!»

وافقت، وأنا عارفة من جوايا إنه هيندم على الكلام ده.

يوم الأحد، أهله جم عندنا على الغدا. لكن أول ما أمه دخلت المطبخ — صرخت صرخة هزت البيت كله، لدرجة إن الجيران خرجوا من بيوتهم يشوفوا في إيه.

«الراحة انتهت»، جوزي دانيال قالها بمنتهى الجدية، وهو بيخبط بالقلم على قسيمة مرتبي.

«من النهارده نص مرتبك هيروح لأختي. هي لسه والدة توأم ومش عارفة تعمل إيه من كتر المسؤوليات.»

وقفت متسمّرة في المطبخ بعد يوم شغل طحن استمر أربع عشرة ساعة.

وداني كانت بتزن من كتر الصدمة.

فضلت باصة للراجل اللي أنا متجوزاه، ومش قادرة أصدق اللي سمعته.

كنت بسأل نفسي: هو أنا سمعت غلط؟ ولا الراجل ده بيتكلم بجد؟

قلت بصوت مبحوح:

«إنت وعدتها… بنص مرتبي؟»

دانيال هز كتفه بمنتهى البرود.

«إنتِ بتكسبي أكتر من اللي محتاجاه يا إسراء. وبعدين أختي عندها طفلين صغيرين. أنا خلاص وعدت منى.»

بصيت له وأنا حاسة إن الدم بيغلي في عروقي.

أنا اللي بطحن نفسي في الشغل من الصبح لحد آخر الليل.

أنا اللي شايلة مصاريف البيت.

أنا اللي بدفع تمن كل حاجة هو وأهله متعودين عليها.

ودلوقتي حضرته قرر يبقى كريم… بس بفلوسي أنا!

اتنفست ببطء وسألته:

«طيب ماشي… هتلغي إيه من مصاريفك الشخصية؟»

وش دانيال اتغير في ثانية.

بصلي باستنكار وقال:

«إنتِ ليه بتحولي الموضوع عليّا؟!»

ضحكت ضحكة صغيرة من غير أي فرحة.

في اللحظة دي، آخر ذرة صبر عندي اختفت.

ما بقيتش عايزة أزعق.

ولا أجادل.

ولا حتى أشرح له.

حسيت إني فصلت عنه تمامًا.

بقيت باصة له وكأني أول مرة أشوفه.

وساعتها فهمت هو قد إيه عايش في وهم.

دانيال كان فاكر إن الراحة اللي في بيتنا حاجة طبيعية.

كان فاكر إن الخدامة اللي بتيجي تنظف البيت كل يومين حاجة عادية.

وإن الجناينجي اللي بييجي يهتم بالجنينة حاجة عادية.

وإن القهوة الغالية اللي بيشربها كل يوم حاجة عادية.

وإن اشتراك الجيم الفخم حاجة عادية.

وإن أكل اللحمة المستوردة اللي أمه كانت بتطلبها كل يوم أحد حاجة عادية.

كان فاكر إن كل ده بيتدفع من فلوسه.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى