
«في مزارع العنب.»
سكت أدهم.
«فين؟»
ترددت.
«في الصعيد.»
«اسم المزرعة؟»
رفعت عينيها إليه.
«ليه؟»
«سألتك سؤال.»
«وأنا سألتك ليه.»
ابتسم أدهم ابتسامة خفيفة.
«أول مرة حد يرد عليا بالطريقة دي.»
«معلش.»
«مش زعلان.»
وضع كأسه على المكتب.
«اسم المزرعة؟»
سلمى نزلت عينيها.
«مزرعة عبد الرحمن.»
تغير وجه أدهم.
تجمدت ملامحه للحظة.
«عبد الرحمن؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»
«والدك اسمه إيه؟»
«حسن عبد الرحمن.»
الصمت الذي نزل على ظل واقفًا هناك ثواني.
ثم قال: «أيوه.» قلب سلمى وقع. «تعرف أبويا؟» «كنت أعرفه.»
«إزاي؟»
لم يجب.
اقتربت منه.
«أدهم بيه… أبويا من 8 سنين.»
«عارف.»
تجمدت.
«عارف؟»
التفت إليها.
«أيوه.»
«إنت كنت تعرفه قبل ما ؟»
«كنت أعرفه كويس.»
بدأت أنفاسها تتسارع.
«إنت مين بالنسبة لأبويا؟»
أدهم ظل صامتًا.
ثم فتح درج مكتبه.
أخرج ملفًا قديمًا.
ووضعه أمامها.
سلمى اقتربت.
فتحت الملف.
أول صورة كانت لأبيها.
لكن الصورة التالية جعلت ينسحب من وجهها.
كان أبوها واقفًا بجوار شاب أصغر سنًا.
سلمى لم تعرفه في البداية.
ثم رفعت عينيها ببطء.
الشاب الموجود في الصورة…
كان أدهم.
لكن لم يكن وحده.
كان هناك رجل ثالث في الخلف.
رجل تعرفه سلمى جيدًا.
رجل كانت تظن أنه مات منذ سنوات.
«إيه ده؟!»
أدهم أمسك بذراعها قبل أن تسقط.
«اهدي.»
سحبت ذراعها.
«مين الراجل ده؟»
«والدك كان شريكي.»
«شريكك في إيه؟»
«في تجارة العنب في الأول.»
«وبعدين؟»
أدهم سكت.
سلمى رفعت صوتها.
«وبعدين إيه؟!»
قال أخيرًا:
«في حاجة .»
تراجعت خطوة.
«إيه؟»
«والدك ما ماتش في زي ما اتقالك.»
توقفت أنفاسها.
«إنت بتقول إيه؟»
«أبوك .»
سقط الملف من إيدها.
«لأ.»
«سلمى…»
«لأ!»
هزت رأسها .
«دي كانت القصة اللي اتقالت للناس.»
«إنت كداب.»
«كنت أتمنى أكون كداب.»
«مين ؟»
أدهم نظر إلى الصورة.
«لسه بدور عليه.»
«بعد 8 سنين؟»
«من 8 سنين وأنا بدور.»
«ليه؟»
اقترب منها.
«لأن أبوكي قبل ما سلمني حاجة.»
«إيه؟»
أدهم فتح درجًا آخر.
أخرج ظرفًا قديمًا.
كان عليه اسمها.
سلمى حسن عبد الرحمن.
اتسعت عيناها.
«ده… إيه؟»
«رسالة من أبوكي.»
مدها لها.
«ليه ما ادتهوليش قبل كده؟»
«لأن أبوكي طلب مني ما أديهولكيش إلا لما أتأكد إن الشخص اللي رجع يدور عليكي.»
رفعت عينيها بسرعة.
«وإنت متأكد؟»
أدهم قال بصوت منخفض:
«أيوه.»
ثم أضاف:
«من يوم ما إنتِ دخلتي بيتي، وأنا عارف إن وجودك هنا مش صدفة.»
سلمى شعرت بقشعريرة.
«يعني إيه؟»
«يعني الشخص اللي أبوكي…»
توقف.
ثم نظر ناحية النافذة.
«عارف إنك عايشة.»
وفجأة…
انطفأت أنوار الفيلا كلها.
سلمى شهقت.
وفي نفس اللحظة، دوى صوت طلقة نارية من الخارج.
أدهم جذبها بسرعة ناحية الأرض.
طلقة ثانية اخترقت زجاج النافذة.
سلمى صرخت.
أدهم أمسك بها ووضع جسده أمامها.
«ما تتحركيش.»
«في إيه؟!»
أخرج سلاحه.
صوت خطوات مسرعة بدأ يقترب من الممر.
أدهم رفع عينيه نحو الباب.
ثم قال بصوت بارد:
«اللي أبوكي جه ياخدك.»
تجمدت سلمى..
«أدهم بيه…»
«قول.»
الرجل حاول يلتقط أنفاسه.
«في خيانة.»
أدهم ضيق عينيه.
«مين؟»
الرجل بص ناحية سلمى.
ثم قال:
«حد من رجالتك فتح لهم البوابة.»
ساد الصمت.
أدهم وقف أمام سلمى مباشرة.
وقال:
«من اللحظة دي… محدش هيلمس شعرة واحدة منك.»
سلمى رفعت عينيها إليه.
ولأول مرة منذ عرفته…
لم ترَ فيه الرجل المخيف الذي يخشاه الجميع.
رأت رجلًا مستعدًا …
من أجلها.
حكايات شروق خالد
لم تلحق سلمى تستوعب آخر كلمة قالها أدهم، لأن صوت مكتوم دوّى في الطابق السفلي.
اهتزت الأرض تحت أقدامهم.
«أدهم بيه! ادخلوا المكتب فورًا!»
أدهم أمسك بذراع سلمى.
«ورايا.»
«بس الرسالة…»
«سيبيها.»
«دي رسالة أبويا!»
«هترجعي تاخديها، بس دلوقتي حياتك أهم.»
شدها خلفه، وأغلق باب المكتب بالمفتاح.
ثم اتجه إلى خزنة صغيرة مخفية خلف لوحة على الحائط.
أدخل رقماً سريعًا.
انفتح الباب.
أخرج آخر، ثم أعطاه لأحد رجاله.
«خلي عينك على الممر.»
«حاضر.»
ثم نظر إلى سلمى.
كانت واقفة في منتصف الغرفة، وجهها شاحب، ويديها ترتعشان.
اقترب منها.
«سلمى.»
لم ترد.
«بصيلي.»
رفعت عينيها.
قالتها بصراحة جعلته يصمت لحظة.
ثم قال:
«عارف.»
«إنت عارف مين اللي بيهاجمنا؟»
«عندي شك.»
«مين؟»
«لسه مش متأكد.»
«بس أنا متأكدة.»
«من إيه؟»
«إن كل ده بسببي.»
اقترب أكثر.
«إنتِ مالكيش ذنب.»
«لو أنا ما جيتش هنا…»
قاطعها:
«لو إنتِ ما جيتيش هنا، كانوا هيوصلولك في مكان تاني.»
سكتت.
«يعني هما كانوا بيدوروا عليا؟»
«طب ليه؟»
أدهم نظر إلى الظرف.
«علشان أبوكي كان مخبي حاجة.»
«إيه؟»
«الحاجة اللي الرسالة هتقولك عليها.»
نظرت إلى الظرف فوق المكتب.
«لازم أقراها.»
«هتقريها.»
«إمتى؟»
«لما نخرج من هنا.»
فجأة دوى صوت إطلاق نار قريب.
الحارس الموجود عند الباب انخفض بسرعة.
«دخلوا الجناح الغربي!»
أدهم أشار له.
«خليهم يقربوا.»
سلمى اتخضت.
«إنت بتقول إيه؟»
«عايز أعرف عددهم.»
«بس ممكن !»
التفت لها.
«مش بسهولة.»
ثم أعطى إشارة للحارس.
انفتح باب جانبي في المكتب.
كان خلفه ممر سري.
سلمى حدقت فيه بدهشة.
«إنت عندك ممر سري؟»
«دلوقتي اكتشفتي؟»
«أنا بقالي 3 شهور هنا!»
«وعشان كده بقول إن فضولك هيوديك في داهية.»
رغم الخوف، ضحكت ضحكة قصيرة.
«مش وقته.»
«عارف.»
أمسك يدها.
هذه المرة لم تعترض.
دخلت معه الممر.
كان ضيقًا ومظلمًا.
وخلفهم بدأت أصوات الرجال تقترب.
«أدهم بيه!»
«امشوا!»
«هما جوه!»
أدهم أغلق الباب السري.
ثم مشى بسرعة.
سلمى كانت تحاول مجاراته.
«إحنا رايحين فين؟»
«للمخزن القديم.»
«ليه؟»
«علشان فيه عربية تحت الأرض.»
«إنت عامل بيتك قلعة؟»
«كنت محتاج أحمي نفسي.»
«من مين؟»
نظر لها.
«من ناس زي الليلة دي.»
وصلوا إلى باب حديدي.
أدهم فتحه.
دخلوا إلى جراج صغير تحت الأرض.
كانت هناك سيارة سوداء مصفحة.
فتح الباب.
«اركبي.»
ركبت سلمى.
ثم ركب بجانبها.
تحركت السيارة بسرعة.
بعد دقائق، ابتعدوا عن الفيلا.
سلمى كانت ما زالت تمسك بالظرف.
حدقت فيه طويلًا.
«ممكن؟»
أدهم نظر إليها.
«اقري.»
فتحت الظرف بيد مرتعشة.
أخرجت الورقة.
كان الخط واضحًا.
خط والدها.
بمجرد أن رأت أول سطر، امتلأت عيناها بالدموع.
“لبنتي سلمى…”
شهقت.
وضعت يدها على فمها.
أدهم ظل صامتًا.
بدأت تقرأ.
“لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا ما بقيتش موجود.
وأنا آسف يا بنتي إني سيبتك لوحدك.
بس كان لازم أخبي عنك الحقيقة.
أدهم مش عدوك.
لو هو اللي سلمك الرسالة، يبقى لسه وفي بوعده.”
رفعت سلمى عينيها لأدهم.
ثم عادت للرسالة.
“من 8 سنين، أنا اكتشفت إن واحد من أقرب الناس ليا كان بيسرق من شغلي، وبيستخدم المزرعة لغسيل فلوس.
ولما حاولت أواجهه، اكتشفت إنه مش لوحده.
كان وراه ناس أقوى مني.
ناس ما بتسامحش حد يعرف أسرارهم.”
.
لكن اللي ما كنتش أعرفه إنهم هيستخدموا بنتي للوصول للي مخبيه.”
توقفت.
قلبها بدأ يخبط.
“يا سلمى، الحاجة اللي بدوروا عليها مش فلوس.
دي أسماء.
أسماء ناس كبار جدًا.
ناس لو اتكشفت، البلد كلها هتتهز.”
رفعت رأسها.
«يا نهار أبيض…»
أدهم لم يتكلم.
أكملت.
“أنا حطيت النسخة الأصلية في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
والدليل الوحيد للوصول ليها هو…”
توقفت الرسالة.
الجزء التالي كان ممزقًا.
سلمى قلبت الورقة.
لا شيء.
«الباقي فين؟»
أدهم قال:
«مش موجود.»
«يعني إيه مش موجود؟»
«الرسالة اللي وصلتني كانت ناقصة.»
«مين قطع الجزء ده؟»
«ما أعرفش.»
نظرت إليه.
«إنت كنت عارف؟»
«كنت عارف إن الرسالة ناقصة.»
«وسكت؟»
«وظهروا دلوقتي.»
«بالضبط.»
سكتت.
ثم قالت:
«بس فيه حاجة أنا فاكرها.»
أدهم التفت لها.
«إيه؟»
«إيه هي؟»
«البيت القديم.»
«بيت إيه؟»
«كان بيقول: “لو حصل لي حاجة، ما تثقيش في البيت القديم.”»
أدهم ضيق عينيه.
«بيت المزرعة؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»
فجأة أخرج أدهم هاتفه.
اتصل بأحد رجاله.
«عايزك تروح المزرعة القديمة حالًا.»
استمع لثوانٍ.
ثم قال:
«ومتدخلش من البوابة الرئيسية.»
أغلق الهاتف.
سلمى سألته:
«هنروح هناك؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
«لأن أبوكي قال إن الحاجة متخبّية في مكان محدش هيفكر يدور فيه.»
ثم نظر إليها.
«وأنا أعتقد إننا كنا بندور في المكان الغلط طول السنين اللي فاتت.»
بعد حوالي ساعة، توقفت السيارة أمام المزرعة القديمة.
كانت مهجورة.
البوابة الحديدية صدئة.
والأشجار اليابسة تغطي الطريق.
نزلت سلمى من السيارة.
مجرد رؤية المكان جعلت دموعها تنزل.
«هنا اتربيت.»
أدهم وقف بجوارها.
«كنتِ بتحبي المكان؟»
«كنت بعشقه.»
ثم ابتسمت بحزن.
«أبويا كان بيصحيني كل يوم قبل الفجر علشان أشوف الشروق.»
نظر إليها.
«تعرفي إن والدك كان بيتكلم عنك كتير؟»
«كان بيتكلم عني معاك؟»
«أيوه.»
«قال لك إيه؟»
ابتسم أدهم.
«قال إنك «وقال إنك أذكى مما بتظهري.»
نظرت له.
«وأنت مصدقه؟»
«من أول يوم شفتك فيه.»
سكتت.
تلاقت عيناهما.
لثوانٍ، اختفى كل شيء حولهما.
ثم فجأة…
سمعوا صوت سيارة تقترب.
أدهم سحب سلاحه.
«ورايا.»
ظهرت سيارتان سوداوان عند آخر الطريق.
سلمى تراجعت.
«هما؟»
أدهم لم يجب.
السيارتان توقفتا.
نزل منهما رجال مسلحون.
لكن الرجل الذي نزل من السيارة الأولى لم يكن غريبًا.
سلمى عرفته.
وجهها تحول إلى صدمة.
«مستحيل…»
أدهم نظر إليها.
«تعرفيه؟»
همست:
«ده… عماد.»
«مين عماد؟»
«أخو أبويا.»
الرجل ابتسم من بعيد.
ثم قال:
«وحشتيني يا بنت أخويا.»
سلمى لم تستطع الحركة.
«فين أمها؟»
عماد ابتسم.
«عايشة.»
ثم أضاف:
«وعندي مكانها.»
سلمى شعرت أن الأرض اختفت من تحتها.
«عايزة أشوفها.»
«هتشوفيها.»
عماد رفع يده.
رجاله صوبوا أسلحتهم.
«بس الأول… أدهم الشناوي لازم واندفع أدهم أمام سلمى في نفس اللحظة.
حكايات شروق خالد




