
نظر محمود إليها بصدمة.
“ليه؟”
“لأني حسيت إن الموضوع غريب.”
تقدمت الدكتورة.
“الدواء موجود؟”
“أيوه.”
قال محمود بسرعة:
“ليلى، إنتِ بتشكّي فيا؟”
التفتت إليه لأول مرة بنظرة قاسية.
“أنا مش بشك فيك يا محمود.”
ثم قالت:
“أنا بقيت عارفة.”
خرجت الدكتورة من الغرفة بسرعة.
وبعد دقائق، دخلت ممرضة وأخذت الحقيبة لإرسال الدواء إلى المعمل.
كان محمود واقفًا في مكانه، عاجزًا عن الكلام.
ثم رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
هذه المرة لم يكن الاتصال من سارة.
كان من المدير المالي للشركة.
“أستاذ محمود، لازم تيجي الشركة فورًا.”
“ليه؟”
“في مشكلة كبيرة.”
“إيه المشكلة؟”
جاءه الرد بصوت مرتجف:
“حسابات الشركة فيها تحويلات بملايين الجنيهات خرجت باسمك.”
تجمد محمود.
“مستحيل.”
“وده مش كل حاجة.”
“قول.”
“التحويلات كلها راحت لشركة مملوكة للسيدة سارة عبد الرحمن.”
رفع محمود عينيه ببطء.
نظر إلى ليلى.
كانت تراقبه.
سمع صوت المدير المالي:
“وفي حاجة أخطر.”
“إيه؟”
“التحويلات بدأت قبل ست شهور… لكن آخر تحويل حصل من حسابك من يومين.”
محمود شعر ببرودة تسري في جسده.
“أنا ماعملتش أي تحويلات.”
جاءه الرد:
“إحنا عارفين.”
ثم سكت الرجل لحظة.
“لأن التوقيع الإلكتروني المستخدم مش توقيعك.”
نظر محمود إلى ليلى.
وفجأة فهم.
الخيانة لم تكن مجرد علاقة سرية.
كانت هناك مؤامرة أكبر.
وسارة لم تكن تريد أن تصبح زوجته فقط.
كانت تريد كل شيء.
الشركة.
الأموال.
وحياة ليلى.
وفي اللحظة نفسها، دخلت الدكتورة مريم إلى الغرفة ووجهها متغير.
قالت:
“ليلى…”
رفعت ليلى رأسها.
“إيه؟”
وضعت الدكتورة ورقة على الطاولة.
“نتيجة تحليل الدواء وصلت.”
نظر محمود إليها.
“والنتيجة؟”
قالت الدكتورة مريم:
“الدواء اللي كان في شنطتك مش مكمل غذائي.”
سكتت.
ثم قالت:
“كان مادة ممكن تسبب نزيف حاد أثناء الولادة.”
نظر محمود إلى ليلى.
أما ليلى، فلم تبدُ عليها الدهشة.
كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة.
قالت بهدوء:
“كنت عارفة.”
اقترب محمود منها.
“مين حطه؟”
نظرت إليه.
“دي بقى مهمتك إنت.”
ثم أضافت:
“لأن الشخص الوحيد اللي كان عنده مفتاح شقتنا غيري… كان إنت.”
رفع محمود رأسه بسرعة.
وقبل أن ينطق، سمعوا صوتًا خارج الغرفة.
كانت سارة.
كانت تتحدث مع أحد رجال الأمن.
ثم ارتفع صوتها:
“أنا مرات الأستاذ محمود، ومن حقي أدخل!”
نظر محمود إلى الباب.
ليلى ابتسمت للمرة الأولى.
لكن ابتسامتها لم تكن ابتسامة امرأة ضعيفة.
كانت ابتسامة امرأة نجت من الموت…
وقررت ألا تسامح أحدًا.
حكايات شروق خالد
انفتح باب الغرفة بعنف، وظهرت سارة وهي بتحاول تتجاوز رجل الأمن.
“أنا لازم أشوف محمود!”
وقف محمود في مكانه.
“سارة، اخرجي.”
بصت له بصدمة.
“محمود، إحنا لازم نتكلم.”
“مش هنا.”
رفعت عينيها ناحية ليلى.
ولما شافتها صاحيّة، اتجمدت.
اختفت كل الألوان من وشها.
ليلى كانت بتبصلها بهدوء.
قالت سارة بصوت مرتعش:
“إنتِ… عايشة؟”
ردت ليلى:
“أيوه.”
سكتت لحظة.
“زعلتي؟”
لم تجد سارة ردًا.
اقتربت منها خطوة.
“أنا مش فاهمة إنتِ بتتكلمي عن إيه.”
ضحكت ليلى بهدوء.
“أكيد.”
ثم نظرت لمحمود.
“هي مش هتعترف.”
قال محمود:
“سارة، إيه حكاية التحويلات اللي راحت لشركتك؟”
ارتبكت.
“أي تحويلات؟”
“الملايين اللي خرجت من حسابات الشركة.”
رفعت حاجبيها.
“إنت بتتهمني؟”
“المدير المالي قال إن الفلوس راحت لشركتك.”
قالت بسرعة:
“أكيد حد زور المستندات.”
“والدواء؟”
سكتت.
كانت ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
محمود اقترب منها.
“إنتِ حطيتي الدواء في شنطة ليلى؟”
“إنت فقدت عقلك؟”
“جاوبيني!”
ارتفع صوتها:
“أنا مستحيل أعمل كده!”
من على السرير، قالت ليلى:
“طيب بصيلي.”
سارة لم تتحرك.
“بصيلي يا سارة.”
ببطء، رفعت سارة عينيها.
قالت ليلى:
“لو إنتِ بريئة، ليه خايفة؟”
“أنا مش خايفة.”
“إيدك بتترعش.”
نظرت سارة إلى يدها.
ثم أخفتها خلف ظهرها.
في تلك اللحظة، دخل ضابط من مباحث المستشفى ومعه اثنان من رجال الأمن.
قال:
“السيدة سارة عبد الرحمن؟”
التفتت إليه.
“أيوه.”
“ممنوع تغادري المستشفى.”
اتسعت عيناها.
“ليه؟”
“عندنا بلاغ رسمي، وفيه شبهة اعتداء ومحاولة قتل، وكمان بلاغ مالي متعلق بشركة الشناوي.”
شهقت سارة.
“ده جنون!”
نظر الضابط إلى محمود.
“أستاذ محمود، حضرتك كمان مطلوب منك تفضل هنا لحد ما نراجع أقوالك.”
ثم أضاف:
“وفيه حاجة تانية.”
فتح ملفًا كان في إيده.
“كاميرات المستشفى سجلت كل اللي حصل بره غرفة الولادة.”
سارة بدأت تتراجع.
“أنا ماعملتش حاجة.”
قال الضابط:
“الفيديو مش محتاج تفسير.”
أمسك محمود رأسه.
كان كل شيء ينهار.
الشركة.
زواجه.
سمعته.
والآن، المرأة التي ظن أنه يحبها كانت مهددة بالسجن.
لكن ليلى لم تكن تفكر في سارة.
كانت تفكر في طفليها.
قالت للدكتورة مريم:
“إمتى أقدر أشوفهم؟”
ابتسمت الدكتورة.
“لما حالتك تسمح.”
“أنا هقدر.”
“ليلى…”
“لا. لازم أشوفهم.”
نظرت إليها مريم طويلًا، ثم قالت:
“هجيبلك كرسي متحرك.”
بعد دقائق، خرجت ليلى من الغرفة للمرة الأولى.
كان جسدها ضعيفًا، لكنها أصرت على الذهاب إلى العناية المركزة.
محمود وقف بعيدًا يراقبها.
ولما مرت بجانبه، قال:
“ليلى.”
توقفت.
“أنا هصلح كل حاجة.”
نظرت له.
“مش كل حاجة بتتصلح يا محمود.”
ثم أكملت طريقها.
وصلت إلى الحضانات.
وضعت يدها على الزجاج.
كان آدم وملك ما زالا يقاومان.
دموعها نزلت.
“ماما هنا.”
تحركت يد ملك الصغيرة.
شهقت ليلى.
“شفتِ؟”
قالت الدكتورة مريم:
“يمكن تكون استجابت لصوتك.”
ابتسمت ليلى.
“هي عارفة إني هنا.”
في الخلف، وقف محمود.
لأول مرة، رأى زوجته كما لم يرها من قبل.
لم ير المرأة التي كان يعتبرها جزءًا مضمونًا من حياته.
رأى أم طفليه.
امرأة كادت تموت، لكنها عادت.
ورجع معها شيء أخطر من الغضب.
القوة.
بعد ساعات، وصلت الشرطة إلى المستشفى.
وكان معهم تقرير المعمل النهائي.
دخل الضابط غرفة ليلى.
“مدام ليلى، محتاجين نسألك شوية أسئلة.”
أومأت.
“اسأل.”
“قبل الولادة، مين كان عنده وصول لشقتكم؟”
قالت:
“أنا، محمود، وسارة.”
تبادل الضابط نظرة مع زميله.
“سارة كانت بتدخل بيتكم؟”
“أيوه.”
“بموافقتك؟”
سكتت ليلى.




