قصص

نامت في مخزن بيته هربًا من الفق حكايات شروق خالد

قالت:

«الأستاذ محمود قال دي ليكي.»

بصيت للشنطة.

«أنا مش محتاجة هدوم.»

«قال إنك محتاجة.»

«بس أنا مش هقدر أدفع تمنها.»

ابتسمت.

«هو قال إنك ما تسأليش عن الفلوس.»

قفلت الباب بسرعة، لكن صوت محمود جاء من آخر الممر:

«جريس.»

تجمدت.

خرجت.

كان واقفًا عند المصعد، ماسك كوب قهوة، وملامحه أكثر قسوة من الليلة اللي فاتت.

«تعالي.»

مشيت وراه.

دخلنا المكتب.

أول حاجة شوفتها كانت شاشة كبيرة عليها تسجيلات كاميرات المراقبة.

«اقعدي.»

جلست.

محمود ضغط زر.

ظهر فيديو من حفلة الخطوبة.

الضيوف بيتحركوا في الصالة.

إيفلين كانت واقفة جنب التمثال الكريستالي.

ثم ظهر أنا.

كنت بحمل صينية مشروبات.

إيفلين بصت حوليها.

وبمجرد ما تأكدت إن محدش بيراقبها، مدت إيدها للتمثال.

وقع على الأرض.

اتكسر.

ثم وقفت مكانه لثوانٍ.

وبعدها بدأت تصرخ.

«جريس!»

ظهر صوتها في التسجيل.

«إنتِ عملتي إيه؟!»

اتجمعت الناس حولها.

وأنا كنت واقفة مصدومة.

محمود أوقف التسجيل.

«كنتِ هنا طول الوقت.»

هززت رأسي.

«أيوه.»

«ومحدش شاف الحقيقة غير الكاميرا.»

لم أتكلم.

ثم فتح ملفًا آخر.

«ودي مش المشكلة الوحيدة.»

ظهر فيديو من مدخل العمارة.

إيفلين واقفة مع رجل غريب.

ناولته ظرفًا.

ثم أخرج هاتفه.

محمود قرب الصورة.

الرجل كان صاحب العمارة.

شهقت.

«ده هو.»

«مين؟»

«صاحب العمارة اللي طردني.»

محمود لم يرد.

فتح تسجيلًا آخر.

نفس الرجل يدخل مكتب إيفلين.

ثم تظهر على الشاشة كلمات من محادثة تم استخراجها من هاتفه.

“البنت خرجت من الشقة.”

وردت إيفلين:

“خليها تختفي من حياة محمود قبل الفرح.”

توقفت أنفاسي.

«قبل الفرح؟»

محمود كان ينظر إلى الشاشة وكأنه يحاول السيطرة على غضبه.

ثم ظهرت رسالة أخرى.

“ولو قالت له أي حاجة؟”

إيفلين:

“هخليه يصدق إنها كانت بتسرق منه.”

أغلقت عيني.

كنت أعرف أنها تكرهني.

لكنني لم أتخيل أنها كانت تخطط لتدمير حياتي بالكامل.

قلت بصوت منخفض:

«ليه؟»

محمود نظر إليّ.

«السؤال ده هنسأله لها.»

ثم رن هاتفه.

رد.

«أيوه.»

صمت.

«متأكد؟»

صمت أطول.

ثم تغيرت ملامحه.

«هاتوه هنا.»

أغلق الهاتف.

سألته:

«مين؟»

نظر إليّ مباشرة.

«الدكتور اللي بيعالج والدتك.»

اتسعت عيناي.

«ماله؟»

«المستشفى اتصل بيه من شوية.»

وقفت.

«ماما حصل لها حاجة؟»

«لا.»

تنفست براحة.

لكن محمود أكمل:

«حد دخل على ملفها الطبي وحاول يلغّي العملية.»

شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.

«إيه؟»

«المحاولة حصلت من حساب موظف إداري داخل المستشفى.»

«مين؟»

محمود لم يجب.

رن هاتفه مرة أخرى.

هذه المرة كان أحد رجاله.

استمع لعدة ثوانٍ.

ثم قال:

«ابعت الصورة.»

بعد لحظات، وصلت صورة إلى هاتفه.

قلب الشاشة نحوي.

تجمدت.

كان الرجل الذي ظهر في الصورة هو نفس الرجل الذي رأيته بالأمس واقفًا مع إيفلين.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في هويته.

كانت في الشخص الواقف بجانبه.

رجل لم أره في حياتي إلا مرة واحدة.

والدي.

تراجعت خطوة.

«ده… مستحيل.»

محمود عقد حاجبيه.

«إنتِ تعرفيه؟»

لم أستطع الرد.

كانت الصورة قديمة.

قبل وفاة أبي بثلاث سنوات.

وكان واقفًا بجانب الرجل الذي يحاول الآن تدمير حياة أمي.

قلت بصوت مرتجف:

«أبويا مات من تلات سنين.»

محمود اقترب من الشاشة.

«الصورة دي اتصورت من ست شهور.»

رفعت عيني إليه.

«يعني إيه؟»

ظل ينظر إليّ.

ثم قال بهدوء مخيف:

«يعني إن أبوكي ممكن يكون عايش.»

وفي نفس اللحظة، انفتح باب المكتب بعنف.

دخل أحد الحراس.

«أستاذ محمود… عندنا مشكلة.»

«إيه؟»

«إيفلين الأشرف وصلت.»

توقفت أنفاسي.

لكن الحارس أكمل:

«ومعاها عشرة رجالة مسلحين.»

محمود وقف ببطء.

ثم نظر إليّ.

«خليكي هنا.»

هززت رأسي.

«لأ.»

نظر إليّ بدهشة.

قلت:

«لو الموضوع له علاقة بأبويا… أنا لازم أعرف الحقيقة.»

لأول مرة، ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على وجهه.

وقال:

«واضح إنك مش زي ما كنت فاكر.»

ثم أخرج مسدسه من درج مكتبه.

«تعالي ورايا.»

ولم أكن أعرف أن اللحظة التي سأقف فيها أمام إيفلين، ستكشف سرًا أخطر بكثير من كل ما عرفناه حتى الآن.

حكايات شروق خالد

دخلت إيفلين الصالة وهي ترفع رأسها بثقة، وخلفها رجال مسلحون.

لكنها توقفت فورًا عندما رأتني واقفة بجوار محمود.

ابتسمت ابتسامة باردة.

«إنتِ؟»

رد محمود:

«أيوه. هي.»

ثم وضع ملفًا على الطاولة.

«شايفة ده؟»

نظرت إليه.

«إيه؟»

فتح أول صورة.

صورة التمثال.

ثم الثانية، التي تظهرها وهي تكسره.

ثم صور الرسائل بينها وبين صاحب العمارة.

اختفت ابتسامتها.

«إنت بتراقبني؟»

«أنا كنت بحمي بيتي من الناس اللي وثقت فيهم.»

اقتربت منه.

«محمود، إحنا هنتجوز بعد ست أيام.»

«مش هنتجوز.»

تجمدت.

«إيه؟»

«الفرح اتلغى.»

صرخت:

«إنت هتصدق واحدة خدامة؟!»

رفعت عيني إليها.

«أنا مش خدامة.»

تدخل محمود:

«هي موظفة شريفة، وإنتِ كدابة.»

صرخت إيفلين:

«إنت مش فاهم حاجة!»

«يبقى فهميني.»

سكتت.

وفي اللحظة دي دخل أحد رجال محمود مسرعًا.

«لقيناه.»

التفت محمود.

«مين؟»

«والد جريس.»

شعرت أن قلبي توقف.

«بابا؟»

الرجل دخل إلى الصالة.

كان أكبر سنًا، وجهه شاحب، وملامحه متعبة، لكنه كان حيًا.

حدقت فيه وأنا غير قادرة على الكلام.

«بابا…؟»

اقترب مني.

«جريس.»

انهارت دموعي.

ركضت نحوه واحتضنته.

«إنت عايش؟!»

بكى وهو يضمّني.

«كنت مجبور أختفي.»

«ليه؟»

نظر إلى محمود.

ثم إلى إيفلين.

«علشان عرفت سر كبير عن عيلتها.»

اتسعت عينا إيفلين.

«اسكت!»

لكن والدها لم يكن معها.

قال:

«أبوها وأخوها كانوا بيستخدموا شركاتهم لغسيل فلوس من سنين. وأنا كنت المحاسب اللي اكتشف الموضوع. لما هددت أبلغ، دمروا حياتي وخلو الكل يفتكر إني هربت.»

نظر إليّ.

«كنت أراقبك من بعيد يا بنتي. ولما عرفت إن أمك مريضة، حاولت أساعد… لكنهم سبقوني.»

قال محمود:

«وإيفلين كانت بتستخدم جريس كغطاء.»

أومأ والدها.

«كانت عايزة تطردها من حياة محمود قبل ما يكتشف أي حاجة.»

تراجعت إيفلين.

«أنتوا كلكم مجانين!»

لكن رجال الشرطة دخلوا في اللحظة نفسها.

كانت كل الأدلة قد وصلت إليهم.

أُلقي القبض على إيفلين ورجالها، وبعد ساعات بدأت التحقيقات مع أفراد من عائلتها.

أما محمود، فلم يكتفِ بإيقاف العملية التي كانت ستُلغى لوالدتي.

دفع تكاليف علاجها بالكامل، لكنه رفض أن يعتبرها دينًا.

وعندما حاولت الاعتراض، قال:

«دي مش فلوس هتدفعيها لي.»

«أمال إيه؟»

ابتسم.

«دي فرصة تبدأي حياتك من جديد.»

بعد ثلاثة أشهر، نجحت عملية أمي.

وعاد أبي إلى البيت.

أما أنا، فعدت إلى دراستي في التمريض، لكن هذه المرة لم أكن أعمل أربع وظائف حتى أعيش.

وفي أول يوم رجعت فيه للجامعة، وجدت محمود ينتظرني أمام البوابة.

قلت له:

«إنت بتعمل إيه هنا؟»

«مستنيكي.»

«ليه؟»

ابتسم.

«علشان أسألك سؤال.»

«إيه؟»

أخرج علبة صغيرة من جيبه.

فتحتها، فوجدت خاتمًا بسيطًا.

حدقت فيه بدهشة.

قال:

«أنا قضيت عمري فاكر إن القوة معناها إن الناس تخاف مني.»

ثم اقترب خطوة.

«لحد ما قابلت واحدة كانت خايفة مني، ومع ذلك فضلت تحارب علشان أمها.»

نزلت دموعي.

«محمود…»

«أنا مش عايز خدامة في بيتي.»

ابتسمت وسط دموعي.

«أمال عايز إيه؟»

قال:

«عايز شريكة حياتي.»

ضحكت.

«وأنا مش هتجوز راجل بيصوب مسدس على الناس الساعة تلاتة الفجر.»

ضحك لأول مرة أمامي.

«وعد. المسدس هيفضل في الخزنة.»

مد يده.

وبعد لحظة تردد، وضعت يدي في يده.

لم يكن زواجي من محمود بداية حياة مثالية.

كان بداية حياة اخترنا فيها بعض، رغم كل الأسرار والخوف والخيانة.

وفي الليلة التي كنت أظن أنني فقدت فيها كل شيء، كنت في الحقيقة على وشك أن أجد عائلتي… وحبي… وحياة لم أكن أجرؤ حتى على الحلم بها.

 

نامت في مخزن بيته هربًا من الفق
حكايات شروق خالد

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى