قصص

قبل أمي بـ5 دقائق… حكايات شروق خالد

— وبعدها؟

— وبعدين؟

إيثان بص لي.

— عمي شافني.

تجمدت.

— شافك؟

هز رأسه.

— أيوه.

— وعمل إيه؟

بدأ إيثان يرتجف.

— ده كذب.

الضابط رفع يده.

— ولا كلمة.

ثم نظر إلى إيثان.

— وبعد كده؟

— عمي حط السكينة في إيد ماما وهي كانت نايمة.

رفعت أمي رأسها.

— إيه؟

قال إيثان:

— أنا شفته.

صوت أمي خرج مخنوقًا:

— كنت نايمة؟

— أيوه.

ثم أضاف:

بدأت أفهم.

كل الأدلة التي بدت حاسمة منذ ست سنوات…

كانت مصنوعة.

ببطء، التفتُّ إلى فيكتور.

— ليه؟

لم يرد.

اقتربت منه.

— ليه قتلت بابا؟

قال ببرود مفاجئ:

— أبوكي كان هيضيع كل حاجة.

— إيه اللي كان هيضيعه؟

ابتسم ابتسامة مريضة.

— الشركة.

الضابط سأله:

— يعني إنت بتعترف؟

سكت.

ثم قال:

— أبوكي كان هيبلغ عني.

أمي شهقت:

— كنت باستثمر فلوس الشركة.

صرخت:

فيكتور بص لها.

— كان هيبلغ الشرطة.

قلت:

ضحك.

— ما كانش قدامي اختيار.

الحارس أمسك بذراعه.

لكن قبل ما يخرجه، التفت فيكتور إليّ.

— إنتِ فاكرة إن الموضوع خلص؟

وقفت.

— إيه قصدك؟

ابتسم.

— أبوكي ما كانش لوحده.

ثم خرج.

أنا بصيت للضابط.

— لازم توقفوا التنفيذ.

قال فورًا:

— التنفيذ اتوقف بالفعل.

أمي انهارت على الكرسي.

جريت عليها.

ركعت قدامها.

— ماما…

وضعت يدها على وجهي.

كانت يدها باردة.

قالت:

— كنت عارفة إنك هتصدقيه يومًا.

بدأت أبكي.

— سامحيني.

هزت رأسها.

— إنتِ بنتي.

— كنتِ طفلة.

— بس ست سنين…

— وأنا عشتهم كلهم وأنا عارفة إن الحقيقة هتظهر.

ثم نظرت إلى إيثان.

— بسببه.

ضممت أخي.

لكن قبل أن نخرج، دخل أحد الضباط مسرعًا.

كان يحمل ظرفًا بنيًا.

قال:

— لقينا ده في مكتب فيكتور.

فتح الظرف.

وأخرج صورًا قديمة.

صورة لأبي.

وصورة لأمي.

وصورة لي وأنا طفلة.

ثم صورة لإيثان.

لكن الصورة الأخيرة جعلت الدم يتجمد في عروقي.

وكان أبي واقفًا أمام منزلنا…

وبجواره رجل آخر.

رجل لم أره في حياتي.

لكن أمي، بمجرد أن رأته، شهقت.

قالت:

— مستحيل…

سألتها:

— تعرفيه؟

لم تجب.

حدقت في الصورة.

ثم قالت:

— ده شقيق أبوكي.

تجمدت.

— عمي التاني؟

هزت رأسها.

— لا.

ثم رفعت عينيها إليّ.

— ده كان ميت من عشرين سنة.

نظرنا جميعًا إلى الصورة.

الرجل كان حيًا.

ويقف بجوار أبي قبل وفاته بيوم واحد.

ثم قلب الضابط الصورة.

وكان هناك سطر مكتوب بخط أبي:

“لو حصل لي حاجة، ما تثقوش في أي حد من العيلة.”

سكت الجميع.

أما أمي، فمسكت يدي بقوة.

وقالت:

— القضية دي ما خلصتش يا حبيبتي.

نظرت إليها.

— إنتِ قصدك إيه؟

قالت:

— فيكتور ما كانش العقل المدبر.

وفي اللحظة نفسها، رن هاتف الضابط.

استمع لثوانٍ.

ثم تغير وجهه.

قال:

— لازم نخرج من هنا فورًا.

سألته:

— ليه؟

رفع عينيه إلينا.

— وبعدين؟

— وفي شخص بعت رسالة.

فتح هاتفه.

ظهرت رسالة واحدة:

ثم وصلت رسالة ثانية بعدها بثوانٍ:

“دلوقتي الدور على أولادها.”

حكايات شروق خالد

ما إن قرأ الضابط الرسالة حتى دوّى صوت رصاصة من خارج السجن.

صرخ الحراس:

— الكل ينزل!

انحنت أمي فوق إيثان، وأنا سحبت أخويا تحت الطاولة.

لكن رجال الأمن تحركوا بسرعة، وأُغلقت الأبواب الحديدية.

والغريب أن أحدهما كان يحمل صورة لنا.

أما الآخر فكان يحمل مفتاحًا مطابقًا لمفاتيح السجن.

عرفنا وقتها أن الأمر لم يكن مجرد محاولة لإسكاتنا.

كان هناك شخص داخل النظام نفسه يساعد الجاني.

لكن المفاجأة الأكبر جاءت عندما واجهت أمي فيكتور.

جلس أمامها في غرفة التحقيق، مكبل اليدين، وقد اختفت كل ثقته.

قالت له:

— ليه؟

خفض رأسه.

— أبوكي اكتشف إن العيلة كلها متورطة.

— كلها؟

— أيوه.

— مين؟

صمت طويلًا.

ثم قال:

— جدك.

تجمدت.

— جدي مات من عشرين سنة.

هز فيكتور رأسه.

— مش جدك.

ثم أخرج ورقة من جيبه.

— الراجل اللي في الصورة كان توأم أبوكي.

تبادلنا النظرات.

كان لأبي شقيق توأم لم يخبرنا أحد بوجوده.

والسبب كان أبشع مما تخيلنا.

أما أمي، فكانت الضحية المثالية.

كل الأدلة صُممت لتقود إليها.

وبعد ست سنوات من التحقيقات، ظهرت الحقيقة كاملة.

تم القبض على شقيق أبي التوأم في مزرعة مهجورة بعد أن قادتنا اعترافات فيكتور إليه.

واعترف بكل شيء.

واعترف أيضًا أن فيكتور لم يكن سوى أداة.

أما إدانة أمي، فقد أُلغيت رسميًا.

كانت ترتدي ملابس عادية لأول مرة منذ سنوات.

لم يكن هناك حراس.

ولا قيود.

ولا أبواب حديدية.

فقط أنا وإيثان ننتظرها.

ركض إيثان نحوها.

احتضنته وهي تبكي.

ثم رفعت عينيها نحوي.

اقتربت منها.

ولم أعرف ماذا أقول.

قالت لي:

— تعالى.

وبكيت مثل الطفلة التي كنتها يوم فقدنا أبي.

قلت:

— سامحيني.

وضعت يدها على شعري.

— أنا سامحتك من أول يوم.

— بس أنا صدقتهم.

— لا.

ابتعدت قليلًا ونظرت في عيني.

— إنتِ صدقتي اللي كل الأدلة كانت بتقوله.

ثم ابتسمت.

— المهم إنك في الآخر صدقتي أخوكي.

نظرت إلى إيثان.

كان يضحك وهو يمسك يدها.

فهمت وقتها أن أصغر شخص في عائلتنا كان أكثر شخص شجاعة.

طفل عمره ثماني سنوات حمل سرًا لمدة ست سنوات.

— أنا عشت ست سنين في مكان بيخلّي الإنسان ينسى معنى الحرية.

— عشان كده مش هسمح لطفل يحس إنه لوحده.

أما أنا، فلم أعد أخاف من الشك.

تعلمت أن الحقيقة قد تتأخر.

قد تختبئ.

وقد تجعل الأبرياء يدفعون ثمنها.

كان الجميع يعتقد أن طفلًا صغيرًا لن يستطيع تغيير شيء.

لكن كلماته غيّرت مصير أم.

وكشفت الجاني.

وأنقذت عائلة كاملة.

بل انتهت الكذبة التي عاش الجميع بداخلها ست سنوات.

أما الحقيقة…

ولأول مرة منذ ست سنوات، عدنا إلى البيت معًا.

قبل تنفيذ الحكم على أمي بـ5 دقائق…

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى