
كان ثلاثة رجال قد اتخذوا مواقعهم بالفعل قرب حلبة الرقص، بابتسامات مهذبة وعيون قاتلة.
اقترب أحدهم، رجل طويل تتخلل شعره خصلات فضية، وهمس في أذن آسر بسرعة.
استمع آسر دون أن يرمش.
ثم عادت عيناه إليّ.
«واضح إنك كنتِ عندك حق.»
ابتلعت ريقي.
«بخصوص البلكونة؟»
«مش البلكونة. المبنى اللي قصادنا. فوق السطح. بندقية بعيدة المدى. القناص اختفى.»
اختفى صوت القاعة.
كنت لا أزال أرى الأفواه تتحرك، واللآلئ تلمع، والشمبانيا تتصاعد فقاعاتها، لكن كل شيء بدا بعيدًا للحظات.
«يعني أنا ما كنتش بتخيل؟»
«لا.» أصبح صوته أكثر هدوءًا بدرجة واحدة. «إنتِ ما تخيلتيش حاجة.»
كان من المفترض أن أشعر بالراحة.
لكن بدلًا من ذلك، اندفع الخوف ليحل محلها.
«أنا لازم أرجع شغلي»، قلت بغباء، لأن العقل أحيانًا يتمسك بالروتين عندما يصبح الواقع أكبر من أن يحتمله. «داليا هتخصم من مرتبي لو—»
نظر إليّ آسر وكأنني أخبرته أن البحر سيغرمني لأنني أنزف بداخله.
«مش هترجعي تقدمي شمبانيا.»
«أنا محتاجة الفلوس.»
«هعوضك.»
«مش عايزة تعويض. أنا عايزة أروح بيتي.»
تغيرت ملامحه.
ولأول مرة رأيت شيئًا أبرد من الامتنان في عينيه.
«مش هينفع تروحي بيتك.»
شعرت أن الأرض تميل تحت قدمي.
«يعني إيه مش هينفع أروح بيتي؟»
«يعني الناس اللي حاولوا يقتلوني ممكن يكونوا عرفوا إنك إنتِ اللي عطلتِ المحاولة. ممكن يفتكروا إنك شوفتي حاجة مهمة. وممكن يقرروا يستخدموكي كورقة ضغط.»
اقترب مني أكثر، وخفض صوته حتى أصبح تحذيرًا واضحًا.
«الليلة يا مريم عبد الرحمن… بقيتي مرئية لناس خطرين جدًا.»
#حكايات_شروق_خالد
#حصريه_على_الصفحه
#روايات_وحكايات
نظرت ناحية باب الخدمة، ناحية المطبخ، ناحية الحياة التي كنت أفهمها قبل ساعة واحدة فقط.
صينية.
وردية عمل.
مرتب.
كل ده اختفى.
«يا أستاذ آسر»، قالت داليا وهي تقترب منا مسرعة، وابتسامتها مشدودة من شدة الخوف. «أنا آسفة جدًا لأي إزعاج. مريم واحدة من الموظفات الجدد، ولو هي تجاوزت حدودها—»
«هي أنقذت حياتي»، قال آسر.
توقفت داليا فجأة لدرجة أن كعب حذائها أصدر صوتًا فوق الرخام.
لم يبعد آسر عينيه عني.
«وعشان هي أنقذت حياتي… هتخرج معايا.»
كان المفروض أرفض.
كان المفروض أصرخ.
كان المفروض أقول له إن الحماية من رجل زي آسر القناوي ممكن تكون أقرب للسجن منها للأمان.
لكن في تلك اللحظة، تحدث أحد رجاله بهدوء في سماعة أذنه، ثم نظر ناحية النوافذ.
آسر رأى ذلك.
وأنا رأيته أيضًا.
ظهرت النقطة الحمراء مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
استقرت فوق صدري مباشرة.
#حكايات_شروق_خالد
#حصريه_على_الصفحه
روايات وحكايات
لم أستطع حتى أن أتنفس.
النقطة الحمراء فوق صدري كانت ثابتة.
لم تعد على آسر.
كانت عليّ أنا.
رفعت عيني إليه ببطء.
ولأول مرة منذ أن قابلته، رأيت شيئًا يشبه الغضب الحقيقي في وجهه.
أمسك بخصري فجأة وسحبني إلى صدره، ثم أدار جسدي بحيث أصبح ظهره هو الحاجز بيني وبين النوافذ.
«ما تبصيش وراكي.»
«آسر…»
«مريم، اسمعيني.»
كان صوته منخفضًا، لكنه لم يعد هادئًا.
«من اللحظة دي، أي كلمة أقولها تعمليها من غير نقاش.»
«بس—»
«من غير نقاش.»
أمسك بيدي بقوة، وبدأ يتحرك بي وسط الحاضرين.
بدت حركتنا للآخرين كأنها رقصة أخرى.
لكني كنت أعرف الحقيقة.
كنا نهرب.
رجاله تحركوا في اللحظة نفسها.
رجلان اتجها نحو المخرج الرئيسي، وآخر وقف أمام الأبواب الزجاجية، بينما الرابع أمسك بهاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا.
ثم انطفأت الأنوار.
صرخت امرأة.
سقطت عدة كؤوس.
وانفجرت الفوضى في القاعة.
«اجري!»
شدني آسر من يدي.
«فين؟»
«معايا!»
ركضنا.
لم أفكر.
لم أسأل.
كل ما كنت أفعله هو محاولة مواكبة رجل بدا وكأنه يعرف بالضبط أين يضع قدمه وسط الظلام.
وصلنا إلى ممر جانبي.
فتح آسر بابًا حديديًا، ودفعني إلى الداخل، ثم دخل خلفي وأغلقه.
كان المكان ضيقًا ومظلمًا.
مخزن خدمة.
سمعت خطوات تمر في الخارج.
ثم أصوات رجال يتحدثون.
«فتشوا كل الممرات!»
التصقت بالجدار، ووضعت يدي على فمي حتى لا يصدر مني صوت.
آسر كان أمامي مباشرة.
قريبًا جدًا.
لدرجة أنني شعرت بأنفاسه.
رفع إصبعه أمام شفتيه.
ظل صامتًا.
مرت دقيقة.
ثم دقيقتان.
وفجأة…
دوّى صوت طلقة في الخارج.
ارتجف جسدي دون إرادة.
تحرك آسر نحوي فورًا، ووضع يده خلف رأسي ليمنعني من الاصطدام بالرفوف.
«اهدَي.»
«أنا مش بخاف من صوت الرصاص.»
نظر إليّ.
«كذابة.»
«أنا بخاف من اللي بيحصل بعد الرصاص.»
لأول مرة، ظهر شيء يشبه ابتسامة صغيرة على فمه.
«إنتِ غريبة.»
«وأنت السبب.»
اختفت الابتسامة.
«مريم… إنتِ فاهمة إنك لو خرجتي من هنا لوحدك، ممكن تموتي؟»
«فاهمة.»
«وعارفة إن الناس اللي حاولوا يقتلوني مش هيسيبوا شاهدة تمشي؟»
«فاهمة.»
«يبقى ليه لسه بتتكلمي معايا بالطريقة دي؟»
نظرت في عينيه.
«عشان لو كنت هخاف من كل رجل مخيف قابلته في حياتي، مكنتش وصلت لميامي أصلًا.»
ظل ينظر إليّ لثوانٍ.
ثم قال:
«مين قالك إني مخيف؟»
«كل الناس اللي في القاعة.»
«وأنتِ؟»
ترددت.
«أنا… لسه بقرر.»
قبل أن يرد، جاء طرق خفيف على الباب.
تجمدنا.
ثلاث طرق.
ثم اثنتان.
رفع آسر سلاحه.
نعم.
سلاح.
لم أعرف من أين أخرجه، لكنه ظهر في يده وكأنه كان جزءًا من جسده.
اقترب من الباب.
«مين؟»
جاء صوت رجولي من الخارج.
«أنا ياسين.»
فتح آسر الباب ببطء.
دخل رجل في أواخر الثلاثينيات، يحمل سماعة في أذنه.
«القناص هرب.»
«مين ساعده؟»
«لسه مش عارفين.»
ثم نظر إليّ.
«لكن عندنا مشكلة أكبر.»
«اتكلم.»
«الكاميرات سجلت مريم وهي بتحذرك.»
شعرت ببرودة في أطرافي.
«يعني؟»
أجاب ياسين:
«يعني دلوقتي صورتها عند الناس اللي حاولوا يقتلوك.»
ساد الصمت.
نظرت إلى آسر.
«أنا لازم أروح.»
«لأ.»
«لازم.»




