
كانت بدلته السوداء مصممة بدقة وكأنها قرار لا رجعة فيه، وعندما رفع يده ليرد على أحد الرجال، انعكس ضوء الثريا على ساعته البلاتينية مثل نصل حاد.
لم أكن أعرف اسمه.
لكنني كنت أعرف أن كل شخص حوله يعرفه.
#حكايات_شروق_خالد
#حصريه_على_الصفحه
#روايات_وحكايات
اقتربت منهم بالصمت المعتاد لامرأة تعلمت أن البقاء على قيد الحياة يعني أحيانًا أن تكون مفيدة دون أن تصبح ملحوظة.
«شمبانيا يا جماعة؟»
مد معظمهم أيديهم دون أن ينظروا إليّ.
لكن الرجل صاحب البدلة السوداء المثالية نظر إليّ مباشرة.
كانت عيناه سوداويتين تقريبًا.
لم تكونا فارغتين ولا قاسيتين، لكنهما كانتا شديدتي الحذر، مثل غرفة أُغلقت جميع نوافذها من الداخل.
لثانية غريبة، شعرت أن نظرته تعرفني رغم أنه لم يرني من قبل.
ثم رأيت النقطة الحمراء.
في البداية ظننت أنها انعكاس لضوء كاميرا.
نقطة حمراء صغيرة ارتجفت فوق كتفه، واضحة جدًا على سترته السوداء.
تابعتها بعيني وهي تتحرك إلى أعلى، مرت فوق الحافة البيضاء لياقته، ثم عبرت فكه، حتى استقرت في منتصف جبهته.
ثابتة تمامًا.
تجمدت أصابعي حول الصينية.
استمرت الموسيقى.
استمرت الكؤوس في الاصطدام ببعضها.
وضحت امرأة بصوت مرتفع قرب طاولة المزاد.
لكن لم يرَ أحد ما رأيته.
لأن لا أحد في تلك القاعة كان مدربًا على مراقبة صينية نادلة، أو وجه خادمة، أو الموت عندما يأتي في صمت على هيئة نقطة ضوء صغيرة.
كانت أمي ممرضة.
وكانت دائمًا تقول إن الذعر رفاهية يحاول الجسد شراءها عندما لا يكون لدى العقل خطة.
وفي تلك اللحظة، سمعت صوتها وكأنها تقف خلفي.
«اعملي حاجة يا مريم… وبعدين خافي.»
لو صرخت، فقد يطلق القاتل النار.
لو أشرت إليه، سيلتفت الجميع، وستنتشر الفوضى، وربما يدخل شخص بريء في مسار الرصاصة.
ولو تجمدت في مكاني، فسيموت الرجل أمامي وكأس الشمبانيا لا تزال في يده.
وضعت الصينية على أقرب طاولة جانبية.
كانت يداي ترتجفان بالكاد.
ثم ابتسمت.
ابتسامة مشرقة، جريئة، حمقاء.
من النوع الذي تستخدمه امرأة عندما تريد من الجميع أن يسيئوا فهمها عمدًا.
دخلت إلى مساحة الرجل قبل أن يتمكن أحد حراسه من إيقافي، وضعت يدي على ذراعه، واقتربت منه حتى شعرت برائحة عطره؛ خشب الأرز والدخان وشيء آخر أكثر قتامة.
«بعد إذنك»، قلت بصوت ناعم وكأنني أغازله. «ارقص معايا كأنك جوزي.»
تجمد جسده.
واصلت الابتسام.
«في نقطة حمرا على جبهتك»، همست. «ما تبصش… ما تتحركش… بس خد إيدي واتحرك.»
مرت ثانية.
لم يحدث شيء.
ثبت عينيه في عينيّ، وكانت نظرته حادة بما يكفي لاختراق العظام.
رأيت الشك أولًا.
ثم الحساب.
ثم تحركت النقطة الحمراء إلى صدغه.
«إنتِ مين؟» سأل بصوت منخفض.
«دلوقتي؟» همست. «الست اللي بتحاول تمنع دمك ينزل على الرخام.»
اشتد فكه.
«وليه أثق فيكي؟»
«عشان لو ما وثقتش فيا، بعد خمس ثواني كل اللي في القاعة دي هيعرفوا المكان اللي كنت واقف فيه لما مت.»
تغير شيء في ملامحه.
لم يكن خوفًا.
رجال مثله لا يظهرون الخوف أمام الغرباء.
كان قرارًا.
أغلقت يده على يدي.
في اللحظة نفسها، بدأت فرقة الموسيقى تعزف رقصة بطيئة، وسحبني إلى حلبة الرقص بسلاسة جعلت عدة سيدات يلتفتن نحونا.
لم يكن الأمر لأن شيئًا بدا غريبًا، بل لأنه كان يتحرك كرجل اعتاد العالم كله أن يفسح له الطريق.
استقرت كفه أسفل ظهري.
قدته نحو أكبر تجمع من الراقصين، مستخدمة الفساتين والبدلات كغطاء.
«اتكلمي»، قال بالقرب من أذني. «مين بعتك؟»
«محدش بعتني.»
«ما تكذبيش عليّ.»
«أنا نادلة، مش جاسوسة.»
«النادلات مش بتعطل عادةً محاولات اغتيال.»
«ورجال المافيا مش بيحتاجوا عادةً ست لابسة جزمة رخيصة تنقذهم… بس إحنا هنا.»
اشتدت قبضته لثانية.
ليس بألم.
بل بدهشة.
«لسانك طويل.»
«الليلة كلها ماشية غلط.»
استدرنا.
وفوق كتفه، رأيت النقطة الحمراء تبحث عنه من جديد، تمر للحظة فوق عقد لؤلؤ لامرأة، ثم تلمع على كم نادل أبيض قبل أن تختفي.
هبط قلبي إلى قدمي.
القاتل فقد فرصة التصويب.
لكنه لم يتخلَّ عن نيته.
«البلكونة»، همست.
«أنهي واحدة؟»
«اللي فوق على الشمال. بره الزجاج الشرقي. شوفت حاجة معدنية.»
لم ينظر.
لم يرتجف.
لكن يده على ظهري تحركت، تقودنا بدقة مرعبة ناحية عمود يستطيع رجاله من خلاله رؤية وجهه.
«اسمك إيه؟» سأل.
«مريم عبد الرحمن.»
«مريم عبد الرحمن»، كرر الاسم وكأنه يحاول معرفة هل الاسم يخص معجزة أم فخًا.
ثم قال:
«أنا آسر القناوي.»
سقط الاسم بيننا قبل أن يصل إلى ذاكرتي.
القناوي.
كنت قد سمعت الاسم في المقهى، يتهامس به رجال يرتدون الخواتم ويتحدثون بصوت منخفض.
وسمعته مرة من صديق سارة عندما ذكر مذيع الأخبار تحقيقات حول شركات وعقارات على البحر.
كنت قد سمعت اسم القناوي في ميامي بالطريقة التي يسمع بها الناس صوت الرعد قبل عاصفة يتظاهرون بأنها لن تأتي.
«آه…» خرجت مني بصوت خافت.
ابتسم ابتسامة باردة.
«أيوه… آه.»
انتهت الرقصة.
صفق الموجودون من حولنا بأدب.
لكن آسر لم يتركني.




